الدساتير المغاربية والإرث السياسي / عبدالحق عزوزي

كانت اضطرابات أواخر ثمانينيات القرن الماضي ناتجة عن عمق التناقضات التي تمر بها المجتمعات المغاربية وبالأخص الجزائر وتونس، وعن انتظارات الشعوب التي طالت، وعن الإحباطات المتراكمة والاستياء المتزايد والإحساس بالظلم، دون نسيان تداعيات خنق المجال السياسي العام واحتكاره من طرف الحزب المهيمن كما هو حال تونس، أو من طرف الجيش كما هو حال الجزائر. وستحاول الترتيبات الدستورية إذن التخفيف من هذه النواقص بإدخال إصلاحات قادرة على تقليص الفجوة المتنامية بين الدولة والمجتمع. كما سعت من بين أمور أخرى، إلى العمل على الربط بين المجتمع والنظام السياسي من خلال إعادة النظر في النظام الحزبي والتمثيل السياسي، بحيث يمكن إدماج شكل من أشكال التعددية الاجتماعية داخل المجال السياسي… وستكون النتائج متباينة من دولة إلى أخرى، بسبب نوعية النظام ودرجة الانفتاح منذ الاستقلال والإرث السياسي الذي تتمتع به كل دولة على حدة.

وهكذا فقد عمل الدستور الجزائري لسنة 1996 على رسم خريطة طريق تسمح بإعادة السلم الاجتماعي ومنع أي فصيل إسلامي من الفوز الساحق بالانتخابات كما هو شأن دستور 1989 والسماح للتمثيلية السياسية المتنوعة بالتواجد داخل مجال سياسي تحت المراقبة. أما الدساتير المغربية في 1992 و1996 فقد شكلت بداية حقيقية لتجسيد الميثاق السياسي بين النخبة السياسية في الحكم والنخبة السياسية في المعارضة. وفيما يخص الدستورانية التونسية في عهد بن علي، يمكن الحديث عن موت دستوري منذ التنقيحات الأخيرة في حكمه التي عززت من صلاحيات رئيس الجمهورية على حساب غيره من المؤسسات.

وقد عمل الدستور الجزائري لعام 1989 على خلق قطيعة جذرية مع القوانين الاستبدادية من خلال إعادة تأهيل الهيكل الاجتماعي في ممارسة السيادة، وذلك بإدخال نظام التعددية الحزبية ومبدأ الفصل بين السلطات. وحين تم اعتماد الدستور الليبرالي الأول للبلاد، بدأت عملية بناء نموذج للديمقراطية البرلمانية عن طريق إزالة كل إشارة إلى الخيارات السوسيو-اقتصادية الاشتراكية والحزب الوحيد، وبذلك ظن الخاص والعام أن الشعب بدأ يستعيد تدريجياً سيادته التي تمت مصادرتها حتى ذلك الوقت عن طريق تنفيذ مبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية ألا وهو نظام التعددية الحزبية والتناوب على السلطة كنتيجة طبيعية لها. ولكن سيتم بتر هذه المحاولة الأولى بشدة عن طريق فرض حالة الطوارئ بعد إلغاء الانتخابات التشريعية في 26 ديسمبر 1991. وبعد تجميد دستور 1989 وما تبعه من غموض قانوني و«ترقيع» مؤسساتي، لجأ المشرع الجزائري إلى إجراء تعديل دستوري جديد سنة 1996 يعتبر الإطار القانوني لهندسة سياسية جديدة يبدو أنها صممت بطريقة تمنع وقوع أحداث عام 1991 مجدداً. ويمكن الإشارة إلى العديد من الابتكارات في هذا المجال:

– تجديد الولاية الرئاسية مرة واحدة لمدة خمس سنوات.

- اعتماد التمثيل النسبي لانتخاب البرلمان الجديد لأنه يعكس في الواقع الرغبة في تجنب أزمة عام 1991 من خلال توزيع الخيارات السياسية في جميع أنحاء البلاد، لكي لا تعطى كل السلطة للأغلبية.

– إنشاء نظام الثنائية التشريعية.

- تعزيز سلطة الرئاسة.

أما بالنسبة للدستور المغربي المعدل في 4 سبتمبر 1992، وكذا دستور 1996، فهما لا يتموقعان في نفس المنطق مع نظيرهما الجزائري لأن الدساتير المغربية للجيل الأول والثاني (1962-1970-1972) كانت متقدمة على الدساتير الجزائرية، وبدرجة كبيرة على الدساتير التونسية. فمنذ الاستقلال، كرست جميع الدساتير المغربية نظام التعددية الحزبية لأن الملكية المغربية تتنافى في جوهرها مع نظام الحزب الواحد. وهكذا، فالإصلاحات السياسية التي عرفها المغرب طيلة سنوات التسعينيات سيكون نطاقها أوسع بكثير من تلك المسجلة في البلدين الجارين.

وسيخضع الدستور التونسي تحت حكم بن علي -ويا لها من مفارقة- إلى تعديلات عديدة مقارنة مع الحالات المغاربية: تسعة تغييرات منذ 7 نوفمبر 1987. ولكن، على رغم هذا العدد من التعديلات للدستورانية التونسية تحت حكم بن علي، فهي تعتبر مجرد ترقيعات سلبية لأن الإطار المؤسساتي كان من دون بذور ديمقراطية بفعل انصهار الدولة وحزب الرئيس في كيان واحد.

وكان التعديل الدستوري الرابع عشر منذ اعتماد القانون الأساسي عام 1959، هو الأهم والأكثر معنى من حيث حجم الإصلاحات في تونس. فعلى إثر الاستفتاء الذي أجري في 26 مايو 2002، تم إلغاء الفصل 39 الذي يحدد الولايات الرئاسية في ثلاث، الشيء الذي سمح لابن علي بخلافة نفسه في عامي 2004 و2009. وبالمثل، ينص الفصل 41 الجديد على أن الرئيس يتمتع بحصانة قضائية خلال وبعد ممارسته لولايته، وهو نوع من العفو المسبق عن النفس الذي ستتم زعزعته جراء ثورة الياسمين.

وبالضبط، مع هذه الثورة، أصبحت تونس، التي كانت حالة شاذة بين الدول المغاربية، إحدى الدول العربية التي دخلت قطار الانتقال الديمقراطي. ومع ذلك، فإن المجال السياسي الموروث عن بن علي ترك آثاراً مدمرة، وهذا ما يفسر اليوم غليان مجتمع بأكمله. ولهذا يتطلب الأمر بعض الوقت لقياس حجم التحولات الجديدة في بلدان شهدت ثورات بعد عقود من فصول الرياح الصرصر العاتية. فموسم الانتقال سيدوم لفترة أطول والتحولات ستكون بالضرورة قاسية… ويمكن ملاحظة هذه الولادة العسيرة في مصر حيث خفتت نشوة الأسابيع الأولى من تحقيق الديمقراطية والانتقال من مرحلة إلى أخرى، مما أدى إلى نتائج سلبية ستمدد فترة نقل المجال السياسي من مرحلة الانتقال الديمقراطي إلى مرحلة التثبيت الديمقراطي… أما المغرب فلم يشهد انتقالاً مؤلماً بفضل الميثاق التعاقدي السياسي الذي طبق، وبذلك كان أول دولة مغاربية وعربية تتبنى دستوراً من الجيل الرابع في يوليو 2011.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق