الاسلام وثورة الديمقراطية

ما يزال العالم العربي والاسلامي (وبمشاركة أبناء المنطقة من الأديان والقوميات الأخرى) يمور ببركان الثورة على القهر ويطالب بالديمقراطية، فماذا تُرى هنتنغتون سيقول الآن؟! لقد بلغت ثورة شعوب الشرق آفاقاً لم تخطر ببال أحد من قبل. وبعد أن كانت تستورد أفكار الحرية من الغرب صارت، وخصوصاً في مصر وتونس والبحرين، هي التي تلهم الغربيين وغيرهم في أساليبها، ورقيها، وتضحياتها. بل ان من الممكن عَدّ هذه الثورات بمثابة التحول الديمقراطي الرابع في تاريخ البشرية، بعد التحولات الثورية عند نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتصارات الحرب العالمية الثانية، والتغييرات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية. لقد أعادت الثورات العربية الراهنة العرب الى التاريخ بعد أن ظلوا خارجه لعقود، وأعادت دورهم كصناع تاريخ جنباً الى جنب مع الشعوب النشطة الأخرى، فهم اليوم يقدمون نموذجهم الخاص للديمقراطية، وأسلوبهم المميز في الثورة. فهل يعني هذا ان الديمقراطية هي قيمة كونية ستنتصر ذات يوم في كل العالم؟

يعتقد الاقتصادي الهندي أمارتيا سن أنه اذا كانت القيمة الكونية تعني أن كل انسان يجب أن يتبناها فلا وجود إذن لقيم كونية؛ حيث إن هذا المفهوم يلزمنا أن نرفض القيم الأخرى أيضاً التي اعتدنا خلال المائتين وخمسين سنة الأخيرة أن ندعوها كونيةً مثل حقوق الانسان وحرية الرأي وحق المساواة في التصويت، فهذه الشعارات التي تعود للثورة الفرنسية لم يتبنّها جميع الناس بل جوبهت بمعارضة شديدة، على الأقل من قبل الكنيسة. إنما جوهر القيمة الكونية في نظره هو إن الناس في كل مكان لديهم أسباب قوية لأن يعتبروها أولويةً وذلك لأن تحَقّقها يقرّبهم من هدف يتبناه الجميع (أو أكبر قدر منهم)، فالهدف في هذه الحالة يسيّر نفسه بنفسه. فحين تسأل الناس في أي مكان وتحت ظل أية ثقافة اجتماعية كانت: كيف تنبغي معالجة القضايا المشتركة في البلاد؟ فان نسبة كبيرة منهم ستجيب بأنه يجب أن يشارك الجميع في تداول القضية المعنية لكي يتوصلوا الى القرارات الصائبة. فقط بهذا المعنى يمكن أن نعتبر الديمقراطية قيمة كونية، أي بوصفها صادرة من الناس لا صادرة إليهم.

لكن ألا توجد مع ذلك فوارق جلية في القيم بين الثقافات المختلفة؟ بالتأكيد، فالوقائع كما الدراسات تكشف عن اختلافات كبيرة بين المجتمعات الغربية والمسلمة. لكن الجوهري (والذي – يا للمفارقة – يجري إغفاله) أن هذه الاختلافات لا تشمل قيماً مثل المشاركة الشعبية وحكم الشعب نفسه بنفسه، إنما تنفتح الهوة الكبيرة بين الغرب والاسلام حين تطرح أسئلة حول المساواة والحرية الجنسية وما الى ذلك. فالفوارق بين الثقافتين تتعلق بموضوع العلاقة بين الجنسين أكثر بكثير من موضوع العلاقة بين الشعب والدولة. وبمقدوري في هذه اللحظة أن أستشهد من التاريخ الاسلامي بقائمة طويلة من الأمثلة، نصوصاً وسجالات وأعمالاً وأحداثاً، التي تثير قضايا الشورى والسلطان العادل والجائر والحاكم والرعية… الخ وما كلفته هذه القضايا من تضحيات ومن حروب أهلية على مدى التاريخ الاسلامي، وكلها يجري إغفالها عمداً عند حديث البعض عن موضوع الاسلام والديمقراطية. وأعني بالبعض أصحاب المنظور الأحادي الذين يبدون سخاء في الاستشهاد بالتاريخ والنصوص الاسلامية عندما يدور الحديث عن اضطهاد المرأة، ويرفضون النظر في هذا التاريخ وتلك النصوص عندما يكون الموضوع طبيعة الحكم والسياسة.

كان النقد الموجه لفكرة الديمقراطية كقيمة كونية قد صدر في أكثر أشكاله حدة عن صموئيل هنتنغتون في كتابه الشهير عن الصراع المفترض بين الحضارات. وحسب هنتنغتون فانه من السذاجة الظن بأن جميع الناس يرغبون بالديمقراطية. وهو يوصي الغربيين بأن لا يغرّهم انتشار المنتجات الاستهلاكية الغربية في البلدان العربية، فبعد كل شيء، “المسلمون ليسوا نحن”. وهو صاحب التوصيف المتهكم عن الشباب العرب الذين يرتدون الجينز ويشربون كوكا كولا ويستمعون الى موسيقى الراب، وكلها منتجات الغرب، ثم يحضّرون قنبلة ليفجروها في طائرة أمريكية. وكما هو معلوم قوبل كتابه هذا وطرحه الاستفزازي بحملة عالمية من الرفض. لكن ما غفل عنه كثيرون هو خاتمة كتاب هنتنغتون التي يتناقض فيها مع نفسه بشكل يثير العجب. فالاستنتاج الذي يصل إليه هو إننا رغم كل الاختلافات يجب أن نبحث عن ما يوحدنا: (seek communalities!“)؛ حيث إن قيمنا محيوكة في خيط طويل من التصورات الثقافية التي ما أن نقشرها حتى نصل الى ما هو مشترك لدى جميع الناس؛ فالمجتمع بتقاليده”انفصالي“بطبعه بينما الانسانية”كونية“بطبعها. ويقول ان المجتمع البشري”كوني لأنه إنساني، وهو انفصالي لأنه مجتمع“، ولا يدري أنه بهذه الكلمات، والتي حشرت في كتاب هو بعد كل شيء حملة أدبية مركزة ضد الاسلام، يقر بايمانه بأننا، وعلى خط مستقيم عبر كل الحضارات، نمتلك شيئاً مشتركاً من حيث الجوهر ويجب أن نتمسك به، إذا ما أردنا تجنّب حرب حضارات ضد بعضنا البعض.

في الضفة المقابلة، ثمة دعوات من نقاد شرقيين وغربيين الى”جعل الاسلام ديمقراطياً” وذلك بنفس الطريقة التي يقولون ان المسيحية قد اجتازتها من كونها ديانة تعتبر المَلَكية رحمة من الله الى أن صارت الآن تعمل من أجل حقوق الانسان. وهو طرح شهدنا نماذج شبيهة له بأقلام عربية، بعضها شجاع وعميق وبعضها سطحي. لكن أراني على العموم متشككاً إزاء هذا الطرح. فمن حيث المبدأ، ان الفكرة المسيحية حول الرب الكلي القدرة تتناقض مع الديمقراطية، وهو تناقض موجود في الاسلام أيضاً لاحتوائه على الفكرة نفسها. ومن حيث التطبيق فان علاقة الكنيسة بموضوع الحقوق الانسانية لمجموعات بشرية مضطهدة قد جاءت – كما نعلم – وسط معارضة وتردد على مدى جغرافي وزمني واسع. فالموضوع – برأيي – ليس أن تجعل الاديان ديمقراطية وإنما أن نصوغ نظاماً ديمقراطياً يتمكن كل اتجاه فيه، دينياً كان أو علمانياً، من العيش في سلام مع الاتجاهات الأخرى، وهذا النظام من الواجب، ومن الممكن، إيجاده في شرقنا المسلم كما في الغرب.

حين نتابع اليوم الاحتجاجات في أرجاء عالمنا العربي فاننا لا نتعرف على ما نريد نحن كعرب وحسب، وإنما نتعرف كذلك على المطلب الكوني بأن يحكم الشعب نفسه. ان سبب الاحترام والاعجاب الذين قوبلت بهما هذه الاحتجاجات من قبل الساسة والمثقفين والصحفيين والفنانين في كل العالم وفي الغرب خصوصاً هو أن مطالبها تلامس أعمق الأماني لدى كل إنسان في كل مكان. ومن هم إذن معارضو الديمقراطية؟ إنهم، ومثلما في أي مكان آخر من العالم، نُخَب السلطة المتنافسون الذين يريدون استغلال الموقف لأغراضهم. وهؤلاء نتعرف عليهم أيضاً، سواء ارتدوا ثياب ملوك أنزلهم الله رحمةً للعالمين، أو قادة حزبيين أو عسكريين أو ملالي. وما لم يفلح النقاد في إقناع هنتنغتون به أجبره الشارع العربي على الاقتناع به: إنها النخب الحاكمة، وليس الاسلام، التي تقف حاجزاً بين الشعوب المسلمة وبين الديمقراطية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This