«كتابة الكتابة».. حفريات الإبداع / مها حسن

قد يحمل شغف التعرف إلى عالم الكاتب القدر نفسه لشغف قراءته، وقد لا تخلو مقابلة مكتوبة أو مصورة مع الكاتب، عن الاستفسار عن تفاصيل كتابته، وتوصله إلى نصه النهائي، وذلك من باب الفضول المعرفي أولاً، ومن باب الرغبة في التعلّم ثانياً، فإذا أشبعت إجابات المبدعين الشغف الأول، فهل يمكنها تحقيق النتيجة ذاتها، في الشغف الموازي، أي تعليم الكتابة. هل يمكن فعلاً تعلّم الكتابة الإبداعية؟ في كتاب (كتابة الكتابة)، هناك خطوة في طريق أسرار المهنة، لاكتشاف عوالم الكاتب، والكتابة معاً.

ففي أقل من مئتي صفحة، تعدّ الروائية اللبنانية إيمان حميدان كتابها (كتابة الكتابة)، وهو الذي يمكن وصفه بالسهل الممتنع، لبساطة محتواه، وأهميته معاً، إذ تكاد تخلو المكتبة العربية من هذا النوع من الكتب، الذي يصعب أحياناً تصنيفه، فلا هي بالأبحاث ولا بالدراسات النقدية ولا حتى بالنصوص الإبداعية كما جاء على غلاف الكتاب: كتابة الكتابة ـ نصوص في الإبداع، لأن العنوان قد يشي بأن النصوص الداخلية، هي نصوص إبداعية فقط، كأن تكون نصوصاً في الشعر أو القصة أو الخاطرة، بينما هي في الحقيقة، بمثابة نصوص على الإبداع، إذ يقوم المبدع نفسه، بالشغل على نصوصه، وطريقة كتابته، مما يقترب لفكرة محترف الكتابة، ذلك النوع من الكتابة النادرة في العالم العربي.

اهميةهذا النوع من الكتابة، أنها موجّهة لمستويات عدة من القراء، للقارئ العادي الذي يستمتع بفعل القراءة ذاته، ويحب التعرف على عوالم الكتابة لدى الكتّاب، وهذا النوع من القراء، هو الجدير أكثر ربما من غيره، بالاهتمام بذائقته الجمالية والمعرفية معاً، لأنه يشكل القاعدة الأوسع من القراء، والتي على الأغلب، يتّجه الكاتب نحوها، ويعتبرها مقياساً لنجاحه أو فشله. أما النوع الثاني من القراء، فهم النقاد، الذين قد يشتغلون على حفريات جديدة، في اقتناص بعض المفاهيم غير المكتشفة بعد، عبر الخوض في التفاصيل الدقيقة الحميمية التي يرويها الكتاب عن سيرة تشكل نصوصهم الإبداعية ورواياتهم وشخوصهم وأحداث الروايات، واهميةهذا النوع من الكتب للناقد، تتأتى من كونها ليست قراءة للنص الإبداعي فحسب، بل قراءة لقراءة المبدع ذاته، لنصه الإبداعي، لا من وجهة نظر نقدية بالتأكيد، وإنما عبر نص إبداعي موازٍ للنص الأصلي، يقدم للقارئ ـ الناقد، وبطريقة إبداعية أيضاً، طريقة تشكل هذا النص. النوع الثالث من القراء، الذين سيجدون المتعة في كتاب كهذا، هم الكتاّب أنفسهم، فكأننا جميعاً في مخبر للكتابة، نراقب ونتفرج على وصفة كل منهم لكيميائه الداخلية، واختلاط روحه المبدعة بالنص، وتشكيل عجينة الكتابة.

لهذا النوع من الكتب، اهميةأخرى، إنه خارج عن المنهجية، بمعنى أنه إبداعي، ويصعب التعامل معه كقوانين مدرسية صارمة، لأن وصفة الكتابة تختلف من كاتب لكاتب أولاً، ومن تجربة لأخرى، للكاتب ذاته، وهو يختبر أدواته الكتابية، من عمل لآخر، ثانياً.

إلا أن عدم إمكانية ضبط هذا النوع من الكتابة في مناهج صارمة، لا يعني انفلاته من النقد وعدم قابلية خضوعه للنقد، بل على العكس، كما ورد من قبل عن القارئ ـ الناقد، تشكل هذا النوع من الاعترافات الإبداعية، مادة خصبة للناقد، في التعرف على عوالم الكتابة لدى صاحب النص المُشتغَل عليه.

عبر تجارب سبعة كتاب (خمسة روائيين وشاعران)، تقدّم لنا إيمان حميدان كتاباً مهماً في تاريخ المحترف الكتابي، التجربة المعروفة في أوروبا والولايات المتحدة، ولا تزال جديدة في الكتابة العربية، إلا أن حميدان خبرت تجربة المختبرات بنفسها، وعاشتها، وتيقنت من ضرورة نقل هذه التجربة إلى الكتابة العربية، إذ أن الكتاب، بمثابة ترجمة لتجربتها في محترفات الكتابة، حيث كانت تنقل خبرتها الروائية إلى طلاّب لتعلُّم كتابة الرواية في جامعة آيوا.

الروائي اللبناني محمد أبي سمرا، يفتتح الكتاب، بفصل يتحدث فيه عن تجربته تحت عنوان : رواية البنى التحتية لشخصيات موصوفة. ثم نقرأ فصلاً من روايته (الرجل الخامس)، الصادرة سنة 1995.

ثم تأتي الروائية نجوى بركات، لتقدم في فصل: في حسب سكان الروايات ونسبهم، خلاصة خبرتها الروائية، وإن كان يصعب حصر تلك التجربة في فصل واحد في كتاب مشترك، إلا أنها تحدثنا عن علاقتها بالكتابة كوطن، واللغة كبيت أو دار، من دون أن تقتصر في سردها على رواية واحدة، بل تتنقل من روايتها الأولى (المحمول) إلى (حياة وآلام حمد ابن سيلانة)، ثم (باص الأوادم)، لتنتهي لدى آخر رواياتها الصادرة سنة 2004 عن دار الآداب ( لغة السر)، لنقرأ فصلاً من هذه الرواية، بعد التعرف قليلاً على ظروف كتابة الكتابة.

من الرواية، تذهب بنا حميدان إلى الشعر، ليحضر الشاعر يوسف بزي، في فصل عنونه بـ: أنفاس اللغة، يحكي فيه عن علاقته بالحقيقة، حيث يقول: بسبب ظني أن الشاعر هو صاحب نص يحاول فيه، بتكثيف جمالي، قول «الحقيقة»، واللحظة التاريخية، وما هو داخل وما هو خارج… بسبب هذا الظن، أسعى لأن أكتب دائماً قصيدة تقول «أناي» وتقول بيئتي.

يحدثنا يوسف عن (مصادر الالتقاط)، المصطلح الذي استعمله للكشف عن توصله إلى الكتابة، ويسرد لنا فصلاً ممتعاً لا يمكن تفويته، قبل أن نذهب إلى قراءة نصه الشعري: الأب ينشقّ عن جذعه باحثاً عن الهدف، ثم يأتي نص آخر: نظر إليّ ياسر عرفات وابتسم.

ثم يأتي دور عباس بيضون، الحائر بين الشعر والنثر، والذي يعرفه القراء كشاعر على الأغلب، وهو الذي قطع حيرته تلك (وقررت أن أكون شاعراً)، كما يقول في مقدمة الفصل الذي حمل عنوان: نيابة عن المجهول.

ربما تتأتى جمالية هذا الفصل، من كون بيضون يروي ظمأ القارئ المتلهف لمعرفة تفاصيل العالم الكتابي الموازي للكتابة النصية الإبداعية لكل من السارد والناثر معاً، إذ يحكي بيضون عن تجربته في الحقلين معاً. وهو فصل مهم عن الخلاء، عن اللاشيء… يقول مثلاً في الصفحة 94 متحدثاً عن رواية (تحليل دم): (هكذا كان المشروع في البداية. حين باشرت الكتابة، كان عليّ في كل لحظة أن أجسّم هذا اللاشيء، وأن أجعله في حكاية).

ثمة نصوص شعرية لعباس بيضون، يليها فصل من روايته (مرآة فرانكشتين).

تفرد حميدان لنفسها مكانها كروائية، وتتحدث عن تجربتها في الرواية عبر فصل عنونته بـ(الجملة الأولى)، تحكي فيه إيمان عن تغيير الكتابة كونها (كائناً حياً يتحرك ويتغير وينمو). لهذا فإنه (لا توجد وصفة خالدة للكتابة)، كما تقول إيمان، لتسرد لنا تفاصيل طقوسها الكتابية في (ب مثل بيت مثل بيروت) وفي (توت بري)، ثم نقرأ فصلاً من رواية (حيوات أخرى).

حسن داوود، يكتب فصله (ما يبقى من رواية ضائعة) كأنه يكتب رواية، ليبدأ بجملة روائية إلى حد كبير: (في شباط 2001 سطا أحدهم في باريس على حقيبتي التي كانت في سيارة أصدقاء آخذاً، إلى أشياء أخرى احتوتها الحقيبة، مخطوط رواية أملت أن أكتب خاتمتها هناك…).. الحكاية مشوقة، وثمة لعب روائي إبداعي من داوود، يسرد فيه علاقته بالكتابة، عبر قصة المخطوط الضائع، والتي تعيد إلى أذهاننا ربما، حكاية جان جينيه الذي تعرّضت روايته (عذراء الزهور) لموقف مشابه لرواية داوود، واضطر إلى إعادة كتابتها. الفصل الثري الذي يقدمه الروائي حسن داوود، لا يمكن تفويت الاستماع بقراءته، لنذهب بعدها لقراءة فصل من مجموعة قصصية بعنوان (نزهة الملاك).

تختتم إيمان كتابها بالروائية علوية صبح، عبر فصلها المعنون بـ(أهجس بالشخصية)، والذي تحكي فيه علوية عن علاقتها بالشخصية الروائية، التي تتعرّف إليها أثناء الكتابة، وتكاد تتقمصها: (أتقمّصها أو تتقمّصني، تنوب عني في الكلام)، تقول علوية وتستشهد بمريم ودنيا. فصل ممتع تتحدث فيه علوية عن علاقتها بالرواية وانحيازها إلى حرية الفن والحكايات وكذلك انحيازها إلى التعرية الفنية وتعرية عوالم شخصياتها، ثم يُختتم الكتاب بفصل من رواية (اسمه الغرام)، لتنتهي الرحلة الممتعة مع الكتّاب السبعة.

بين المتعة والمعرفة وتنوع خبرات الكتاب وتفاصيل كتابتهم، تترك إيمان حميدان مساحة كبيرة لدى القارئ من الرغبة بقراءة تجارب أخرى، قد يكون هذا الكتاب، الذي لم يلقَ حقه من الانتشار، والذي وقعتُ عليه بالصدفة وهو صادر قبل ثلاث سنوات، ليكون هذا الكتاب، فاتحة لكتب مماثلة في المكتبة العربية، لكتاب من جنسيات أخرى، سوريين ومصريين ومغاربة وعراقيين وفلسطينيين… ربما نكتشف آفاقاً غير مألوفة وغير معروفة بعد، خاصة بتجربة كل كاتب وكل بلد وكل كتابة.

كتابة الكتابة: نصوص في الإبداع، إعداد الروائية إيمان حميدان، صادر عن دار الراوي في بيروت سنة 2010 بالتعاون مع وزارة الثقافة. ولو أن المجال يتسع، لوجب التحدث عن اللوحة المعبّرة عن الكتابة داخل الكتابة، والتي ابتكرتها أنامل الفنانة التشكيلية ريم الجندي.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق