يمنى العيد.. أرق النص / انيسة الامين مرعي

في مقدمة كتابها «أرق الروح» تطرح الكاتبة سؤالا يظن أغلبنا أنه بسيط: «من أنا؟».

امرأة كاتبة، في سجلها عشرات النصوص المنحوتة بدأب الصناع المهرة. نصوص مختومة باسم اختارته الكاتبة لحظة قررت الكتابة والنشر: يمنى العيد، كأن عبور النص إلى الآخرين يساوي لقاء يشبه العيد، يشبه فرحة عبور الكلمات من…إلى……….إلى الأيدي والعيون والعقول.

لست أديبة ولا روائية ولا ناقدة، ولكن كان اسمها حاضرا أنى ذهبت وأنى غدوت. امرأة مثقفة، تتجرأ على النقد. وكانت هذه المفردة: النقد، أمر أخاله عظيماّ لأنه نقيض الصمت والخضوع والظل. واليوم تسأل من أنا! جرأة تتجاوز جرأة علانية النقد فترد القارئ إلى أسئلة لم يقو هو على طرحها يوما على ذاته.

حملت يمنى عدسات مكبرة وذهبت في كتاباتها إلى الحكايات، حكايات النساء والرجال، حكايات المجتمع والتاريخ. حكايات الرواية العربية. تتساءل من أين تخرج الحكايات: من الواقع أم من المتخيل! من الوافد أم من المعيش! كيف نكتب؟ أين يكمن مرجع الكتابة؟ ما هي أدوات معرفة النص؟ واللغة، ما هو موقعها في كل ذلك!

في مدرسة القديس يوسف للظهور، حيث كانت اللغة الفرنسية هي علامة الاختلاف، جابهت البنت الآتية من أجواء تعلم القرآن وسماع الآذان وفصاحة اللغة العربية أهم لحظات حياتها الثقافية تقول ص 116 «كنت أخرى مختلفة، أي غريبة ودخيلة وربما دونية!».

العام الفائت كنت أقدم مداخلتي السنوية في الجمعية اللبنانية للتحليل النفسي، وهي جمعية فرانكفونية، يومها، وبتصميم أشبه بالقتال، أصررت على التحدث باللغة العربية. أمامي الزميلات والزملاء في الصف الأول. وعندما استشهدت بنص ليمنى العيد، سمعت محللة شابة تسأل زميلة مسنة: من هي يمنى العيد؟ أجابتها «قد تكون مقاتلة على الحدود مع إسرائيل». أدركت حينها، بغضب لا حدود له، لماذا لم أجتهد لتعلم لغتي العربية، لماذا لم أقرأ القرآن، ولماذا كل ذلك الاجتهاد للقراءة بالفرنسية لتعلم لغة الآخر الذي لا يعرفني ولا يفكر حتى بذلك. «غريبة ودخيلة وربما دونية»! كل حياتي كانت رهينة تجاوز هذا الحائط، كأن اللغة الفرنسية هي مدخلي إلى العلم والمعرفة والحداثة والتميز! ولكن أعترف بأنها كانت حليفتي السرية في التعرف على المسائل الخاصة بالأنثى الصاعدة إلى غد مغاير.

تخليت هذه السنة عن القتال، وقدمت محاضرتي، كالعادة، بالفرنسية، أدرك الآن فقط، ولحظة كتابة هذه الكلمات، معنى عنوانها «تروما المرجعية». هنا أحب أن أذكر نبذة صغيرة من تلك المحاضرة الكلينيكية لتبيان أهمية الحرف واللغة في العمل التحليلي العيادي: سيدة لبنانية من أصل فلسطيني في الخمسين من العمر تحلم بما يلي «رجل ياباني يدفع، شبه معصور للوقوع في قناة حديدية ضيقة جدا ليموت، هي تهرول خوفا مع ولديها حيث تقع في حفرة عميقة». سألتها: بماذا ينادى الأب باللهجة الفلسطينية، نظرت إلي بحزن، صمتت ثم قالت: يا با، أردفت قائلة: ( ياباني، أبي أنا)، الياء تعود لك. اللغة تقولنا عبر المجاز والكناية.

كنت أتجنب نصوص يمنى. هي، تعرف لغة عربية، نصا، لم أكن أعرفه، أرنو إليه، ربما أمر بمحاذاته دون توقف يذكر، هو حاضر كأنه يلاصق الجلد، لدرجة أننا لا نراه. مفردة «النص»، أعرف اليوم أنه النص المؤسس لثقافتنا: «إننا أنزلناه قرآنا عربيا».

من أنا؟

تكتب يمنى في «أرق الروح» عن حكاية حكمت صباغ الخطيب، ابنة الشيخ علي المجذوب الصباغ. عن البنت التي ولدت بعد أن مات الأخ عبد الحليم……. حرف ال ح الماثل في مفردات حكاية وحكمت وعبد الحليم هو ماثل أيضا في مفردة محو. خافت يمنى في العيد حيث حلقت بأجنحتها أن تكون قد خانت حكمت ابنة الشيخ. زمن السبعينيات كان عيدا هرولنا جميعا يومها نحو تصور حيوات أخرى. هرولنا بأقدام خفيفة وأحلام أكبر منا. روايات وكتابات كانت حصاد ذلك الزمن الوهاج. أمسكت يمنى بكل تلك الحكايات التي سطرتها أرواح عاشقة وأخذت تقرأها حرفا حرفا وتكتبها من جديد. بقي حرف ال ح، الشيخ علي، حي رجال الأربعين والرائحة، رائحة القرفة في البكرج والتي يحب الشيخ علي شربها، رائحة الياسمين التي تعبق من صدر أمها. والصوت من المئذنة «حي على الصلاة»، صوت العم الذي يخترق دفق المطر.

الاسم حكمت والحرف هو النص. هو اللغة التي رسمتها، لغة عبرت إلى جسد البنت الصغيرة، من نظرة الأم ولمستها ورائحتها. من الطرقات والسلالم التي تسلقتها، من الخوف والرصاصة التي تثقب القدم الصغيرة.

عندما أمسكت يمنى بالمعرفة وصارت علما حاضرا كان ما زال هناك دين في ذمتها. الوفاء بالدين هو لحظة تحرر. تركت الذكريات تتدحرج أمامها، صورتها حاضرة حية وأخذتنا إلى صيدا وأحيائها، صارت الحروف صورا ناطقة لأنها خرجت من طيات روحها. خافت أن تموت هذه الصور كما مات أمين رفيق طفولتها. اللغة ناس وأمكنة. وحكمت هي الدليل إلى ذلك الزمان وذلك المكان. حكمت كتبها نص ويمنى كتبت نصا آخر. بينهما عمر تقع فيه حكاياتنا.

نحن أبناء اللغة قبل أن نكون أبناء أمهاتنا وآبائنا، من هنا شغلها النص العربي الذي يحكي حكاياتنا. قالت للجميع في «أرق الروح» أنى ذهبتم، لملموا حكاياتكم من أفواه أحبتكم، من الحب الذي صنعكم. من طرقات مدائنكم ومن أحلام ناسها. من البعيد الآتي من وراء البحار ومن القريب المعجون باليدين. عندها فقط يصير النص أنتم، وليس كما كنا نظن أن النص سيف مسلط على رقابنا كما يفعل ساسة النص والتحوير. لسنا في عالم معزول، تتسرب إلى دواخلنا صور ومقولات وعوالم متباينة: منتجات الصين وألق نيويورك وباريس وحروبنا المقيتة وكرهنا لحضارتنا وتدميرنا لصروحنا الحضارية. الصور في اللاوعي لا تخضع للزمن ولا للمنطق، تتجاور دون أن تتقاتل، والصور هي أفكار وكلمات ومقولات وخطب. ناس وتواريخ.

أنت، طرحت قلق الاسم وقلق الذات وقلق الثقافة. حكمت هي نص الشيخ علي الذي سماك، هي وهم الذكر الذي لاحقك. حفرت عميقا في الأسئلة والمعرفة والرواية والنقد، فصرت أنا، صرت هن، وأية امرأة عربية مشغولة بالنص الذي كتبها ويكتبها وتتساءل حوله. هذا الانشطار تعيشه كل امرأة سواء تساءلت حول من هي أو لا تتساءل.

هذه الأسئلة هي أسئلة الأنثى فيك. أسئلة أنثى، جلست بين الرجال وقالت ما تراه هي. كنت حاضرة في مناخ أتنفسه وحولي وأمامي دون قرب منك. ويوم دخلنا إلى إحدى القاعات في مناسبة ثقافية، انبرى مسؤول حزبي بلهجة آمرة قائلا: يمنى اجلسي. اضطربت يومها وأعترف بأنني ما زلت أمقته حتى اليوم.

انتقدت الأنثى فيك السلطات والتظلمات، المقولات النظرية والمفاهيمية، كأن النص هو شغلك الشاغل. هذه الأنثى تتحدى وتبني، تنشئ وتربي، كمديرة ومربية، كمناضلة وباحثة ومنظرة وصاحبة مشاريع فكرية.

أحد ما، يا يمنى لم يجرؤ على الوقوف أمام وحول البناء الشاهق الذي شاده. أنت فعلت. يمنى فعلت ذلك، لأن حكمت، ابنة الشيخ، حاملة اسم ذلك الرجل، من حي رجال الأربعين، في مدينة أعطيتها من صباك وجمالك وعقلك وأمومتك ما هو كاف لتعودي إلى البيت القديم والشمعة تنطفئ بين يديك. وتعرفين كيف صمت الشيخ بعد أن غادرت هي. المرأة التي عشقها والأم التي احتارت في أن ترسلك إلى حيث ثقبت قدماك. الثقب في قدم أوديب هو الذي قاده إلى معرفة نسبه.

نصك في « أرق الروح» يساوي عمرك، الذي سوف يطمئن اليوم أنه رد للأهل والمدينة دينا كان يؤرقك، ارتحت من « خيانتك» لذلك التاريخ.

أنت، التي خرجت من رحم امرأة من هنا، كانت عشق الشيخ علي. كل ذلك العشق لها، جعلك تلتقطين عشق نزيه الخطيب. خاطب مطرحا قصيا فيك، ولكنك تعرفينه. كتب لك شعرا هو الحب. حرف ال ح ماثل هنا أيضا. إنه الحياة. أعرف أن كل هذا الحب هو الذي جعل يمنى في عيد.

الشعر نص الحب والحكاية نص الحياة و«معرفة النص» تكمن، كما تقولين في «كيف نحكي حكايتنا» نحن الرواة. داخل كل باحث في معرفة ما، مهما اتجه وأينما حل، يوجد راو يحكي حكايته.

وأنا أحكي حكايتي عندما أكتبك.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق