باراديغم الحرب العالميّة الثالثة (3/1)

مقدّمة

 تشكّل الحرب حدثا تأسيسيّا في حياة الشّعوب، لأنّها تدفع إلى إعادة النّظر في تكوين الذّات وحضورها التّاريخي، سواء تعلق الأمر بالنّصر أو بالهزيمة. ورغم أن الحرب كانت دوما تمثل الخطر الأقصى الذي ينبغي دفعه واستبعاده عن الأمة، إلا أنها مع ذلك وفي حالة قيامها فهي تنبني على أخلاقيات صارمة، تتعلق مثلا في حالة الإسلام باحترام العدو وعدم التنكيل بأطفاله ونسائه، كما تفرض أيضا قيودا صارمة بضرورة احترام الطبيعة وعدم تسميمها، فالحرب ينبغي أن تتم في نوع من الممارسة الفروسيّة النبيلة، والانتصار غير المستحق ليس انتصارا شريفا وإنما هو هزيمة مقنعة. إن المبدأ العام الذي كانت تقوم عليه معارك الماضي هو أن الهزيمة بشرف خير من الانتصار الغادر. كانت الحرب حتى في أبشع صورها أخلاقيّة لأنها لم تكن هدفا في حد ذاتها، بل هي وسيلة من أجل وضع القانون وخلق نظام اجتماعي ما.

 

غير أن المنعطف الذي تعرفه الألفيّة الثالثة بعيد كليا عن هذا الأفق، فنحن لأول مرة في تاريخ البشريّة نتجه نحو تأبيد الحرب وجعلها علامة مميزة للحضارة المعاصرة. 

 تكمن الأطروحات الأساسيّة التي يود هذا البحت بسطها والدفاع عنها فيما يلي:

أوّلا: فرضيّة حول المفهوم تتعلق بتوصيف ومساءلة المعالم الأساسيّة التي تميز هذه الظاهرة، فالمضمون الذي يحمله الإرهاب يظل غير مفهوم، لأن الإرهاب ما هو إلا التحلل اللاعقلاني للبراديغمات التي كانت تقوم عليها الحرب الكلاسيكيّة. فحينما تصبح هذه الأخيرة غير قادرة على عقلنة مجالها وأهدافها وعلاقتها بسلاحها وأعدائها، فإنّنا لا نكون بإزاء الحرب بل بإزاء الإرهاب. لقد أصبح هناك شبه إجماع من طرف المفكرين على أنّ الصّراع الذي يدور اليوم حول الإرهاب يشير إلى نوع جديد من الحروب غير المعهودة في التاريخ. 1

 هكذا يهدف هذا الموضوع إلى الكشف عن الطابع المتناقض لما يسمى بالحرب على الإرهاب خاصة مع التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم الحرب بعد بروز ظاهرة الإرهاب الدوليّة. فحربنا تختلف حتما عن الحرب الكلاسيكيّة التي عرفها الفرس أو العرب أو الرومان…
إنّها حرب بلغت درجتها القصوى ومن ثمة اقتربت من نهايتها، تاركة المجال لشكل جديد من الاقتتال هو ما أصبحنا نسميه اليوم بالإرهاب.
لقد كان للحرب لدى جميع الشعوب القديمة بل وحتى البدائيّة طقوسها الشعائريّة الخاصة وموروثها الثقافي، الذي قد يتجلى في تعزيز الروح الوطنيّة، والإحساس بالانتماء لهويّة حضاريّة ما أو بسبب الممارسة الفروسيّة النبيلة. غير أن الإرهاب اليوم يعلن عن نفسه كتبديد لهذه الثقافة، أي كإهدار لما هو “إيجابي” في الحرب، واستكمال للوجه الآخر القذر لها.
من هنا يبرز الطابع العبثي لمفهوم “الحرب على الإرهاب حيث نلاحظ بشكل مفارق التداخل بين الإرهاب كما تمارسه التنظيمات الموصوفة بهذا الاسم وإرهاب الدولة.

 ثانيا: فرضيّة حول الأسباب تتعلق بتوصيف الفشل الذي وصلت إليه رهانات الحداثة الأنواريّة التي بلغت قمتها في التقنيّة العسكريّة، في الهيمنة والعنف على شعوب العالم بواسطة الاستعمار المباشر أو بواسطة العولمة كما هو حاصل اليوم.

إن الفرضيّة التي ندافع عليها هاهنا تقضي بأن الإرهاب ظاهرة مزدوجة الأسباب، فهي من ناحية أولى خلل ثقافي تعاني منه قراءة معينة للإسلام هي القراءة الأصوليّة المغلقة التي انتهى بها الأمر إلى تحويل الدين والإيمان إلى ظاهرة بليدة غير قادرة على التعايش مع منطق العصر. ومن ناحية ثانيّة علامة على الأزمة الداخليّة التي تعاني منها الحداثة، فحينما يقال إن الإرهاب لا دين له فهذا معناه بالأساس أن التناقضات الأخلاقيّة للحداثة والبربريّة التي يسير باتجاهها العالم اليوم من شأنها أن تصطدم مع كل التعبيرات الروحيّة أو الدينيّة أو الثقافيّة سواء كانت إسلاميّة أو مسيحيّة أو يهوديّة… اليوم يبدو الإسلام في الواجهة لأنه شعر أنه تعرض للإهانة أكثر من الآخرين في الشيشان والبوسنة وفلسطين… غير أن المستقبل قد يؤدي إلى ظهور واجهات احتجاجيّة أخرى قد تكون من قلب العالم المسيحي نفسه، من هنا رمزيّة عمليّة أوكلاهوما التي تحطم تلك القسمة الخرافيّة التي وضعها بوش بين محور الخير ومحور الشر أو بين:”لدينا ثقافتنا ولديهم ثقافتهم“أو حتى:”يكرهوننا لأننا أحرار“فالآخر هنا الذي نصفه بالإرهاب عدو الحريّة ذو الثقافة الماقبل حداثيّة والذي نموقعه ضمن جغرافيّة وثقافة محددة، لا يقع بعيدا عن الذات بل هو يخترقها ويسكنها من الداخل.

ثالثا: فرضيّة حول النتائج تتناول الأفق المسدود الذي وصلت إليه الحضارة التي تراهن على القوة العسكريّة وعلى الحرب لحل مشاكلها ومعالجة اختلافاتها. هكذا يريد هذا البحت أن يثبت أن كل المفاهيم العقلانيّة حول الحرب سواء الحرب المطلقة أو الحرب الدفاعيّة أو الحرب الوقائيّة كلها لا تحمل أي إمكانيّة كي تعالج البشريّة اختلافها.
ينبغي التأكيد على أن ما يضعه الإرهاب موضع خطر هو هذا الباراديغم المثالي الذي تقوم عليه الحرب، أي مجموع القواعد والقوانين الأخلاقيّة والتقنيّة التي سمحت للبشريّة فيما بعد بالتمييز بين الحرب العادلة وجرائم الحرب، وذلك ما دام أن كل حرب كانت تنطوي ضمنيا على انزلا قات وممارسات تخل بمبادئها وبأخلاقياتها العامة.
إن مصطلح جرائم الحرب يدل صراحة على أن هناك قواعد وقيم لا بد أن يلتزم بها المتحاربون، تلك القواعد والقوانين التي دونت في اتفاقيات جونيف. غير أن الإرهاب يوجد على النقيض تماما من هذه الإتفاقيات. إنه يستكمل الفظاعات التي تقوم بها الحروب لكنه في الآن ذاته يذهب بها أبعد من ذلك بكثير، وذلك حينما يلغي جميع العناصر التاريخيّة التي كان يقوم عليها باراديغم الحرب Le paradigme de la guerre ومن بينها مثلا إمكانيّة قيام تسويات معينة معتبرا أنّ الصراع لا تحكمه غايات سياسيّة أو اقتصاديّة محددة، بل أهداف ساميّة عليا ترمي إلى تغيير وجه الحضارة المعاصرة برمتها .

 كيف إذن يتقاطع الإرهاب مع الحرب الإرهاب ضمن وشائج وروابط خفيّة تشتركان معا في تشكيل الواقع وصياغة العلاقات الدوليّة المعاصرة؟ هل الإرهاب مجرد حرب متمردين ضد واقع سياسي فرضه الغرب أم هو حرب محكومة بأهداف ومطالب عقائديّة عليا وما دلالة هذا الأمر؟ ما هي السمات المميزة لباراديغم الحرب العالميّة الثالثة؟ لماذا لا تحقق الحرب على الإرهاب تقدما حقيقيا لا من الناحية السياسيّة ولا من الناحية العسكريّة المحضة، بل لا تقوم سوى بمفاقمة الأوضاع التي تزيد من نشاط الجماعات المسلحة. 

كلوسفتش: العلاقات الممكنة بين السّياسة والحرب

 لنبدأ في البداية بإطلالة مركزة على مفكر الحرب بامتياز كارل فون كلوسفتس Carl von clausewitz 3، ولنحلل معه هذه المعقوليّة التي كانت تقوم عليها الحروب الكلاسيكيّة. إنه يتحدث عن الحرب المطلقة أي تلك الحرب الشاملة التي تتضمن جميع العناصر الكلاسيكيّة المكونة للحرب التقليديّة، لذلك فهو يقوم في كتابه 4 بتوصيف أساسي للتكتيكات والاستراتيجيات التي تضمن الانتصار في أي حرب ممكنة، غير أنه مع ذلك يحاول أن يفهم أسباب قيامها، هذه الأسباب التي لن تكون شيئا آخر غير السياسات التي تقوم خلفها، إذ ليست هناك أبدا حرب عرضيّة تقوم من أجل الاقتتال فقط، بل إن السياسات التي يضعها رجال الدولة هي التي تنطوي على أسباب معينة قد تدفع إلى التوسع أو السيطرة أو البحث عن الخيرات لدى الشعوب الأخرى، هكذا فالحرب في نظر كلوسفتش هي ببساطة وسيلة من الوسائل ـ مثلها في ذلك مثل الاقتصاد ـ لتطبيق وتجسيد سياسة دولة ما والدفاع عن مصالحها.

 لهذا السّبب يرى ريمون آرون أن كلوسفتس لا يمكن اعتباره بأي وجه من الوجوه داعية من دعاة الحرب كما تم غالبا من طرف أغلب التأويلات المتسرعة التي تعرضت لأفكاره، بل هو المفكر الذي رأى أن إصلاح السياسة، من شأنه أن يؤدي إلى وضع نهاية للحروب، فاستقرار السياسات ووصولها إلى نوع من التوافقات المجمع عليها من طرف الجميع هو الهدف الأسمى الذي لن يترك أيّة إمكانيّة للتنازع والاقتتال، لذلك فهو يقارن في دلالة بالغة بين الحرب والاقتصاد لأن كليهما في نظره يقوم على تضارب في المصالح وبحت عن مكاسب ماديّة ملموسة : النصر الحاسم في الحرب، والربح الكافي في الاقتصاد، وبالتالي فالاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي أمر محمود إذا ما عرف البشر كيف يعقلنون سلوكهم الاقتصادي والسياسي.

 يبدو أن كلوسفتس رغم أنه ينظر للحرب ويضع استراتيجياتها الأساسيّة إلا أنه كان يفكر في السلام، فهو لم يذهب إذن إلى إدراك الماهية الحقيقة للحرب باعتبارها شرا أساسيا ملازما لصيرورة التاريخ والتقدم البشري، بل نظر إليها كانزلاق لاعقلاني ناتج عن طموحات سياسيّة جامحة. لم ينتبه كلوسفتس إلى هذا الصراع الذي يختلط مع وجود الإنسان والذي حاول هيجل مثلا أن يلامسه باعتباره الجدل الأساسي الذي يصنع حركة التاريخ البشري. ولكن سواء تعلق الأمر بالحرب المطلقة المباشرة كلوسفتس أو بالحرب الممتدة في تاريخ وجود الإنسان كتعبير عن صراعه من أجل البقاء هيجل فإن الإرهاب هو على النقيض منهما معا لأنه يتجنب في الآن ذاته الطابع المباشر للحروب الكلاسيكيّة، إنه يستفيد من لعبة السريّة دون أن تكون هدفه، ما دام أن نجاح عملياته لا يكون إلا بمقدار الفزع والرعب الذي يحدثه في المجتمع والذي تنقله وسائل الإعلام بشكل مباشر، تم إنه على عكس الصراع الذي نظر له هيجل باعتباره نزاعا قابلا للذوبان في صيرورة الجدل، يبرز الإرهاب اليوم ـ إذا ما أردنا أن نستعيد تعبيرات فلسفة الاختلاف ـ كاختلاف أساسي غير قابل للمعالجة.

 إن التاريخ المعاصر للألفيّة الثالثة يبين بكل وضوح الإحراجات الكبيرة التي تعرضت لها المبادئ الفكريّة الأساسيّة التي ميزت نظريّة كلوسفتس ومنها مثلا فكرة أن الحرب الدفاعيّة هي أقوى شكل معين للحرب ’فالحرب الاستباقية اليوم تبين بكل جلاء أن الحرب لم تعد تتقيد بمنطق الدفاع عن حق معين والدود عليه، بل هي تعمل على اختلاق هذا”الحق“في إشعال الحرب وابتلاع أمة بكاملها باسم مصلحة عليا معينة.

 تم هناك المبدأ الآخر الذي ميز أطروحة كلوسفتس وهو أن الحرب تظل دائما قابلة للتفكير ومن تمة فهي قابلة للعقلنة والتوجيه من طرف رجل السياسة الذي هو وحده القادر على وضع الاستراتيجيات التي تتجه صوبها الحرب. فالإرهاب اليوم يكشف عن نفسه باعتباره شكلا للاقتتال غير قابل للعقلنة أو التوجيه , إنه ليس مجرد حرب قذرة، أي حرب تجاوزت بعض معالمها النبيلة، بل هو الحرب التي تنطلق أساسا من مبدأ إلغاء كل منطق وكل مبدأ وكل معقوليّة. من هذه المبادئ نذكر الأسئلة الآتية:
 لماذا الإرهاب؟ هل هناك سياسة معينة يمكن أن تقوده وتوجهه، للأسف الجواب هو النفي وذلك مادام الإرهاب قام أساسا من أجل تجاوز السياسة وإلغاء منطق التفاهمات والتسويات. إذا كانت كل هذه الأمور تظل مفهومة ضمن مجال الحروب الكلاسيكيّة، فإن الإرهاب يضعنا اليوم ضمن حالة خاصة واستثنائيّة.

 كيف نحارب؟
إن كل التكتيكات والوسائل أصبحت اليوم مباحة، من هنا تأتي دلالة السؤال الذي طرح حول كيف يمكن محاربة الإرهاب وفي نفس الوقت احترام حقوق الإنسان. أما من نحارب؟ فهو سؤال لا نحتاج إلى التذكير بصدده إلى أن العدو ليس له وجه محدد، لا من الناحية الثقافيّة، أو الاقتصادية، أو حتى من الناحية التنظيميّة.
 
 لقد كان الهدف العام للحرب هو السياسة طبقا لتصور كلوسفتش، أي أن الحرب ما هي في نهاية المطاف إلا تلك الإرادة في الوصول إلى تسويات وتوافقات تضمن انتصار وهيمنة أحد الطرفين على الآخر، وهذا هو معنى قولة كلوسفتش التي طارت شهرتها:”إن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى“، بمعنى أنّ الحرب تريد أن تصنع واقعا سياسيا ما، تستقر فيه مصالح دولة أو جهة ما. لكن من الملاحظ أن هذا المبدأ قد ينطبق على بعض الحروب المعاصرة مثل حرب فيتنام أو الحرب الإسرائيليّة العربيّة أو الحرب الباردة حيث لعبت السياسة دورا بارزا في تجنب الدخول في حرب نوويّة مباشرة، أما الحرب على الإرهاب فلا يبدو أن السياسة تفتعل حروبا من أجل أن ترسم مواقع معينة وتحدد استراتيجيات ،. كانت السياسة هي التي تصنع الحرب: أطروحة كلوسفتش.

أما اليوم فالحرب هي التي ترسم السياسات وتحدد معالمها. في الحالة الأولى تتخذ الحرب كوسيلة هدفها بشكل عام هو الدفاع عن قيم معينة، حتى وإن كانت هذه القيم تبدو غريبة وغير معقولة من طرف أعدائها. أما في الحالة الثانية فتصبح الحرب غاية في حد ذاتها، غير قادرة على وضع حد لها بل بالعكس لا تعمل إلا على تأجيج الصراعات وافتعال المعارك هنا أو هناك، وذلك بسببين: إما بدافع خلق أسواق ممتازة لبيع الأسلحة، أو بدافع إيجاد مبررات”معقولة“لفرض ما يسمى بالشرعيّة الدوليّة أو القرارات الأمميّة، بل وحتى في حالة غياب هذه الشرعيّة و انعدام هذه القرارات كما في حالة حرب الخليج الثانيّة، فإن الحرب مع ذلك تظل مصرة على شرعيتها الخاصة، وإن اقتضى الأمر تلفيق أكاذيب معينة كادعاء امتلاك صدام لأسلحة الدّمار الشامل أو ادعاء علاقة متوهمة بينه وبين القاعدة.
 في فكر كلوسفتش يبدو أن الحرب لها هدف أساسي ألا وهو الهيمنة على العنف وعقلنته كما يرى ريمون آرون، وبالتالي كل الوصفات التكتيكية التي يقدمها تقوم على قاعدة أخلاقيّة ضمنيّة وهي أن الحرب عبارة عن علم يقوم على منطق وعقل معين La raison de la guerre هذا العقل الذي يجعل في نهاية المطاف السياسة هي المهيمنة على الحرب، ورجل الدولة هو الذي يقود الجنرال في المعارك وليس العكس.
وكيفما كان الحال كل هذه التحاليل التي يقدمها في كتابه تنطوي على درس واحد وهو أن الحرب تظل تحت سيطرة الإنسان هو الذي يتحكم فيها، بإمكانه إشعالها أو وضع نهاية لها. هناك إذن مراهنة على عقلانيّة البشر. إنه لم يذهب إلى حد الانتباه للطابع الفريد الذي تتميز به الحروب كحتميّة لصيقة بالمضمون الداخلي للحضارة المعاصرة، وهذا معناه أنها ليست نتيجة للصدفة وتقلبات التاريخ، بل لها أسباب معروفة والتي لن تكون في نظرنا شيئا آخر غير التطور الكاسح للرأسمال وما يتركه من مفارقات اجتماعيّة عنيفة، تم ضعف البناء الأخلاقي للحداثة والتمزقات التي أدت إليها في الهويّة الثقافيّة والكينونة الاجتماعية.
 
 لا نعتقد إذن أن كلوسفتش قد وصل إلى حدس هذا الشر المطلق الذي وصل إليه التاريخ المعاصر، إذ يبدو كيفما كان الأمر أن الحرب والسياسة ظلتا في فكره عبارة عن قطبين يمكنهما أن يتبادلا الأدوار، وأن يخدم أحدهما الآخر: الحرب تضع واقعا سياسيا، والسياسة تدبير لهذا الواقع، ففي فكر كلوسفتش ما زالت الحرب تحافظ على باراديغماتها الكلاسيكيّة، لأن ما كان يهمّه كما رأى ريمون أرون هو إدراك أهميّة الحرب الدفاعيّة ـ والتي هي اسم آخر للسياسة ـ وتفضيلها على الحرب الهجوميّة المباشرة، لذلك ورغم أنّه قام بوصف دقيق لكل التكتيكات والاستراتيجيات الكفيلة بضمان النصر في المعركة، إلا أنّه مع ذلك لم يصل إلى إدراك الماهية الحقيقيّة للحرب باعتبارها انحرافا لا عقلانيا للأساس الحضاري الغربي، وهنا تكمن محدوديّة القراءة التأويليّة التي يقدمها آرون نفسه حينما يؤكد على أن كلوسفتش كان يهدف إلى تقديم الحرب باعتبارها ظاهرة خاضعة لإرادة الدولة وبالتالي لتخطيطات رجل السياسة. وكما رأى عبد الله العروي 5 في إشارة لافتة إن كل هذه القراءة التي يقدمها أرون تقوم على افتراض أساسي يعود بجذوره للفلسفة الأنواريّة وهو أن العقلانيّة هي الأفق الذي تتطلع إليه الدولة. ولكن ماذا لو نظرنا قليلا إلى التاريخ وتأملنا المآل الذي انتهت إليه مثل الأنوار. ماذا لو وقفنا الآن على هذه الماهية المميزة للحرب بمفهومها الغربي، وكيف يشكل تحقق هذه الماهية منعطفا كبيرا في تاريخ الإنسانيّة؟ 
 إن ماهية الحرب هاته كما نحاول توضيح ذلك تكمن في العقلانيّة الغربيّة وقد بلغت كمالها المطلق في التقنية كما عبر عن ذلك مارتن هيدغر في أطروحته الشهيرة عن:”التقنيّة باعتبارها ميتافيزيقا مكتملة“، غير أن هذه التقنيّة بدورها كما نلاحظ اليوم قد وصلت مطلقيتها في الترسانة العسكريّة الفائقة، ومن تمت في الحرب كوظيفة لازمة لهذه الأسلحة، فالحروب الجديدة التي تدور رحاها اليوم قد تجاوزت بكثير الوظيفة الإنتاجيّة للحروب الكلاسيكيّة التي ولت وانتهت، لم يعد هدفها هو أن تصنع واقعا سياسيا ولا السياسة أن تضع حدا للحروب القائمة كما كان يعتقد كلوسفتس. إن هدف الحرب هو الحرب ذاتها، إذ يجب أن تكون هناك حروب حتى تظل السياسات قائمة وفاعلة، ليست السياسات هي التي تبرر الحرب اليوم بل بالعكس الحروب هي التي تبرر السياسات وتمنحها نمطا من”المعقوليّة“.
 بطريقة أخرى حين تغيب السياسة وتدخل في دوامة من الاضطراب في صناعة القرار وتنفيذه نتيجة سيطرة المال وتوجيهه للشأن العام فإن الأولويّة لا تصبح معطاة للسياسة بل للمركب المالي /العسكري Le complexe militaro Industriel وبالتالي تصبح القيم التي تدافع عنها السياسة مستمدة من قيم السوق والمضاربات الماليّة.

 لقد تميزت الحداثة في بداياتها الأولى بما عرف بإرادة المعرفة La volante du savoir أي الرغبة في اكتشاف أسرار الوجود واختراق الحقيقة، غير أن هذه المسألة تحولت مع التاريخ كما تبين أغلب التحليلات الفلسفيّة المعاصرة إلى إرادة اقتدار وقوة La volante du pouvoir، هذه القوة التي تجلت في صورتها الواضحة من خلال التوسع الكوني عن طريق الحرب والقوة العسكريّة الكاسحة. لذلك يمكننا أن نقول بوضوح ان الإرهاب حاول أن يحطم هذه الوسيلة بالضبط التي اعتمدتها الحداثة، لقد أراد أن يهزم الحرب من خلال تفكيك باراديغماتها العقلانيّة، ودفع العنف نحو حدوده القصوى، وذلك بتعريته من كل منطق ومعقوليّة، تلك المعقوليّة التي حاولت الحداثة إيهامنا بها. 
 حينما تغيب السّياسة وتفقد فعاليتها الحقيقيّة تحضر بدلها الحرب، كي تقدّم نفسها على أنّها الحل السياسي الوحيد والممكن لمشاكل الحاضر، غير أنها حرب ذات طبيعة خاصة فهي تلغي من داخلها كل إمكانيّة في الوصول إلى النصر النهائي، لأن هدفها بالضبط هو ضمان الاستمرارية والدوام، وما دام الأمر على هذا النحو فينبغي أن لا يكون هناك نصر حاسم يضع نهاية للاقتتال، بل ينبغي تجنب هذا النصر كلما اقتربنا منه، وذلك حتى نعطي للحرب طابعها الأبدي ونمنحها فرصة كي تجدد نفسها وتخلق الأسباب الكفيلة بأن تظل قائمة. لقد استغرب الكثيرون مثلا من جورج ولكر بوش الذي ترك بن لادن حرا طليقا في أفغانستان وذهب إلى العراق مختلقا كذبة سياسيّة ـ افتضح أمرها فيما بعد ـ تتحدث عن التهديد الذي يشكله صدام حسين لأمريكا وأسلحة الدمار الشامل التي بحوزته.


 هذه النظرة الكلوسفتشيّة التي هيمنت على أغلب حروب القرن العشرين هي التي تجد نهايتها فيما يسمى الآن بشكل غامض ومتناقض”الحرب على الإرهاب“التي افتتحت القرن الواحد والعشرين. تاريخيا إذن كانت الحرب الهمجيّة هي أسوء ما يمكن أن يقع فيه الإنسان. ولكن هاكم الآن ما يميز أزمنتنا المعاصرة: منذ الآن فصاعدا لن يكون للحرب هدف ولا معنى، أو بشكل أدق إنها هدف ذاتها، وغايتها الوحيدة هي إلغاء المعنى، إنها حرب ضد الحقيقة وضد القيم الإنسانيّة العليا التي حلمت بها البشريّة.
قديما كانت الحرب من أجل السلام، أما الآن فالحرب تقام من أجل تأجيل السلام. أوكما عبر كينيون غيبسون إنّها:”الحرب على السّلام “.6

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق