منْ أَكْرَهَ زوجَه… أيضاً / عزة شرارة بيضون

عمل “التحالف الوطني لتشريع حماية النساء من العنف الأسري” على إلغاء استثناء الزوج من جرم اغتصاب زوجته المنصوص عليه في المادّة 503 من قانون العقوبات اللبناني (“من أكرَهَ غير زوجه بالعنف والتهديد على الجماع عوقب بالاشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل. ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان المُعتدى عليه لم يتمّ الخامسة عشرة من عمره”)؛ وذلك حين صاغ المادة 4 من “مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري” الذي تقدّم به “التحالف” المذكور وتبنّاه مجلس الوزراء بعد إضافة المادة 26 المشهورة عليه (يمكن متابعة مسار نشاط “التحاف الوطني لتشريع حماية المرأة من العنف الأسري على www.protect.kafa.org.lb).

تنص المادة 4 من مشروع القانون على ما يأتي:”من أكره زوجه بالعنف والتهديد على الجُماع عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين“.

رحّبت هيئات المجتمع المدني العاملة تحت مظلّة حقوق الإنسان بالمشروع، وبالمادة 4 ضمناً، لكن هيئات نسائية متحالفة مع دار الإفتاء الإسلامية شنّت حملة ضدّه، مطلقةً أفكاراً ومعتقدات بثتها وسائل الإعلام ونُشرت على النِت تندّد بالقانون جملة وتفصيلاً. بدا أن اللجنة الخاصة التي كلّفها رئيس مجلس النواب دراسة المشروع المذكور قد تأثّرت، بدرجة غير قليلة بهذه الحملة، ما أسفر عن تعديل بعض بنوده. وقد جاء البند 4 – أ ذو الصلة بالاغتصاب الزوجي في مشروع القانون المعدّل على الشكل الآتي:”من أقدم، بقصد استيفاء حقوقه الزوجية في الجُماع، أو بسببه، على ضرب زوجه أو إيذائه عوقب بإحدى المواد 554 أو 559 المنصوص عليها في قانون العقوبات“، والبند 4 – ب الذي ينصّ أن”من أقدم، بقصد استيفاء حقوقه الزوجية في الجُماع، أو بسببه، على تهديد زوجه… إلخ“.

هكذا تُذكر في قانون مدني، للمرّة الأولى، عبارة”استيفاء الحقوق الزوجية“. وتتكثّف في هذه العبارة التصوّرات والمعتقدات والأحكام النمطية حول النساء والرجال نتعرّف إليها في تصريحات/ مقولات شائعة، أعاد التذكير بها المعارضون والمعارضات لمشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري. وهي إذ تقع في الإطار المرجعي الخاص بالقانونيين في موقع مألوف بسبب اندراجها في سياق الكلام عن عقد بين متعاقدَين، فهي نافرة من منظور نسوي؛ فالمنظور النسوي يرى إلى التشريع سيرورة تتم في سياق نفس – اجتماعي يستدعي الآثار التي تُحدثها التحولات المجتمعية على النساء والرجال ويأخذ في الاعتبار الديناميات المستجدّة التي تحكم العلاقة القائمة بين الفئتين. في ما يأتي، أتناول بعض هذه المقولات في محاولة للبحث عن ملاءمتها مع واقع النساء والرجال في مجتمعنا.

الحقوق الزوجية

مفهوم”الحقوق الزوجية“في البندَين 4 أ وب من المشروع المعدّل القانون، هل يستجيب لواقع النساء والرجال عندنا؟

يحيل مفهوم”الحقوق“مباشرة على المفهوم الذي يكمّله:”واجبات“الزوجة تجاه زوجها في موضوع الجُماع. وذلك للتأكيد أن الزوجة مُلزَمة، بموجب عقد الزواج الذي أبرمته، على القبول بالجُماع مع الزوج. ينطوي مفهوم الحقوق والواجبات على التغاضي عن رغبة الزوجة في الجُماع، وإن كانت تعفى من واجباتها هذه، وفق اجتهادات دينية، بسبب وقوعها في المرض. أما الخلل الذي استوجب صوغ المادة
4
– أ وب من مشروع القانون المعدّل، فيتمثّل بكون الزوج قد اتخذ العنف الجسدي وسيلة من أجل”استيفاء حقه في الجُماع“. هذه المادة تتضمّن أن الزوجة امتنعت عن القيام بواجباتها، فاستدعت توسّل الرجل”الضرب والإيذاء“و”التهديد“لإجبارها على القيام بتلك الواجبات. الضرب والإيذاء والتهديد، تستدعي، بدورها، العقاب التي تنص عليه هذه المادة، بالإحالة على مواد من قانون العقوبات.

هذه المادة من القانون محمولة على تصوّرات للزواج وللمرأة والرجل- طَرَفَي الزواج- ومعتقدات حول العلاقة التي تربطهما معاً ولأسباب”الجُماع“بينهما. فهل تشبه هذه التصوّرات وتلك المعتقدات واقع النساء والرجال المعاصر عندنا؟

تشير الأبحاث التي تناولت التصوّرات التي يحملها الشابّات والشبّان عندنا لذواتهم ولشركائهم المأمولين، إلى بروز هوية نسائية جديدة تتجه لأن تتجاوز المنمّط الأنثوي التقليدي. فالشابة اللبنانية، مثلاً، لم تعد ترى إلى ذاتها كائناً اتكالياً وضعيفا ومحتاجاً لحماية الرجل، بل هي اصبحت تعزو إلى ذاتها سمات كانت حكراً على الرجال، مثل الاستقلالية والأداتية instrumentality والقيام بالذات. وهي إذ تبنّت السمات الذكرية، فقد احتفظت لذاتها بالسمات الأنثوية ولم تجد في الأدوار المترتبة على تبنّي أيٍّ من مجموعتَي السمات (سمات الذكورة وسمات الأنوثة) تعكيراً على الأخرى. إلى ذلك، فإن الشابة المعاصرة تعبّر عن رغبتها بعقد شراكة زواجية مع رجل يعترف بهويتها الجديدة ويقدّر إنجازاتها ويحترم خياراتها الحياتية.

تؤكّد الوقائع المتمثّلة بالإحصاءات الشاملة، التوجّهات التي عبّرت عنها الدراسات النفس- اجتماعية الجزئية.

فالشابّة اللبنانية تتجه أكثر فأكثر نحو التريّث في الزواج؛ إذ بلغ معدّل عمر الزواج الأوّل للشابات عندنا، وفق الإحصاءات الرسمية، 29 سنة. وفاقت درجة تعلّمها مستوى زميلها الشاب في التعليم ما قبل الجامعي والجامعي. وتجاوزت نسبة العزباوات منهن 40 في المئة من سوق العمل. وهنّ دخلن ميادين عمل جديدة (القضاء والأمن)، وبعضهن هاجرن للبحث عن فرص عمل أفضل كما أصبحن أكثر إعلاناً عن قضاياهن في الميديا، القديم منها والجديد، من مؤشرات إلى أحوال وتوجّهات عامّة تعزّز التصوّر الذي تحمله الشابة اللبنانية عن ذاتها، وتتناغم مع السياق الأعمّ. إلى ذلك فإن هؤلاء الشابّات نشأن في أسر تتجه، بحسب الإحصاءات الرسمية، للتناقص لتنجب أقل من ثلاثة اولاد. وهذا يشي بإمكان تنشئة”نوعية“للاولاد من الجنسين يتراجع فيها التمييز الجنسي في إتاحة العلم، واستطراداً في العمل، وفي حرية الحركة والمشاركة في النشاط المجتمعي العام.

السؤال المطروح ها هنا: هل تتناسب أوضاع المرأة المعاصرة وهوّيتها الجديدة مع علاقة زواجية جنسية (الجُماع) قائمة على قاعدة الحقوق والواجبات؟

قد يبدو سائغاً أن تُدفع فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، وابنة من ستة أولاد (معدّل عدد الأطفال في الأسرة اللبنانية في الستينات كان 6,4) في أسرة متوسطة الحال (كي لا نقول فقيرة) وكان تعليمها محدوداً تبعاً لصغَر سنها، غير عاملة بأجر ولا تملك مشروعاً حياتياً خاصاً بها…، إلى الإقبال على زواج تجد فيه تحقيقاً لرغبات اسرتها التي تجد في”سترها“هدفاً مرغوباً به وإعلاء لقيمتها الاجتماعية، بل ربما تحقيقاً لذاتها ولحريتها الشخصية ولجنسانيتها. هذه الفتاة/ الزوجة/ النموذج الذي كان سائداً في عقود سابقة قد تعبّر عن جنسانيتها في فعل من الامتنان/ الواجب تجاه الزوج الذي وفّر لها وضعية لا تملك خيارات سواها للوجود. وقد يصحّ، ربما، الكلام عن حق الزوج في الجُماع مقابل الإنعامات التي وفّرها هذا الزوج لتلك الزوجة. في الكلام الديني الإسلامي والمسيحي كلام صريح عن التبادل في السلع والخدمات. المأكل والملبس، مثلاً، تُحرم منهما الزوجة التي تمتنع عن فراش زوجها، وفقاً للفقه الإسلامي (ناهيك بحرمانها من رضى الملائكة التي تلعنها طوال الليل الذي امتنعت فيه عن فراش زوجها!)

لكن… لننظر عن كثَب إلى المرأة/ الشابة اللبنانية المعاصِرة المقبلة على الزواج، فماذا نرى؟ نرى امرأة راشدة منذ زمن غير قليل تجاوز أحياناً السنين العشر، نشأت في أسرة مرحِّبة بها (لم تولد”سهواً“بسبب انتشار وسائل منع الحمل بين النساء وفق الإحصاءات اللبنانية الشاملة)، تنحو لأن تكون متعلّمة وعاملة بمهنة خارج منزلية؛ الأمر الذي يجعل علاقاتها غير مقتصرة على أفراد الأسرة.

هذه الشابة تتعرّض عبر الميديا، القديمة منها والجديدة، لسيْل وافر من المعلومات والنماذج الإنسانية. وهي قد خاضت، على الأرجح، تجارب علائقية وعاطفية وربما جنسية أهّلتها للوصول إلى مستوى من النضج الشخصي ومعرفة الذات والآخرين واكتساب الدروس الحياتية. هذه المرأة، ما هي دوافعها لعقد شراكة زواجية قوامها”الحقوق والواجبات“في مجال حياتها الحميمة؟ ما هي مسوّغات رضاها لأن تكون موضوعاً لاستيفاء حقوق زوجها في الجُماع؟ ما الذي يحفّزها لأداء واجب في ناحية من وجودها- الممارسة الجنسية- يُفترض بها أن تكون مصدراً للمتعة الخالصة وسبباً للتألّق الحسّي وتحقيقاً لرغبة انتقائية selective الموضوع واستسلاماً اختيارياً لصلة عاطفية عقدتها بوعي أملتْه فرديتها المكتسبة ولم تكن (الصلة) مدفوعة بحاجة، ولا استجابة لضغوط قيمية ومادية؟
لا يفو
تنا أن بعض النساء/ الشابّات المعاصرات من اللواتي وصفنا غير مَعفيّات من الضغوط المجتمعية التي تحثّهن على الإقبال على الزواج، حتى لو كان هذا الزواج معقوداً في إطار الحقوق والواجبات. نعلم أيضاً أن هناك وفرة من الشابّات يهْرعن إلى زواج غير متناسب مع توقعاتهن وآمالهن لأسباب معروفة؛ لكن بعض الدراسات تشير إلى أن تزايد نسبة الطلاق، عندنا، ليس بدون صلة مع الفجوة القائمة بين توقعات النساء المعاصرات من الزواج وبين الواقع الذي يوفّره لهن الزواج غير المتناسب مع مكتسباتهن التي جعلهتن مساويات للرجل، لا”ملكاً“له؛ وحيث لا يملك هذا الزوج”الحق“في إكراهها على ما لا ترغب به، بفعل عقد”مقدّس“أبرمته في لحظة معيّنة، ولا لقاء”مهر“ذي قيمة مادية محددة.

ما نفترضه، استناداً إلى ما سبق، هو أن صوغ البندين 4 أ وب بمفردات من الحقوق (والواجبات) قائم على تصوّر للمرأة والرجل، وللعلاقة القائمة بينهما، غير متناسبَين مع واقع النساء والرجال. هي صياغة متقادمة، ذات صلة واهية بالمشكلة المطروحة وغير صالحة لمعالجة المسألة التي تدّعي مقاربتها.

العلاقة الزوجية الحميمة

تخترق المعتقدات الشائعة حول الاغتصاب الزوجي أفكار يرفعها بعض الناس حججاً للدفاع عن حق الرجل في إكراه زوجته على الجُماع متضمّنة في نصّ البندين 4 أ وب من مشروع القانون المعدّل نذكر، في ما يأتي، بعضها.

- ”الرجل يغتصب زوجته لأنها تمتنع عنه“

تشير بعض الأبحاث إلى أن اغتصاب الزوجة ممارسة شائعة في البلدان التي تسمح بتزويج الطفلات؛ ذلك أن الطفلة تمتنع فعلاً في الممارسة الجنسية الأولى (ليلة الزفاف) للأسباب البديهية؛ وأن الإكراه على الجماع يغدو أسلوباً دائماً بسبب الامتناع الدائم من قِبَل الزوجة الطفلة لكونه تذكيراً بفظاعة التجربة الأولى في”الجُماع“.

لكن المقولة نفسها تسود في ظروف مختلفة وفي بلدان تمنع زواج الطفلة. يرى البعض أن هذه المقولة (اي الاغتصاب سببه الامتناع) هي الأسطورة الكبرى التي تحيط بالاغتصاب الزوجي. وهي أسطورة تدحضها روايات الزوجات المغتصَبات اللواتي يصرّحن بأنهن يمارسن، في العادة، الجنس مع ازواجهن بالتراضي، وبأنهن يستمتعن بالجنس ويرغبن بممارسته معهم. لكن المغتصِبين يقومون بفعلتهم لأسباب لا ترتبط باللّذة الجنسية، ولا بالرغبة في إشباعها. هم يتوسّلون بالجنس المفروض لإذلال زوجاتهم ولإثبات سلطتهم وسيطرتهم عليهن. يغتصبن زوجاتهم للتفريج عن الغضب، أحياناً، وفي أحيان أخرى للتعبير عن سادية وفيتيشية غالباً ما تكون، في أيامنا الراهنة، تقليداً للأفلام الإباحية التي يشاهدونها إلخ.

-”المرأة لا تستاء من إكراهها على الجُماع من زوجها، فلا يمكن مقارنة هذا الإكراه باغتصاب الغريب“.

في مجتمعاتنا تستند هذه المقولة إلى مثل رائج يدّعي بأن”ضرب الحبيب زبيب“، فيما هو، واقعاً، ووفق شعار رفعته إحدى المنظمات غير الحكومية عندنا على الملأ،”مُعيب“. تنفي صحّة هذا المثل رواية الزوجات المغتصَبات. هؤلاء يعتبرن أن الانجراح الذي يتعرّضن له جرّاء اغتصابهن من أزواجهن كبير. ويعِشن الإكراه على الجماع كأنه فعلُ إخلالٍ بالثقة وبالأمانة وبجوهر معنى الزواج. وهو يفضي بهن إلى أمراض جسدية ونفسية موصوفة تكون أحياناً سبيلاً إلى رصد الاغتصاب الزوجي في العيادات الطبية والإنجابية والنفسية. فإذا كان اغتصاب الغريب بمثابة ذكرى مؤلمة لحدثٍ وحيد، فإن العيش مع مغتصِب وتكرار الاغتصاب يثير الرعب الدائم؛ وهو يحول البيت الذي ينبغي أن يرتاح فيه الجسد وتسكن إليه النفس موقعاً خطِراً وباعثاً على القلق والخوف والترقّب المستمر. لنا في أقصوصات النساء المغتصبات عندنا من قبل أزوجهن، واللواتي استمعن إليهن في إطار محاكمة صورية نفّذتها منظمة”كفى… عنف استغلال“غير الحكومية في العام 2012، صورة حيّة تنضح بالصور الرهيبة للأثر الذي يتركه هذا الاغتصاب على النساء. نشير، في هذا الصدد، إلى أن من بين النساء – قاتلات أزواجهن – نسبة عالية منهن اغتُصبن أكثر من عشرين مرّة على أيدي هؤلاء الأزواج.

– هناك مقولات حول الاغتصاب الزوجي مشتركة مع مقولات حول اغتصاب الغريب، مفادها أن المرأة تستمتع بالجنس المفروض لأنها مازوشية بطبيعتها. إلى ذلك، فهي تقول”لا“فيما تقصد”نعم“. وهي تقاوم من قبيل تحقيق المزيد من إثارة شهوة الرجل لأنها متلاعبة بطبيعتها، وتمنّعها بمثابة تكتيك تتوسّله للسيطرة على الرجل. وإلا لماذا تسكت عن الاغتصاب؟ لماذا تتحمّل كل هذا العنف كل هذا الوقت؟ لماذا لا تترك المغتصِب؟

إن أسباب تحمّل المرأة فظاعة الاغتصاب الزوجي وعدم تركها المنزل، لا تختلف، نوعاً، عن تحمّل الزوجة المعنّفة العنف المُمارس عليها من الزوج، لكنها تختلف كمّاً. تعبّر النساء المُغتصبات من أزواجهن عن مشاعر الألم الممزوج بالشعور بالذنب وبالخجل وعدم امتلاك اللغة المناسبة لوصف فعل الاغتصاب الواقع عليهن وعن جهلهن بردود الفعل المناسبة عليه بسبب المعتقدات المحيطة بوظيفة المرأة حوله.

هنّ يقبلْن به بسبب خوفهن من ردود الفعل الأكثر عنفاً التي اختبرْنها حين رفضْن الامتثال لاغتصاب أزواجهن لهنّ سابقاً. وما الأمراض النفسية والنفس -جسدية التي تشكو منها النساء المغتصَبات إلا دليل ملموس على التخريب الجسدي والمعنوي الذي يصيب النساء جرّاء وقوعهن فريسة لهذه الجريمة”الطبيعية“والمدرجة في إطار الواجبات الزوجية.

- ”من الصعب إثبات اغتصاب الزوجة، خصوصاً أن من المستحيل وجود شاهد على الفعل فيغدو التجريم نافلاً“

يتجاهل من يتبنّى هذه المقولة أن أكثر الجرائم تُرتكب في غياب شاهد، ويعترض إثبات وقوعها، غالباً، صعوبات غير قليلة. إن حججاً كهذه لا تمنع التحقيق في الجريمة ولا تمنع ملاحقة الجاني وإخضاعه للمحاكمة. فلماذا تُستثنى هذه الجريمة، تحديداً، بسبب ذلك؟

- بعض التحفّظات عن تجريم الاغتصاب الزوجي لا تختلف كثيراً عن التحفّظ عن تجريم العنف الأسري القائم على الجندر، لعلّ أهمّها الخشية من أن يؤذي ذلك التجريم العلاقة الزوجية بـ”تخريبه الخصوصية الزوجية، وبتعريض الأزواج إلى “شرّ” الزوجات الانتقاميات وجعله الصلح بين الزوجَين صعباً“.

هذه المقولات تُعفي الرجل الجاني من واجباته تجاه المحافظة على خصوصية الزواج وعلى استمراره بانتهاكه جسد شريكته ونفسيتها، وتُناط بالضحية مهمّة المحافظة على تلك الخصوصية ويُلقى عليها اللوم لأنها بلّغت عن الانتهاك، بحجّة أنها خرقت قدسية الزواج وحميميته. هي مقولة تقع في خانة تلويم الضحية الشائع في المسائل ذات الصلة بالنساء وغيرهن من الفئات”المستضعفة“.

تحيل هذه المقولة على منمّط بائس مفاده أن النساء شريرات بطبعهن وينبغي حماية الرجل من”كيدهن العظيم“. هذا فيما تبيّن دراسة أحوال الأزواج المغتصِبين النفسانية أن خللاً يشوب شخصياتهم ذا صلة بإخفاق”ما“في تحقيق ذكورتهم. هؤلاء المغتِصبون يصرّحون، وفق بعض الدراسات التي استنطقت أحوال مجموعة منهم، بمشاعر بالخصاء وبعدم تقدير زوجاتهم لهم (بسبب عدم قدرة بعضهم على الإعالة أو غير ذلك من خلل في تحقيق ذكورتهم المرغوبة اجتماعياً). يعاني البعض منهم صعوبة في إدارة غضبهم ويجدون في الجُماع منفذاً لتصريفه، كما أنهم يميلون لاعتناق أفكار منمّطة عن جنسانية النساء ومعتقدات ترى إلى أن جنسانية زوجاتهن، بل أعضاءً من أجسامهن، ملكٌ خاص بهم. أخيراً، فإن صعوبة الصلح بين الزوجين ليست ناجمة عن علنية الاتهام بالاغتصاب، إنما عن الاغتصاب نفسه. وإذا استمرّ التهاون مع الاغتصاب الزوجي، بحجّة الخشية من”صعوبة الصلح بعد الإبلاغ عنه“، فإن دوافع الأزواج المغتصِبين للامتناع عن اغتصاب زوجاتهم تبقى معدومة.

اغتصاب الزوجة بدعة أم جريمة؟

”لا يوجد موضوع اسمه اغتصاب زوجي“، والتعبير”بدعة من بدع الغرب المُسقطة علينا“، والكلام عن ذلك الاغتصاب بمثابة”استحداث جرائم جديدة“. هذه بعض مقولات كرّرها مناهضو الكلام عن إكراه الزوجة على الجُماع عندنا. هؤلاء غافلون عن أن هذه المقولات ليست خاصّة بهم، ولا بـ”ثقافتنا وعاداتنا“. بل إنها مقولات كانت سائدة لدى الأكثرية الساحقة من المجتمعات في العالم، الغربية منها، ضمناً؛ منذ زمن ليس ببعيد. فقبل نهايات السبعينات، لم يجرّم أي زوج أميركي، مثلاً، باغتصاب زوجته، لأن المشرّع الأميركي كان قبل اربعين سنة يكرر الفكرةw الشائعة التي يتم تداولها عندنا منذ أن طُرح مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري؛ أي أنه، وفي إطار الزواج – يقول هؤلاء- لا إكراه على الجُماع لأن الجُماع من حقوق الزوج والاستجابة له من واجبات الزوجة. لم يصبح الاغتصاب الزوجي جرماً في القانون الأميركي الفيديرالي قبل العام 1993. منذ العام 2006، يُعتبر الاغتصاب الزوجي جرماً في أكثر من 104 بلدان في العالم (منها، مثلاً، تركيا وماليزيا- من البلدان ذات الأكثرية المسلمة)، فيما لا تزال أقل من اربعين بلداً تستثني الزوج من جرم الاغتصاب، وبضعة بلدان أخرى تجرّمه مع بعض الشروط. لكن أكثر البلدان التي جرّمته ترى إلى الاقتصاص من الجاني حقاً عاماً، فتلاحق الدولة الزوج حتى بعد إسقاط الزوجة حقّها في ملاحقته.

لماذا جُرّم الاغتصاب الزوجي في هذه البلدان، وكيف؟

جُُرّم الاغتصاب الزوجي في أكثر بلدان العالم لأن المشرّع في هذه البلدان يستند إلى الواقع في تشريعه، لا إلى ما ينبغي أن يكون الوضع عليه، ولا تبعاً لإملاءات دينية أو أخلاقية أو مبدئية، حصراً. فالنساء في تلك البلدان، وبلسان طليعتهن في حركة تحرر المرأة، عبّرن عن رفضهن الإكراه على الجُماع استناداً إلى حق مكتسب بفعل عقد الزواج. ولما كانت النساء مواطِنات، كانت شكاويهن واعتراضاتهن محرّكاً حاثّاً للمشرّع على إعادة النظر في المادة القانونية التي استثنت الزوج من فعل الإكراه على المجامعة وللعمل على تعديلها.

يشيح المشرّع عندنا وجهه عن واقع النساء اللواتي يتعرّضن للاغتصاب الزوجي، بالرغم من أن هؤلاء النساء قد بُحْن بمعاناتهن على الملأ (أشير إلى الرسائل/ الشهادات التي توجّهت بها نساء عانين من الاغتصاب الزوجي في الإعلام اللبناني إلى نوّاب الأمّة). قد يقول قائلٌ إن هؤلاء بضع حالات استثنائية لا تمثّل مجموع النساء. لكن، من قال إن البلدان الـ104 التي كانت قد جرّمت الاغتصاب الزوجي قد فعلت ذلك بناء على إحصاءات شاملة؟ إن المحاولات التي جرت في هذه البلدان لرصد انتشار ظاهرة هذا النمط من الاغتصاب لم تنجح، باعتراف النسويات فيها. لأن إجراء إحصاءات شاملة في هذا المجال كان صعباً.

فالنساء هناك – كما في بلادنا- يمِلْن إلى الصمت عن الاغتصاب الزوجي ويتردّدن في الإبلاغ عنه. فاكتفى المشرّعون، في هذا المجال، في البلدان التي جرّمت الاغتصاب الزوجي على أقصوصات anecdotes روتها النساء المغتصَبات من أزواجهن وقبلوا بها حججاً كافية للتشريع من أجل تجريم الاغتصاب الزوجي. وقد تمّت إعادة تصنيف اغتصاب الزوجة قانونياً، أسوة بكل الجرائم الجنسية، من كونها إساءات للاخلاق والأسرة والعادات الحميدة والشرف والعفّة إلخ، إلى إساءات ضد الحرية الشخصية وحق تقرير المصير والكرامة الجسدية. أي، أن الاغتصاب الزوجي جرى تجريمه بوصفه تعدّياً على الحقوق الإنسانية للزوجات، ونقضاً لها.

نحن نرى، أنه يتعيّن على المشرّع عندنا أن يعير سمَعَه إلى معاناة النساء- المواطِنات/ الناخِبات- وأن يتابع وجهات نظرهن في تحليل واقعهن وتحوّلاته والنظر إلى مطالبهن كما صاغتها طليعتهن، لتكون مكوّناً اساسياً من”عدة التشريع“.

فلا يجوز أن يعتمد المشرّع عندنا على معلوماته الخاصة ولا على معتقداته حول الموضوع. مطلوب منه أيضاً أن يغلّب أطروحات النساء ذوات المصلحة في الموضوع على أطروحات المؤسسات الدينية وإملاءاتها الثابتة، والقيادات الطائفية المتضررة من انفكاك أحوال الناس الأسرية والشخصية من سلطات تقليدية معروفة بتحيّزها ضد النساء. هكذا يسعه أن يرى بأم العين أن المشكلة محليّة، لا غربية ولا مستوردة، وأن مهمّته التشريعية محمولة على الواقع وعلى مصالح الفئات التي يمثّلها.

نضال لا يتوقف

تواجه الحركة النسائية، عندنا، اضطرار الناشطات في إطارها إلى تكرار حججهن في مواجهة القوى المنضوية في إطار المنظومة الجندرية البطريركية حيال المسائل ذات الصلة بحيوات النساء. وذلك لأن هذه القوى تتبنّى اتجاهات قائمة على معتقدات ثابتة ومتجذّرة في الذهنيات العامّة وترى أن تحوّلات أوضاع النساء والرجال عابرة. وهي تنفي اصالة هذه التحوّلات في مجتمعاتنا، مُحيلة إياها على تأثرات سطحية تنعتها بـ”الخارجية”- الكلمة السحرية التي يستخدمها كل من يناسبه تجاهل هذه التحوّلات.

هذه الحركة لا تملك إلا العناد والمثابرة في العمل على تظهير التمييز في واقع النساء وفي شحذ الحجج للعموم وتحشيد المناصرة وعقد التحالفات إلخ. من ممارسات من أجل نصرة قضاياهن. تفيدنا تجربة النسويات اللواتي سبقْننا في البلدان الأخرى إلى إحقاق المساواة في القانون أن النظام البطريركي في تجلياته جميعها لا يستسلم بسهولة وأنه متأهّب دائماً ليستعيد باليد الثانية ما قدّمه باليد الأولى؛ وهو ما يفرض مواجهة من الحركة النسائية لا تقلّ تأهّباً.

… هذا تحديداً ما تقوم به منظَّمات الحركة النسائية وناشطاتها عندنا. ولنا في التوجّه العالمي نحو إلغاء التمييز ضد النساء وفي توسّع مساحة السعي للتشريع من أجل إحقاق العدالة الجندرية ما يحفّزنا على المضيّ قُدُماً في الانخراط في هذا التوجّه لنواكب، في ذلك، انتفاضات مجتمعاتنا التي تخوض راهناً نضالاتها ضد كل أشكال القمع والتمييز والتهميش لقوى المجتمع الساعية إلى عيش حياة تليق بإنسانيتها.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق