عقدةٌ في الحلق / سحر مندور

إثر غزو العراق، ومع انتشار الفوضى المسلّحة، ارتفعت أصواتٌ كثيرة بين الناس تنهل من أدبيات الأمويّ الحجّاج بن يوسف الثقفيّ (660 م ـ 714 م) لتصف شعباً مكوّناً من «أهل الكذب والنفاق»، لا يصلح إلا لأن يكون مجموعة رقابٍ «أينعت وقد آن وقت قطافها». وترافقت هذه الاستعادة مع التأكيد على أن صدّام حسين كان الشخص الأنسب لحكم مجموعة البشر هذه، ولولا اجرامه تحديداً لاستشرت الحروب الطائفية والقبلية منذ ذاك الحين. وللمصريين أيضاً حصّة من هذه الأحاديث، إذ أنهم شعب من «النواطير» التي «نامت عن ثعالبها»، كما في قصيدة المتنبي التي هجا فيها أبا المسك كافور (905 م ـ 968 م)، الملك الإخشيدي الذي حكم مصر وبلاد الشام لثلاثة وعشرين عاماً. فكانوا ـ قبل ثوراتهم الأخيرة ـ شعباً من الكسالى والخاملين، مدمني النكات غافلين عن حكم حسني مبارك لهم بالتفقير والعار. وقد انتشى هذا الحديث إثر إقفال مصر لمعبر غزّة خلال العدوان الإسرائيلي عليها في ختام العام 2008. وللسوريين أيضاً حصّة نستمع إلى بعض تردّداتها اليوم، تحكي عن شعبٍ عاجز عن أن يحكم نفسه بالديموقراطية، ما ان يُترك لثوانٍ حتى تستعر الخلافات بين جماعاته، بدليل عدد الانقلابات التي سبقت «تسلّم» حافظ الأسد لسدّة الرئاسة، ولم يحدّها إلا صرامة «تعامله» مع معارضيه كما زملائه كما الشعب. لولاه، لقبعوا في انقلاباتهم حتى نهاية الكون.

ومن التاريخ الجازم، إلى الدين «المبرّراتي»: فتتسلسل عبارات الإدانة لتصل إلى «كما تكونون يولّى عليكم»، هذا الحديث الذي يُقال إنه يعود لنبيّ المسلمين محمد، والذي يستخدم كالشمع الأحمر لختم النقاش بالحق.. مع أن فاعل «يُولّى» يأتي بصيغة المجهول، هو الغيب الذي ولّى علينا من يشبهنا، فما هي قوتنا ضد الغيب؟ وهل ندان بأننا لم نغيّر ما أراده الغيب (الله؟) لنا؟ الإجابة ستكون «بالطبع لا» في السياق الديني الذي لا يتوقف عن منح الإجابات، فيكمل: «لا يغيّر الله ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم» (سورة الرعد).

تهدف هذه الأقوال والاستعادات المجتزأة لعصور لم تكن أساساً أقل ظلماً من واقعنا، إلى إدانة شعب بتحمّل مسؤولية تاريخية وماورائية في ما يحلّ به من قتل وتعذيب وتفقير وتجهيل وطرد من الحياة العامة و… إدانة الناس بما فعله المجرمون بهم، تماماً كما تعمل ديناميات شبيهة وأخرى على إدانة المرأة التي تعرّضت لتحرّش بمسؤوليتها عن استدعاء هذا الاعتداء.

مجرمون بلا ضحايا

الإدانة هنا هي فعل تفسير، شرح، هدفها بناء ترابطٍ منطقي عقلاني أساسه العدالة، في جريمة قتلٍ جهنمية. الذات، أمام حفلة الجنون التي أقدمت عليها الديكتاتوريات العربية خلال العقود الأربعة الماضية، تحتاج إلى مسهّل للهضم كي تتطبّع مع هذه اليوميات، وتعيشها كحياةٍ عادية. في الحرب الأهلية اللبنانية، بقي الأهل يعلّمون أولادهم عدم رمي الزبالة في الشارع، والإجابة باحترام على السؤال، وانتظار الدور عندما يستقيم صفّ، و… أدبيات لا مساحة لها في حربٍ أهلية، لكنها تبقيهم على تواصل مع معنى الحياة الكريمة التي أرادوها لأنفسهم ولأولادهم. بلا سابق تخطيط، يتفق الناس على صناعة مراسي للأمان، وصواري للأحلام. وكمرسى للأمان، يتم تحميل شعبٍ آخر مسؤولية الظلم الذي ينزل به.

لا مفر من الاعتراف بوجود عنصرية وفوقية وكره حال الأسوأ حالاً، كعوامل أساسية ومؤثرة في فهم هذا السياق، لكن هناك أيضاً أشياء أخرى تتراكم يجب التفكير بها. مثلاً، تتخفى في هذه الأساطير حول الشعوب العربية محاولاتٌ لجعل كلّ من هذه الشعوب استثناءً في الحياة التي من المفترض أن تكون عادلة.. استثناءات يمكن أن تشمل شعباً بحجم شعب العراق مثلاً (حوالي 35 مليون نسمة)، دورها هو إخراج رعب الحياة العراقية من سياق الحياة «العادلة» التي تحقّ لنا وستكون لنا، حتى ولو هي غير محقّقة. لو لم يكونوا نماردة، لو لم يكونوا تنابل، ولو لم يبع الفلسطيني أرضه،… لكانت الحياة في بلادهم كريمة. تبسيطٌ مخيف، يكاد يكون شريكاً بالجريمة الأولى، ولكنه يهدف إلى وضع معنى على المشهد المرعب، فيفكك العقد الباقية منه في الحلق.

هكذا، تكون الجريمة هي ما أنزلته الديكتاتوريات بنا، أما العدالة فتستقيم عندما نستحق بشكل أو بآخر ما يلمّ بنا. الشعب هو الفاعل الأول، الخطيئة الأساسية، وليس مفعولاً به، ضحية. أواخر القرن الماضي في لبنان شهدت تجريداً للضحية من صفتها كذلك، إذ راجت فكرة أن «لا ضحية في الحرب الأهلية، كلنا شركاء بالجرم!». وهي على الأرجح راجت لتبرير وجود المجرمين في كراسي الرئاسة والنيابة والوزارة في لبنانٍ خنقه دماره وروائح الموت والزبالة فيه. فتم لمّ شملنا جميعاً بالجريمة، كلنا مسؤولون عنها، ولننطلق الآن في حفلة إعادة الإعمار. ولم نكن جميعنا مسؤولين عنها، كثرٌ بيننا هم الضحايا في حروبٍ أهلية تصنعها عادةً نسبة أقصاها 10 في المئة من الشعب، وكان المسؤولون المباشرون عنها حاضرين أمامنا، ولم ننجز الإعمار، ولم ننه الحرب حتى يومنا هذا. الأفكار، هذه الأفكار التي تروج فجأة حاملةً الإجابات عندما تصعب حتى الأسئلة، هي أفكار يجب التوقف عندها، والتفكير بما برّرته سابقاً من جرائم بحق هذه الذات، وها هي تبرره بحق «ذوات» أخرى، سورية، عراقية، مصرية، لا يهم. الجريمة، ستبقى مبرّرة طالما المشهد يخلو من الضحايا. والعكس يبقى صحيحاً، في خطاب النصف الملآن من الكوب: إذ يُجهّل المجرم أيضاً عندما يطوف المشهد بالضحايا. والمثال عن ذلك حاضرٌ اليوم في سوريا. في خطابات التمهيد للمفاوضات، أصبح الجميع ضحايا، وأصبح المجرم عدواً خارجياً آتياً للجهاد والنكاح، هو الذي قتل أصحاب «المطالب المشروعة» من أبناء الشعب «الحبيب»، فلنتوحد في حالنا وننطلق إلى الغد. كأن الميت ما مات، والأسير ما عذب، والبيت ما هدّ.. لأن المسؤوليات قد جهّلت، والجميع باتوا ضحايا.

الاستراتيجيا ليست الأمل

للأسطورة دورٌ في التاريخ السحيق يقوم على تطبيع الإنسان مع ظواهر الحياة. وهي واسعة الانتشار، ومعلوماتها خاطئة. هذه الأساطير عن شعوب المنطقة، وإذا ادعت أنها تفسّر المصائب، فهي أولاً تجتزئ دورهم في التاريخ في لحظةٍ عرّف بها حاكمٌ أو شاعر غاضب، كالحجّاج والمتنبي، وتالياً هي تبدّد الأمل وترسي الندم عند بروز العوائق. وهي أيضاً تشكّك برهانهم المفاجئ والمراهق على حصان غير مضمون هو الذات.

الاستراتيجيا السياسية تختلف عن الأمل بحياة أفضل، والتحيّز للأولى يقوّض حق الثاني بالوجود. والخلط بينهما هو تعبيرٌ عن الحاجة إلى خلاصات سريعة بين ناس معبّئين، في منطقة يرى مثقفوها أنفسهم مضطرين إلى تقديم الإجابات بدلاً من السعي لفهم مستويات ما يجري.

تلك الأساطير، الأشعار، الخطابات، تلك المواد التاريخية والدينية التي تُستعاد، إنما هي صريحة في تحيّزها للحاكم كمسؤول عن حياة ملايين الناس الذي يعيشون «في كنفه». ما تحاول الثورات قوله اليوم هو أن «كنفه» هذا إنما هو ملك الجميع، وأن تلك الأقوال المأثورة تحتفي بالقوة على حساب العدالة، تنتصر للظالم على حساب الضحية، تسخر من المهزوم لعجزه عن تلافي أسباب الهزيمة، وتتجهّز لاستقبال الظلم مجدداً إلى حين ينتصر المهزوم يوماً ما، فيليق به حينها الشعر والنثر والخطابة. والبديل الوحيد الممكن عن مهرجان الخطابة هذا، هو سياق تحمّل المسؤولية، والتعامل مع الواقع المنفجر برويّة وصبر. صبر شديد، وأسى، ومرارة. التعامل مع الذات كأسيرة، بدلاً من تبجيل الخاطف.

أما غير ذلك فكان ليكون لطيفاً. كان التغيير ليكون لطيفاً لو حلّ كسحر الساحر، يخفي الديكتاتوريين المزمنين بغمضة عين، ويُزهر مكانهم رؤساء موظفين ينتهي مفعولهم بدورةٍ أو دورتين انتخابيتين. كان ليكون لطيفاً الاستيقاظ على مستوى حقيقي من التعليم المجاني، ومستوى حقيقي من الطبابة المجانية، ومستوى محترم من الحدّ الأدنى للأجور، ومستوى محترم من الحريّة. كان ليكون لطيفاً الاستيقاظ المفاجئ في يومٍ آخر، لكن الحياة ليست كذلك، ولن تكون كذلك، مهما شدّ الواحد منا بطموحه نحو رؤية ذلك كله يتحقق في مدة حياته، أمام عينيه. والواحد منا يظن أن ما لن يراه بعينيه، لن يكون. وكم كان ليكون لطيفاً زوال ذاك الظن مع زوال «أنظمة الأبد».

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق