باراديغم الحرب العالميّة الثالثة (3/3)

 لقد غيرت الحرب إذن مفهومها ومعالمها بل وحتى غاياتها. إن المواجهة اليوم لا تتم بين طرفين يعرف كل منهما الآخر، ويتم استهدافه بشكل مباشر وطبقا للقواعد المتفق عليها أخلاقيا أو قانونيا. إن العدو الآن ليس له وجه، سرعان ما يتبخر ويختفي داخل الطبيعة، كما أن أرض المعركة لم تعد مكانا محددا، إنها بالعكس يمكنها أن تكون أي مكان: مدرسة، سوق، مواقع سياحيّة، مستشفيات… 


 إن مقاتلي الإرهاب ليسوا بمليشيات لأن هذا الأخير عبارة عن جيش مؤقت يناضل من أجل قضيّة سياسيّة محددة. ولا بجيش نظامي لأنه لا يخضع لسلطة الدولة وتوجيهاتها، ولا حتى بمحاربي العصابات لأن هؤلاء يخوضون حربا غير نظاميّة ولكنها مع ذلك مقننة سياسيا ولها نزاع واضح قابل للتفاوض السياسي. بل إن الإرهاب هو شكل غير محدد من القتال قد يستفيد من التكتيكات السابقة لكنه يتجاوزها بكثير، وذلك ما دام أنه يمكن أن تنفذه جهة معينة أو أفراد معزولون هنا أو هناك يعلنون الولاء لنفس الفكرة ثم يمرون إلى التنفيذ.
 يظلّ مع ذلك ما يميز الإرهاب ليس شكل التنظيم الذي يهيئ به صفوفه، بل الأثر أو الفكرة التي يحدثها وهي قتل أكبر عدد من الناس بأبشع صورة ممكنة، وبشكل يسمح بتداول هذا الحدث بطريقة واسعة في الواجهات الإعلاميّة المرئيّة والمسموعة، وبالتالي يكون هدف الإرهاب ليس فقط تنفيذ العمليّة في حد ذاتها بل إحداث نوع من الإهانة والتحقير ومرارة الخسارة. هذا بالضبط هو ما تركته أحداث 11سبتمبر، وكذلك هو نفس الأمر الذي تركته صور المختطفين الذي يذبحون علانيّة أمام الكاميرات. فالإرهاب ليس فقط هو القتل المجاني للأبرياء بل هو يستهدف نشر الرعب واستدامته في المجتمعات المعاصرة.
 
يستند الإرهاب إذن على ثقافة خاصة به، وهذا من سخريّة الأقدار طبعا، فهو يصدر للغرب ما يريد أن يتناساه ويطرده بعيدا عنه، إنه ثقافة الموت الشعائري، والعنف المقدس، وهي كلها أمور لا يمكن أن تكون مفهومة من طرف نظام حياة غربي قائم على الرفاهيّة واستبعاد الألم (حالة الموت الرحيم مثلا). إن الإرهاب هو إظهاريّة الشرّ L’exhibition du mal Le terrorisme est نقصد أن الإرهاب ليس مجرد اعتداء، أو معركة من أجل حسم قضيّة ما، بل إن القضيّة نفسها التي يجري عليها الصراع هي تصدير الألم والتذكير بالتناهي الإنساني، هذا الألم الذي نسيته الحضارة الغربيّة رغم أن أساسها الروحي قائم بالضبط على تقديس الآلام، لنتذكر هنا طبعا آلام المسيح والتضحيّة من أجل الآخر كمكون أساسي في العقيدة المسيحيّة. إن الإرهابي يقدم اليوم نفسه ككائن استشهادي مستعد للتضحية من أجل مبدأ ما حتى وإن كان هذا المبدأ لا تستسيغه الحداثة المعاصرة، ولكن يبدو أنه يستمرأ هذا الرفض، بل هو يستمد منه طاقة محركة تجعله أكثر إمعانا في التأكيد على حقه في رفض الحياة. إن الرسالة الوحيدة التي يريد الإرهاب طرحها للعالم هي تذكير الإنسان بحدوده الجذريّة.
 
 لقد عاد الإرهاب إذن إلى ما هو عميق في الثقافة الشرقيّة، وهو الموت الخلاصي La mort salvatrice، لكنه في الآن معا حينما يوظف هذه الأمور ضمن سياق سياسي، وحرب لا تخلو من أيديولوجيّة ألا يعمل على علمنتها وذلك باستثمارها وإقحامها في حرب ليست هي حربها. ألا يكون الإرهاب بهذه الطريقة أيضا يلعب تلك اللعبة الغربيّة التي يكرهها على أيّة حال، ويريد أن يعلن حربه عليها. فالعمق الشرقي الروحي يتحول مع الإرهاب إلى مواضعات سياسيّة دنيويّة، إذ لا يمكن أن نبحث بطريقة لا أخلاقيّة عن أساس أخلاقي لهذا العالم.


 لكن في المقابل ألا يقوم بوش بنفس الشيء؟ ألا يلعب نفس لعبة بن لادن؟ فإعلاؤه من التقوى المسيحيّة الطهرانيّة يجعل الحرب على الإرهاب شكلا جديدا من أشكال الحروب الصليبيّة، وهو أمر فهمته الجماعات الإسلاميّة جيدا مما زاد من “حماسها الجهادي”. إن مفارقة ما بعد الحرب تكمن في كون هذه الحرب يصنعها اليوم الرأسمال العالمي والشركات العابرة للقارات لكن ينفذها في واقع الأمر أناس يدعون الانتماء إلى مرجعيات ثقافيّة أو دينيّة وكأنهم بذلك يريدون مناهضة هذا الرأسمال واقتلاع جذوره، لكنهم في واقع الأمر لا يعملون سوى على مفاقمة الوضع الذي يبحث عنه ألا وهو وضع اللاأمن واللاإستقرار. إذ يبدو هنا أن رفض الرأسمال وإدانته تمارس بنفس اللغة التي يطلبها هو نفسه. اليوم يتحدث الغرب والقاعدة لغة الدين لكنهما يلعبان لعبة الرأسمال. 


 إن الاصطدام إذن هو بين عقيدتين شموليتين كل واحدة تريد أن تهيمن على الأخرى وتقصيها بدعوى امتلاك الحقيقة، فلا أحد يريد أن يقبل اختلاف الآخر. العقيدة الأولى هي عقيدة العولمة التي تريد فرض الرأسماليّة كديانة أخيرة للإنسان، بحيث تختزل كينونته برمتها إلى مجرد سلعة قابلة للتثمين. أما العقيدة الثانيّة فهي عقيدة أسلمة العالم التي تعتقد أن عهد الفتوحات والجهاد ونشر الدعوة بالسيف مازال قائما، والذين يربطون كل هذه الأمور بالسياق التاريخي ويرون أنه من الضروري ربط الإسلام بالحاضر، وإعادة نحث كل هذه المفاهيم بما يتلاءم والقراءة الحداثيّة العقلانيّة، هم كفرة يوجدون خارج الملة، أي مرتدّون وبالتالي هم أوّل من ينبغي الجهاد فيهم. فالإسلام إذن من منظور هذه الجهات حقيقة أزليّة ثابتة وخالدة، توجد فوق التاريخ ولا تخضع لتحولاته وتغيراته. 


 ولكن إذا لم تكن الحرب لحد الآن قادرة على أن تعمل على معالجة الاختلافات الأساسيّة بين البشر، فهل يمكن أن تلعب الحداثة هذا الدور بحيث تذيب هذا الاختلاف الجدري؟ ألا تقوم العولمة اليوم بثورة صامتة تحول فيها كل شيء: العلاقات الاجتماعيّة، رؤى العالم، الأخلاق، القيم والعادات… هل من الممكن أن ننتظر إذن في المستقبل ذوبان هذه الجماعات تحت ثقل السيولة المذيبة للرأسمال؟
 
بالأمس كان الرهان الكبير للماركسيّة الكلاسيكيّة هو أن الرأسماليّة تحمل في داخلها تناقضاتها التي ستعمل على الإطاحة بها. بمعنى إن الرأسمال من خلال العلاقات التبادليّة ـ الإنتاجيّة سيصل إلى حد معين تنقلب فيه الأوضاع بشكل ثوري عاملة على خلق أوضاع جديدة. غير أن الصيرورة التاريخيّة كما هو معروف لم تتطابق تماما مع تنظيرات ماركس. لقد علمنا الواقع: العيش مع التناقض بدل حله في صيرورة جدليّة، فحركيّة الرأسمال هي حركيّة عدميّة دون هدف ماعدا الهدف الاستهلاكي المعمم. غير أن هذه الحركيّة الجامحة تولد دائما مقاومات وطاقات تعمل على الهامش، وحركات تحاول صياغة لغة مضادة للغة الرأسمال، أي باختصار تولد وتصعد في الآن ذاته هذا الحنين المضاد لما قبل الحداثة، والذي يتفاقم كلما أمعن الرأسمال في زيادة تناقضاته. إن المعركة ضد الإرهاب هي في حقيقة الأمر معركة الحداثة وأزمتها الداخليّة، غير أنها المعركة الأخيرة التي لن تنتصر فيها الحداثة مادام أن مشروعها لا يتواصل إلا على حساب التخريب العدمي للكائن والطبيعة، كما لن ينتصر فيها الإرهاب كذلك لكونه يكرر الخطأ الكبير الذي سقطت فيه جميع الخطابات الكليانيّة وهو افتراض انه تمت خارج معين يقع بعيدا عن دائرة الحداثة، والحال أن الحداثة هي الأفق الكوني الذي وصل إليه تاريخ البشر على هذه الأرض، نقصد أنه لا يمكن مراجعة الحداثة إلا بواسطة حداثة مضادة كما تفعل ما بعد الحداثة مثلا. لذلك لا يمكن الخروج منها مطلقا بغرض البحت عن نظام آخر بديل لها، أو عن مجتمع فردوسي مضاد لتناقضات المجتمعات الحديثة، وما دامت الأزمة الأخلاقيّة للحداثة والرأسمال ستتفاقم في المستقبل سواء من خلال المزيد من استغلال الدول الغنيّة للدول الفقيرة، أو ارتفاع معدل الفقر على الصعيد العالمي، وفشل الطبقة المتوسطة، واستمرار المشروع العلمي التقني المضاد لهويّة الإنسان وقداسة الحياة… فإن هذا الحنين العدمي لما قبل الحداثة من المنتظر أن يتفاقم بدوره في أشكال مختلفة يتخذ بعضها للأسف طابعا مأساويا دمويا، وقد يكون على الإنسان أن يتعلم ـ وان كان بمرارة كيف يعيش مع التناقض وكيف يقبل بأن تكون ظاهرة الإرهاب رديفا مضادا للحداثة وملازما لها في الآن ذاته.(1)

 ولكن مع ذلك لا يعني هذا أن الإرهاب هو رد فعل طبيعي ومباشر ضد الهيمنة التي تفرضها العولمة كما اعتقد جان بودرياد (2) وذلك لأن بروزه إلى الوجود كان سابقا على ظهور العولمة نفسها، ثم إن خطابه لا ينطوي على أي لغة سياسيّة مناهضة لسياسة العولمة، عكس ما نجد في الحركات الاحتجاجيّة والتنظيمات التي تقف في وجه كل مؤتمر يكون موضوعه تخطيط السياسة الاقتصادية الجديدة للعالم. إننا نتذكر جميعا أن ما كان يهم المجاهدين في بداية الأمر هو طرد “البلاشفة الملحدين” من أفغانستان، ولم تكن لهم أيّة رؤية نقديّة للسياسة الأمريكيّة حتى أنهم وضعوا أيديهم في أ يديها معتبرين إياها حليفة لهم. ثم إن بن لادن لم يتذكر فلسطين ولم تدخل خطاباته إلا لاحقا، وذلك بالضبط حينما شعر أن انهيار البرجين لا بد له من سبب وجيه على أي حال. لكن الحقيقة هي أن الإرهاب كفعل مجاني لا يحمل إلا الحقد لكل ما على وارتفع من البنيان والعمارة، لأنهم لا يرون في كل هذا إلا تطاولا على عظمة الله وأسراره الجليلة، ففي المخيال الرمزي الديني للقاعدة لا تذكر أبراج نيويورك إلا بأبراج بابل التي أرادت أن تطاول بوقاحة عنان السماء فدكها الله دكا.

 إن الشعارات الأساسيّة التي تحرك عمل القاعدة هي شعارات عقائديّة مثل: سياسة الولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحاكميّة الله … بل هي حتى حينما ترفع بعض الشعارات السياسيّة فهي لا تفعل ذلك إلا مضطرة بدافع الاقتراب من الجماهير واستقطابها، ففي خطاب تلفزي برر بن لادن بطريقة غرائبيّة سبب تدميره لأبراج نيويورك مؤكدا أن السبب هو الاجتياح الإسرائيلي لبيروت سنة 1982، وكأنه كان مضطرا للانتظار 22 سنة حتى يرد على هذا الاجتياح. لقد كان واضحا أنه سبب ملفق بل يعبر عن بلادة سياسيّة واضحة، أما السبب الحقيقي لاستعمال مثل هذه الشعارات السياسيّة بين الحين والآخر فقد عبر عنه أيمن الظواهري في كتابه “فرسان تحت راية النبي” ـ قائلا: “يجب على الحركة الجهاديّة أن تتخلى عن الاقتصار على خوض المعركة تحت شعارات الحاكميّة والولاء والبراء فقط، فإن هذه الشعارات ـ وللأسف ـ ليست مفهومة لدى جماهير الأمة التي لا تجد نفسها مستعدة للتضحيّة من أجل شعارات لا تفهمها، حتى وإن كانت هذه الشعارات صحيحة مائة بالمائة … لذلك يجب أن نضيف إلى شعاراتنا العقائديّة الخالصة شعارات أخرى هي من الحق الخالص أيضا ولكن هذه الشعارات مفهومة لدى جماهير الأمة المسلمة، أي أننا بتعبير آخر بدلا من أن نعتبرها شعارات من الدرجة الثانيّة في الأهميّة يجب أن ندفع بها إلى الأمام لتتصدر دعوتنا جنبا إلى جنب مع الدعوة إلى التوحيد الخالص والعقيدة الصافية، والشعار الذي تتفهمه الأمة المسلمة جيدا وتتجاوب معه ـ منذ خمسين سنة ـ هو شعار الدعوة إلى جهاد إسرائيل”(3).

 واضح إذن من كلام الظواهري أن الشعارات السياسيّة ليست سوى تكتيكات وليست مبدأ استراتيجيا واضحا، لأن الأصوليّة الجهاديّة ليست حركة سياسيّة وإنما هي حركة عقائديّة، وأنها لا توظف السياسة إلا من أجل خدمة الأغراض العقائديّة الأساسيّة. من هنا يزول ذلك الغموض والتساؤل الذي طرحه البعض بعد عمليّة 11 ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍سبتمبر متسائلين إذا كانت القاعدة تملك كل هذه القوة والمقدرة على ضرب الولايات المتحدة في عقر دارها فلماذا لم توجه ضربة موجعة إلى إسرائيل في قلب تل أبيب. الجواب هو أن القاعدة وكما تؤكد أدبياتها تميز بين العدو القريب والعدو البعيد، وأنه إذا كان الهدف هو خدمة العقيدة و“التوحيد الخالص” فإنه ينبغي أن نبدأ بالعدو البعيد. لأن الأول يستمد قوته من الثاني، لذلك ما أن ينهار النظام العالمي حتى تجد الأنظمة التابعة له نفسها وحيدة معزولة. 

 الإرهاب إذن فعل غير سياسي Le terrorisme est un acte apolitique . ولكن ألا يكون بهذا المعنى يفاقم دلالة ما هو سياسي ويذهب بها بعيدا، بالضبط لأنه يعلن أن السياسية ـ ومن ثمة أيضا الاقتصاد ـ لا يمكن أن تكون هي كل ما يمكن أن يقرر مصير الكائن البشري. لا يتحدث الإرهاب لغة سياسيّة مباشرة قابلة للتداول السياسي رغم أن عملياته قد يكون لها تأثير سياسي واضح، فقد دفعت عمليات 11سبتمبر مثلا إلى تحرير آليات الفعل الديمقراطي في دول الخليج، إذ ستقوم السعوديّة لأول مرة بانتخابات بلديّة، كما ستصادق الكويت على قانون الحريّة السياسيّة بالنسبة إلى المرأة. أما عمليات الدار البيضاء فقد أدت إلى تحريك الملف الاجتماعي وتبني برنامج لمحاربة الفقر وإدماج أحياء الصفيح في الحياة الاجتماعية. كما أن تفجيرات مدريد تركت أثرا واضحا على المستقبل السياسي لأسنار، في حين أدت تفجيرات لندن إلى رفع المساعدات الماليّة لإفريقيا من 25 مليار إلى 50 مليار. لكن مع ذلك لا يبدو أن الإرهاب هو الذي ينتصر في نهاية المطاف، وذلك لأن هذه التغييرات السياسيّة ليست هي الهدف الأسمى الذي يسعى إليه، كما لا يعني هذا أيضا أن الديموقراطيّة هي التي تنتصر وذلك لأن كل هذه الإصلاحات في مجملها لا تؤدي إلى تغيير حقيقي وجذري.

 من المؤكد أن للحرب المعاصرة أهدافها هي أيضا، ومطامحها السياسيّة أو الاقتصاديّة. غير أنها مع ذلك غير قادرة على ضبط هذه الأهداف وحسمها بقوة السلاح والتدخلات العسكريّة المباشرة، كما هو الأمر في حالة الإرهاب مثلا حيث لا تصنع الحرب إلا عنفا مضاعفا، وتفاقم من الطابع اللاأخلاقي للرد والرد المضاد. هكذا إذا كانت الحرب كما عهدناها تضع حلولا للمشاكل ـ بغض النظر عن عدالة هذه الحلول ومصداقيتها ـ حربنا اليوم لا تعمل إلا على التناسل بطريقة ذاتيّة سرطانيّة. تصبح الحرب ذاتها كما لو أنها تبحث عن أهدافها من خلال المعارك التي تشعلها. فما هي مثلا أهداف الجماعة الدينيّة أوم شينريكيو التي أطلقت غاز ساران في ميترو اليابان، أو أهداف تنظيم القاعدة، وهل تحمل في جهادها المزعوم لائحة مطالب سياسيّة محددة. إن في ضرب الأبراج التجاريّة في نيويورك رسالة لا تخلو من قوة وتفاهة في الآن معا. فغزوة منهاتن بتعبير هذه الجماعة قويّة لأنها تعلن عن حضور معارضة جذريّة ، لها كامل القدرة على اختراق الأجهزة الأمنيّة والضرب في العمق، لكنها تافهة مع ذلك لأنها حرب ضد حضارة بأكملها. نقصد أن ما تريده القاعدة ليس الدفاع عن قضيّة محددة سياسيا، وإنما قضيتها هي ضد الحضارة الغربيّة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إن ما تريده القاعدة ليس رفع القواعد العسكريّة من الخليج، وحل عادل للقضيّة الفلسطينيّة وإنهاء احتلال العراق ـ وإن كانت توظف هذه الأمور كشعارات تعبويّة ـ بل ما تريده هو تغيير وجه العالم، قلب نظام القيم والثقافة الغربيّة، حربها إذن ضد“الحداثة الضالة” و“الديمقراطيّة الكافرة” و“القوانين الوضعيّة”… ولكن حتى بمثل هذا المنطق هل يمكن للإرهاب أن يحقق مطالبه أو حتى بعضا منها؟ يمكننا أن نقول إن الإرهاب هو الموت المجاني لأنه غير قادر على انتزاع أهداف سياسيّة محددة.

 ولكن من منظور آخر هل تملك “الحرب على الإرهاب” بدورها أهدافها الواضحة؟ في العديد من فلتات اللسان التي سقطت من بعض السياسيين وعلى رأسهم بوش، سمعنا أن الحرب هي ضد الإسلام، وضد مجتمعات لا تفرخ إلا الإرهاب بفعل عتاقتها وتقادم نظامها السياسي، إذ ما معنى “خطة تغيير الشرق الأوسط” إن لم تكن حربا ضد كيان حضاري بأكمله. ثم هل تملك هذه الحرب من الشجاعة ما يمكنها من الانتصار في النهايّة. إنها هي نفسها واعية بأن الأمر يتعدى مجرد عمليات عسكريّة كاسحة، فالحرب ضد الإرهاب هي “حرب طويلة الأمد” يقول بوش. ترى كم ستدوم من العقود؟ كلا إن الأمر لا يتعلق بمدة زمنيّة طالت أو قصرت، إنها الحرب التي لن تنتهي إلا بسقوط النجوم فوق رؤوسنا. ثم إنه ليس هناك سلاح يمكنه أن يحسم الحرب ضد الإرهاب. فإذا كانت قنبلة هيروشيما هي التي وضعت حدا للحرب العالميّة الثانيّة، هنا الأمر مختلف تماما إذ لا يمكن أن تخيف بالموت من يطلبونها ويسعون إليها جاهدين، ففي تصريح تلفزي أكد أحد مفجري عمليّة بالي وهو يضحك أن كل ما يتمناه هو أن يتم قتله وإعدامه على يد أعدائه .

 إننا نعيش عصر نهايّة السلاح وهذه ميزة أخرى للحرب العالميّة الثالثة التي ما عاد للسلاح مهما كان أشد فتكا ودمارا أن يضع نهاية للنزاع. حربنا اليوم هي أيضا حرب هزيمة السلاح الذي لم يعد قادرا ـ حتى وإن كان من نوع أسلحة الدمار الشامل ـ على أن يضمن استسلام أحد الطرفين. ما يرفضه الإرهاب هو تمركز القوة العسكريّة من خلال الترسانة التكنولوجيّة وادعاء اكتمال العنف في القوة النوويّة، إنه يريد أن يقول بصراحة هذا الردع النووي لا يمكن أن يخيفنا وأن سلاحنا لهو أقوى من كل سلاح يمكن العثور عليه. لقد كان القرن العشرين هو عصر احتكار العنف خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، أما القرن الواحد والعشرون فهو عصر دمقرطة العنف والمساواة أمام الموت.

 يبدو أن الإرهاب يعود من جديد إلى إحياء الأسئلة القديمة للبشريّة، أسئلة الوجود والتناهي والمصير الديني للعالم، تلك الأسئلة التي اعتقد الإنسان أنه قد طمرها إلى الأبد بفعل التقدم العلمي والتقني، إنه الحلم الأمريكي: العيش دون أسئلة ميتافيزيقيّة، حيث يتحول الفكر نفسه إلى موضة وسلوك حياتي. يعتقد الإرهاب إذن أن الخير والرفاهيّة التي وفرتها المجتمعات المعاصرة، لا يمكن اعتبارها بأي حال خيرا، وبهذا فهو لا يحتج إذن على مطالب سياسيّة محددة بل على مجمل المشروع الحداثي ونمط العيش ككل. لنتذكر هنا مثلا كيف تعاملت الرأسماليّة الأمريكيّة مع حدث انهيار البرجين، حيث خلقت في الحين مجموعة من الأنشطة والبضائع التجاريّة المرتبطة بموت الآخرين. هذه إذن هي الأشياء الخاصة بالعقليّة الأمريكيّة، القيمة التجاريّة هي قيمة القيم.


 ماذا نملك كعلاج إزاء ظاهرة كهذه؟ الحل الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكيّة هو التدخل العسكري المباشر، وهو ما قامت به في أفغانستان، واختلقت أسبابه أيضا في العراق، وما زالت توجه التهديدات لدول أخرى. لكن الحل الأمني مع ذلك تبينت محدوديته وعدم قدرته على وضع نهاية لهذه الظاهرة، من هنا جاء الحل التنموي الذي حاولت أن توصي به حلفائها من الدول العربيّة، ومعناه أن التطرف يصنعه بالأساس بؤس الحياة والشقاء الاقتصادي. ولكن هل نسينا فعلا أن أغلب العناصر التي تكون أنصار القاعدة هم أناس لهم إطارهم الاجتماعي المحترم، ويتمتعون في الغالب بمستوى تعليمي متطور. يكفي أن نذكر مثلا أن بن لادن هو من أغنى أغنياء العالم، وأن الأفراد الذين اصطدموا بالبرجين التوأمين كانوا يتابعون دراساتهم في معاهد وجامعات عليا في أوروبا وأمريكا. لا نعتقد إذن أن الإرهاب هو حرب الفقراء، بل هو حرب رمزيّة قيميّة يصبح فيها المال والثراء هما الفاحشة التي ينبغي إنكارها. ليس الإرهاب حرب تملك بل حرب وجود. إنها إذن حرب الاختلالات والانكسارات التي ولدتها الحداثة الغربيّة نفسها. إن الأمر لا يتعلق بنزعة معاديّة لأمريكا تحديدا، بل بموقف كاره للمشروع الحداثي المعاصر، فحتى لو اختفت أمريكا من الوجود لما أدى ذلك إلى اختفاء الإرهاب. من هنا بؤس الحداثة التي لن تستطيع هذه المرة احتواء الجماعات الإسلاميّة المسلحة المكفرة لها كما احتوت في السابق المعسكر الاشتراكي مذيبة إياه في السيولة اللامتناهيّة للرأسمال، لكن وفي الآن ذاته بؤس الإرهاب الذي مهما ألحق بالغرب من خسائر ماديّة وبشريّة فهو لن يتمكن مطلقا من الاعتراف به كطرف محاور. ولا من السماع للغته كلغة قابلة للمعالجة. 
 
الحرب العالميّة الثالثة هي إذن الحرب الأخيرة التي تفتقر لأي أفق سياسي أو عسكري ما وهذا هو الوجه الفظيع الذي يبرز فيه الإرهاب إنه الحرب الغير قابلة للانتهاء .Le terrorisme est une guerre inachevable . إنها لمأساة حقا أن تصبح الحرب في وجودنا الحضاري هذا كليّة الحضور L’omniprésence de la guerre. لقد غيرت إذن شكلها ومفهومها. إن قانونها الوحيد هو غياب القانون. إنها تجيز لنفسها اختراق كل ميثاق أو قواعد محددة دوليا أو أخلاقيا. فما نعيشه اليوم هو النهايّة اللاأخلاقيّة للحرب الأخلاقيّة. والمفارقة الكبرى مع ذلك هي أن هذه الحرب بدأت تقدم نفسها اليوم بحلة إنسانيّة وبرداء أخلاقي، فهي حرب دون دم ولا خسائر بشريّة، بل هي حرب ذكيّة كما تسميها الإدارة الأمريكيّة، أي حرب تعرف كيف تصيب أهدافها العسكريّة بدقة فائقة دون إزهاق للأرواح المدنيّة، فهل هناك حرب دون موت؟ ثم إن هذا الحضور المطلق للحرب مصحوب في الآن نفسه بالطابع الخفي، والسرعة في تنفيذ العمليات الخاطفة. هذه هي الحرب القياميّة الخفيّةLa guerre apocalyptique التي تقدم نفسها كما لو أنها مجرد لعبة فيديو. لكن كل هذا عليه أن لا ينسينا أن هذه الحرب في بعديها معا، نقصد الإرهاب والحرب المضادة للإرهاب ما هما سوى التدمير الكلي للحياة سواء بواسطة الأسلحة الفائقة التطور أو بواسطة كميات المتفجرات والأحزمة الناسفة. 


 ماذا نقصد إذن بوصفنا لباراديغم الحرب العالميّة الثالثة؟ نريد أن نقول باختصار بأن شكل الاقتتال الجديد لا يمكن أن نفهمه من منطلق الحرب الكلاسيكيّة العاديّة إنه يتناقض معها بشكل يفوقها ويستكمل آلامها في نفس الوقت، ونحن نفضل أن ندعو هذه الحرب الجديدة بما ـ بعد الحرب Post guerre كمحاولة لتجاوز مصطلح الإرهاب الذي أصبح محملا بدلالات إيديولوجيّة واضحة انحدرت إليه خصوصا من الدعايّة السياسة للإدارة الأمريكيّة، وكما أوضحنا سابقا حينما يلتقي الإرهاب مع الحرب على الإرهاب ضمن وشائج خفيّة، بحيث لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، لا يسعنا بعد أن نتحدث لا عن الحرب بمعناها الكلاسيكي، ما دامت قد فقدت مجموع الباراديغمات الذي كانت تقوم عليه سابقا. ولا عن الإرهاب بدلالته الكلاسيكيّة كعنف منفلت يهدد حياة واستقرار الجماعة البشريّة، وذلك ما دام أن هذه الظاهرة لم تعد اليوم استثناء يمكن محاصرته ومن تمة إيجاد العلاجات الجذريّة له. هكذا يمكننا أن نعزل الباراديغمات الأساسيّة المميزة لما بعد ـ الحرب من خلال المعالم الآتية:


1ـ مجال أرض المعركة
في كل المعارك التي عرفها التاريخ كان هناك دائما مجال تتم فيه المعركة سواء كان ذلك في البحر، أو في الجو أو في اليابسة. كان للحرب أخلاقها القائمة على احترام هذا المجال وعدم تجاوزه بل إن الانتصار كان يقتضي التحكم فيه. غير أن ما بعد ـ الحرب اليوم فهي تقوم على النقيض من هذا الأمر، إنها الحرب الكليّة التي تنطلق أساسا على إلغاء منطقة الأمان، فاستهداف القطارات والتجمعات السكنيّة والأماكن السياحيّة التي يجتازها السياح … دليل على أن الإرهاب ما هو إلا الرغبة في جعل التهديد بالموت الجماعي قائما في كل مكان. لم تعد الأهداف العسكريّة هي الغايّة التي نسعى إلى تهديمها بغرض إضعاف العدو وجره إلى الهزيمة كما في الحروب الكلاسيكيّة، فحينما يتعذر الوصول إلى هذه الأهداف يصبح الهدف هو “اللحم الأبيض”(4) أينما حل وارتحل. يصبح إذن كل إنسان بسبب انتمائه المعرفي أو الديني أو الحضاري هدفا عسكريا. ربما يكون المجال الوحيد الذي تدور فيه المعركة اليوم هو المجال المعلوماتي الذي يتعلق بالتجسس والحرب السريّة الخفيّة.

من هنا تبرز عبثيّة فكرة بوش القاضية بنقل الحرب على الإرهاب إلى مواقع الإرهابيين: “سنستمر في نقل القتال إلى أرض العدو”، وذلك مادام أن هؤلاء ليس لهم مواقع محددة وبالتالي فالحرب على الإرهاب لا يمكن أن تمني نفسها بالحصول على مجال محدد تمارس فيه قتالها.

2ـ بعد المواجهة
إن كل حرب تفترض بالضرورة طرفين يتواجهان بشكل مباشر، غير أن ما بعد ـ الحرب يقودها عدو شبحي لا وجه له. لا يمكننا اليوم أن نقول بأن موت بن لادن سيؤدي حتما إلى القضاء على تنظيم القاعدة، لأن هذه الأخيرة ما هي إلا طيف من الخلايا منها النشيطة ومنها النائمة، بل أكثر من ذلك يكفي أن يجتمع بعض المتعاطفين معها ليعلنوا انتمائهم إليها دون أن تكون هناك رابطة تنظيميّة مباشرة بينهما. لم تعد المواجهة بعدا من أبعاد الحرب ليس بسبب خداع العدو كما هو الأمر في الحروب الكلاسيكيّة، هذا الخداع الذي يقتضي الاختفاء عن أعين العدو ومفاجأته، كما هو الحال في مثال حصان طروادة ، بل إن غياب المواجهة هنا يدل على أن العدو نفسه لاشخصي Impersonnel ولازمني Intemporel بمعنى أنه يمكن أن يجمد نشاطه في مرحلة معينة طبقا لحساباته الخاصة لكنه سرعان ما يعود للضرب مجددا بعد أن يكون قد أوهم الجميع بتراجعه النهائي. ليس للإرهاب أيّة هويّة محددة في هذا السياق، لذلك نعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن ننتبه إليه ليس فقط هو ما هي القاعدة، بل ماذا يوجد وراء القاعدة، نقصد أن النشاط الذي تقوم به لا شك أنه يدمج عددا من الأفراد أو الجماعات التي قد لا تنتمي إلى المرجعيّة الإسلاميّة المسلحة، ولكنها تتحكم فيها أهداف أخرى قد تتعلق بتهريب السلاح، أو المخدرات، أو مجرد النقمة على أمريكا. هكذا تتحول القاعدة من مجرد تنظيم سري يعمل تحت الأرض إلى تنظيم افتراضي Une organisation virtuelle تضم كل من يريد أن يمارس عملا غير شرعي، أو أن يلحق الأذى بالعالم المعاصر. وتلك ميزة أخرى لما بعد ـ الحرب المعاصرة إنها إرادة تشبيح كل شيء بدءا من الأسلحة (الطائرة الشبح ) إلى العدو (شبح القاعدة) وانتهاء بالضحايا الذين يتم إخفاء وجودهم تحت منطق “الأهداف العسكريّة المحددة وحرب”الصفر من القتلى“.

3ـ عامل الزمان
أي المدة التي تستغرقها الحرب سواء طالت أو قصرت، فقد دامت حرب البسوس كما تحكي لنا كتب التاريخ أزيد من أربعين سنة، أما الحرب العالميّة الثانيّة فقد استمرت خمس سنوات، غير أن الإرهاب هو على العكس من هذا الأمر تماما ليس له زمان محدد كما سبقت الإشارة، لأنه يمكنه أن ينام مدة طويلة لكي يستيقظ متى شاء فيضرب على حين غفلة. لقد أصبح التهديد بالحرب الكليّة قائما وإلى الأبد، وربما لهذا السبب وصف جان بودرياد (5) الإرهاب على أنه الحرب العالميّة الحقيقيّة لأنه بالإضافة إلى شموليتها في المكان، تتخذ طابع الديمومة المطلقة في الزمان. ذكر بوش الابن في احدى خطاباته أن الحرب على الإرهاب طويلة الأمد، وبعد أقل من أسبوع سيرد عليه أيمن الظواهري قائلا:”سنصمد لقتالكم حتى تقوم الساعة“.

4 ـ إمكانيّة التسويات
كل معركة عليها أن تفكر في نهايتها، ومن ثمة في إمكانيّة القيام بتسويات مع العدو الذي تحاربه، في حين أن الإرهاب ومن حيث هو تهديد كلي للحياة، لا يمكن أن نتفاوض معه أو أن نقيم تسويات مع تنظيماته، فنحن اليوم لا يمكننا أن نتصور جلوس أعضاء من الإدارة الأمريكيّة مع ممثلين من القاعدة على طاولة المفاوضات، لذلك نقول إن كل حرب انتفت فيها إمكانيات التفاوض تحولت حتما إلى إرهاب أي إلى ما بعد ـ الحرب. وبدل التفاوض والتسويّة السياسيّة نلجأ إلى رهاب أمني Une phobie sécuritaire تحضر فيه الكاميرات والجواسيس في كل مكان ،هذا الرهاب الذي يتحول في نهايّة المطاف إلى إسلاموفوبيا Islamophobie تخترق فيه جميع الحدود و تضيع فيها أي معنى لحقوق الإنسان. من هنا نفهم الإيحاءات التي تضمنها السؤال الذي طرح بخصوص عما إذا كانت الحرب على الإرهاب تحقق تقدما. الجواب واضح إذن فالحرب لا تتقدم إلا من أجل مضاعفة قوة العدو وآليات انتشاره. لقد لاحظ المتتبعون أن التدخل الأمريكي في العراق لم يزد سوى توفير مجال آخر لنشاط الجماعات الإسلاميّة المسلحة. 
 
5 ـ أداة السلاح
ومعناها أن القوة العسكريّة هي التي كان لها القدرة على حسم المعركة. فالذي يتوفر على أسلحة قويّة، أو يجيد استعمالها هو الذي يتمكن في نهايّة المطاف من وضع نهايّة للحرب. هذه مثلا هي حال الحرب العالميّة الثانيّة التي أنهتها القنبلة النوويّة، أما في حالة الإرهاب فلا يوجد سلاح يمكن أن يضع له نهاية حتى ولو كان من أسلحة الدمار الشامل. وذلك لأن العدو غير محدد وأرض المعركة موجودة في كل مكان. لكن في المقابل إذا لم يكن هناك سلاح قادر على إنهاء المعركة فهذا من شأنه أن يفسح المجال لكل الأسلحة الممكنة: الجمرة الخبيثة، غاز الأنتراكس، اليورانيوم المخصب… لذلك علينا أن لا ننخدع من السياسة المتبعة حول الحد من أسلحة الدمار الشامل لأن الحرب القادمة هي حرب الأسلحة السريّة الخبيثة، المبهمة والغير متوقعة.
 
6 ـ القضيّة أو الهدف
لكل حرب هدف يحركها وغاية محددة تسعى إليها أما ما بعد ـ الحرب فهي عقيدة غفلة دون اسم Une doctrine anonyme وذلك لأنها تفتقر إلى مطالب استراتيجيّة، أو إلى لائحة مطالب سياسيّة مباشرة، بل حتى وإن كانت لديها مثل هذه المطالب التي تعليها بين الحين والآخر كشعارات تعبويّة دعائيّة، فهي مطالب لا يمكن أن يتوقف عند تحقيقها نشاط الإرهاب. إن هذا الأخير هو رفاهيّة الموت المجاني، لأنه غير قادر على أن يحقق أي من مطالبه. ولهذا السبب أيضا يمكننا أن نعرفه كظاهرة صامتة لأنه ليس لديه ما يقوله للعالم. نقصد هنا أن المطالب التي تنادي بها هذه الجهات لا يمكن تباحثها سياسيا، لأنها أكبر من أي مفاوضات سياسيّة. إذ كيف يمكن أن نتباحث مطالب تتناقض مع الديموقراطيّة والحداثة وتكفرهما. بالإضافة إلى ذلك فهذا الفكر لا يحمل أي إجابة للإشكالات التي يطرحها عصرنا ومن بينها مثلا مشكلة التعدديّة، والاختلاف الحضاري، والحريّة الفرديّة، ثم التعايش مع الآخر وقبوله. يكشف بن لادن في إحدى خطبه الجهاديّة عن الهدف العقائدي الذي يكمن وراء نشاطه يقول:”… الشاهد هنا أن الخمس الأول، وهي أركان الإسلام لا تقوم كحكومة ولا تقوم كمنهج للبشر إلا بالخمس الآخر كما لا يمكن أن يكون إنسان مسلما في ذاته وفي قلبه وهو يحكم بالقوانيين الوضعيّة ولا يعم الإسلام الأرض. أما الإسلام الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بإبلاغه هو أن يعم الأرض ويتحاكم إليه لا أن يبقى في الشعائر التعبديّة“. إذا كان هدف الإرهاب إذن هو أسلمة الكرة الأرضيّة، فإن هذا الهدف لا يختلف قليلا عن هدف الحرب المعلنة ضده من قبل بوش والذي يريد بدوره تمسيحها وإخضاعها لهيمنة العولمة وإملاءاتها الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة.

7 ـ قانون الانتصار هو هزيمة العدو
إن كل حرب تقوم على هذا المنطق، أما ما الإرهاب فانتصاره يقتضي إبادة العدو ومن ثمة كان الإرهاب هو الشر في درجته القصوى.Le terrorisme est l’archi violence لذلك إذا كانت الحرب هي بالضرورة قذرة، لأنها تحمل الموت لبني البشر وتقضي على الاستقرار والعمران، فإن الإرهاب ليس مجرد ممارسة قذرة بل هو يضفي على القذارة طابعا أخلاقيا ويبررها من منطلق روحي أو طهراني. سواء كان ذلك بدعوى تطهير العالم من أعداء الحريّة، أو بدعوى الجهاد ضد الكفرة والخارجين عن طوع الله. إن قصف الأسواق والأعراس والتعذيب الذي يستهدف الإذلال سواء في سجن أبو غريب أو في معتقلات غوانتانامو أو الإبادة الجماعيّة التي لا تميز بين المسلحين والسكان العاديين مثل ما حدت في الفلوجة كلها أمور لا يمكنها بأي حال أن تدخل ضمن منطق الحرب الكلاسيكيّة. فحينما يصبح الهدف هو إبادة العدو والتشهير به إلى حدود الخسة في معتقداته الدينيّة وأعرافه الخلقيّة، تكون الحرب على الإرهاب إرهابا مضاعفا ومفاقمة مجانيّة للعنف.

8 ـ النظام العسكري
من الصفات المعروفة للحروب الكلاسيكيّة أنها تخاض بجيوش نظاميّة خاضعة لسيطرة الدولة، أو لأي مرجعيّة ما معترف بها من طرف المجتمع أو شرائح عريضة منه على الأقل. إن وجود مثل هذا الجيش النظامي دليل على استقرار الدولة وخضوعها لمبدأ قانوني أعلى، وقد كان الإسلام نفسه قد أوصى بضرورة وجود مثل هذه العقلنة في تنظيم المجال العسكري حينما ذكر القرآن في سورة الصف الآيّة 61:”إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص“.
 غير أن التحول الكبير الذي حدت مع الإرهاب هو أن العقلانيّة العسكرتاريّة الكلاسيكيّة لا يمكن أن تكون نافعة بعد الآن ، فالحرب اليوم لا تخاض لا بجيش نظامي ولا حتى بحرب العصابات بل بعمليات مسلحة خاطفة،”وضربات وقائيّة جراحيّة “وانتحارات فرديّة أو جماعيّة. إن تراجع الوظيفة التي كان يقوم بها الجيش النظامي الكلاسيكي قد فتح المجال اليوم لشكل جديد من التجنيد العسكري، حيث بدأنا نسمع عن”خوصصة القطاع العسكري“. لقد ظهرت مؤسسات مختصة في تدريب وتجنيد الأفراد تم توظيفهم لحماية شركات معينة كما كان الحال في العراق مثلا. حيث بدأ الجنود النظاميون أنفسهم يستقيلون من مناصبهم الرسميّة ليعملوا في هذا القطاع الخاص الجديد وذلك للقيام بأعمال محددة كحماية المسؤولين ومدراء الشركات البتروليّة الكبرى، أو حتى القيام بعمليات عسكريّة محددة من أجل الحفاظ على الأمن أو تصفيّة الحسابات معينة.

ينطبق هذا الأمر كذلك على القاعدة التي لا يمكن بحال من الأحوال القول بأنها تملك جيشا نظاميا أو أن حربها حرب نظاميّة. يشير جيريمي سكاهيل(6) إلى أن الرئيس الأمريكي أيزنهاور كان من أوائل من أشاروا إلى مخاطر نشوء هذا المركب:”العسكري ـ الصناعي“وذلك في خطابه الوداعي، وإلى أن سلطة مثل هذه ستشكل ”خطرا على حريتنا أو على العمليّة الديمقراطيّة“. غير أن الحرب على العراق كما سيظهر لاحقا ستكون أكبر مثال لتشكل عدد كبير من مثل هذه الشركات أبرزها بلاكووتر التي تضم أكثر من ألفين وثلاثة مائة جندي خاص منتشرين ليس فقط في العراق ولكن في بلدان أخرى، وما يثير التساؤل هو أن هذا الجيش الخاص يعتبر مقاتلوه فوق القانون والمحاسبة.
 
9 ـ إلغاء منطقة الحياد
يضعنا الإرهاب ضمن الثنائيّة الضيقة إما أو إما، فالقاعدة تميز بين فسطاطين، فسطاط الإسلام وفسطاط الكفر، أما بوش فهو يضعنا بدوره ضمن القسمة الحادة وهي إما أنكم معنا أو أنتم ضدنا. هكذا يقدم الإرهاب إحدى خصائصه المميزة، إنه يقصي كل إمكانيّة للحياد، ففي مواجهته نحن إما إرهابيون أو ضحايا، وهذا طبعا عكس الحرب التي تحافظ للإنسان على إمكانيّة أن يختار منطقة الحياد.

10 ـ الهزيمة القبليّة
مع الإرهاب نكون خاسرين بشكل قبلي، فحينما يجد الإنسان نفسه محروما من إمكانيّة التدخل والوقوف ضد ما هو قائم، أو حينما يكون تدخله محكوم بشكل مسبق بفشل حتمي، غير قادر على رد العنف حتى وإن كان يتوقعه، عالقا في مرارة الهزيمة وألم الخسارة تكون وضعيّة مثل هذه وضعيّة إرهاب. فالإرهاب إذن بهذا المعنى هو ذلك الفعل الذي يسحب منا كل إمكانيّة للانتصار عليه بحيث نكون مهزومين منذ اللحظة الأولى للمعركة.

11 ـ والآن إليكم واحدا من أهم العوامل التي تميز عصر الإرهاب، إنه غموض الحدث، فالأمر لا يتعلق فقط بصعوبة تحديد المفهوم والأطراف الفاعلة فيه، بل وأيضا صعوبة تحديد الوقائع على الأرض: ماذا حدث فعلا، فإذا كانت الحروب في مجملها هي اليوم موضوع للدراسة والفهم بما فيها حتى الحروب التي حدثت في الماضي، أسبابها نتائجها أحداثها ووقائعها. اليوم يصدمنا الإرهاب بواحد من أهم مميزاته انه الغموض والإبهام الذي يلفه وهنا يمكن أن ندرج كافة الشكوك التي دارت حول 11 سبتمبر: حقيقة الطائرة التي صدمت مبنى البانتاغون والتي لم يعثر على أثر لها. حقيقة انهيار البرجين بتلك الطريقة الغريبة والتي قيل أن وقود الطائرة كان هو السبب في ذلك وقد أبانت الدراسات فيما بعد استحالت وصول حرارة هذا الوقود إلى الدرجة التي تسمح بحدوث هذا الانصهار (7). 

 يشير جاك ديريدا إلى أن الحادي عشر من سبتمبر لا يشير فقط إلى حدث مؤسس بل أيضا إلى حدت غير قابل للوصف بحيث أننا لا نعرف عما نتكلم هناك شيء ما حدت وهو بالتأكيد يتجاوز مجرد عدد الضحايا الذين سقطوا يقول ديريدا:”إن شيئا ما حدت في الحادي عشر من سبتمبر لكننا لا ندري ما هو“(8) فأسوء ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر هو أنه فتحنا أمام شكل جديد من الصراع والشر الذي يصعب تسميته أو تحديد طبيعته شكل يتجاوز حتى الفظاعات التي عرفناها عن الحروب الكلاسيكيّة.
 
 لقد حاولنا أن نوضح طيلة هذا المقال أن الحرب بمعناها الكلاسيكي قد انتهت، ولكن هذا للأسف ليس تحقيقا للحلم الأزلي للبشريّة في إحلال السلام والأمن محل الحروب والغزوات. بل إن نهاية الحرب كانت من سخريّة أقدار التاريخ ، بمعنى أن نهايتها أفسحت المجال لقيام شكل لا شكل له من الصراع والاقتتال وكأن البشريّة لا تتغلب على شر معين إلا بتعويضه بشر أعنف. إننا لا نقول أيضا أن الحرب الكلاسيكيّة كانت دائما نظيفة وأخلاقيّة، فكثيرا ما تم التنكيل بالمدنيين، كما أن أرض المعركة تم اختراقها مرارا، والأعداء كذلك كثيرا ما تمت أبادتهم بدل التعامل معهم كأسرى. لكننا نعتقد مع ذلك أنه كان دائما هناك وجود لنموذج إرشادي للحرب، وأخلاقيات معينة حول العلاقة مع العدو وكيفيّة إدارة المعركة واستخدام السلاح وهي كلها أخلاقيات نجدها واضحة لدى كل المفكرين الذين تناولوا موضوع الحرب بالدراسة والتحليل بدءا من سان تسو(9) وإلى كلوسفتش مرورا بمكيافيل وهوبس كان هناك دائما طابع إنساني ضمني تهدف إليه الحرب. أما ما بعد ـ الحرب فهي على العكس من ذلك تقوم أساسا على مثل هذه الممارسات وتتباها بها. وبكلمة واحدة نقول إن الإرهاب من هذا المنطلق هو نقيض الحرب بمعنى أنه يستجمع كل الشرور التي تنطوي عليها الحروب الكلاسيكيّة ويذهب بها إلى مداها الأقصى. إن الأفق الذي يسير باتجاهه الإرهاب هو عولمة الخوف والرعب على المستوى الإنساني، ونهاية التوافقات على المستوى السياسي، ولانهائيّة الحرب على المستوى العسكري والأمني.

 لقد أكدنا إذن أن الإرهاب عبارة عن ظاهرة تمثل معارضة جذريّة تعبر من جهة أولى عن مشكلة ثقافيّة عميقة في التراث العربي الإسلامي. ومن جهة ثانية عن الأزمة الداخليّة للحداثة وعن تناقضاتها ومفارقاتها الأساسيّة، غير أن الإرهاب مع ذلك ـ سواء كان بأسباب داخليّة أو بأسباب خارجيّة ـ يظل غير قادر على تأسيس إحراجات حقيقيّة للحداثة ما دام عاجزا عن اختراق مشروعها من الداخل، بل كل ما يقوم به هو تقديم حكاية أخرى من الحكايات الكبرى Les Meta récits التي تدعي معارضة الحداثة بما قبل الحداثة، وهو بذلك لا يقوم سوى بلعب اللعبة الرديئة للحداثة المتمثلة في المراهنة على القوة والعنف كوسيلة والرفض المطلق للآخر كهدف. إن المجتمع المغلق الذي أنتجته الحداثة تتم معارضته بالمجتمع المغلق الذي أنتجته التقليدويّة.

 لا يمتلك الإرهاب إذن أي إجابات أو حلول واضحة عن الأسئلة المقلقة التي تطرحها الحداثة ماعدا الهروب المستمر إلى الماضي. أما الحداثة فهي رغم أزمتها الداخليّة تلح على إمكانيّة مراجعة ذاتها بالانخراط في قلب الحاضر، إذ لا يمكن مراجعة الحداثة إلا بواسطة حداثة مضادة، رغم أن هذا المشروع الأخير مازال متعثرا في بداياته الأولى، ومحاصرا من طرف الدوائر الماليّة والسياسيّة التي مازالت مصرة على تجاهل الخطر الذي تحمله هذه الأزمة ليس فقط بالنسبة للدول الفقيرة، بل بالنسبة لمستقبل الإنسان على الأرض.

 

الهوامش :
1  ـ ان الإرهاب باعتباره رديفا للحداثة فكرة يشير اليها تري اجلتون حينما يعود بجذور هذا المفهوم الى الثورة الفرنسيّة مستخلصا أن :“الإرهاب والدولة الديموقراطيّة الحديثة كانا توأمين منذ الولادة” أنظر كتاب الإر هاب المقدس ترجمة أسامة إسبر طبعة بدايات 2007 ص5 لكنه ورغم هذه الملاحظة يبدو أن إيجلتون يدافع في مجمل الكتاب على أن مفهوم الإرهاب يرتبط بما قبل ولادة العالم الحديث، حيث كان الإرهاب له صلة بالممارسات الطقوسيّة وبالمقدس , غير أننا في هذا المقال ندافع عن رويّة مغايرة ترى أن هناك فرقا كبيرا بين الممارسات العنيفة التي كانت تحدث في الماضي وبين شكل الإرهاب كما يمارس اليوم، وتبلغ حدة هذا الفرق في المقارنة التي نجريها بين الحرب والإرهاب
2 ـ جان بودرياد : ذهنيّة الإرهاب لماذا يقاتلون بموتهم، إعداد وترجمة بسام حجار، الطبعة الأولى 2003
3 ـ أيمن الظواهري: فرسان تحت رايّة النبي، عن الأنترنيت
4 ـ نعت جاء ذكره في إحدى التسجيلات الصوتيّة لعناصر القاعدة الذين قاموا بتفجيرات بالي والذي يشيرون به إلى السواح الغربيين المتواجدين في أندونيسيا
5 ـ جان بودريار : المرجع السابق
6 ـ جيريمي سكاهيل : بلاكووتر أخطر منظمة سريّة في العالم ـ شركة المطبوعات للتوزيع والنشر الطبعة الثالثة 2010
7 ـ للمزيد من التوسع في طبيعة هذه الشكوك انظر كتاب كينيون غيبسون. اوكار الشر : الدار العربيّة للعلوم، الطبعة الأولى 2004 وخاصة الفصل الثامن المعنون بـ تصاعد الشبهات
8 ـ جاك ديريدا مرجع سابق ص 54
9 ـ 14 ـ Sun tzu L’art de la guerre traduit par le père Amiot édition mille et une nuits septembre 2000

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق