“القاعدة” تهاجم لإجهاض الوفاق الاميركي – الروسي / سليم نصار

عندما قرر أسامه بن لادن إنشاء تنظيم “القاعدة”، جلس مع مساعده المصري أيمن الظواهري لاستعراض مختلف المفاهيم التي يجب تبنيها وتطبيقها. وركز بن لادن في تنظيره على الاهتداء بأفكار أستاذه ومرشده سيد قطب الذي كتب يقول: إن كل تصور وكل إنجاز حققه البشر يجب القضاء عليه، باستثناء كلام الله.

كتب سيد قطب في مرحلة خلافه مع الحكم الناصري، عن خصائص التصور الاسلامي ومقوماته يقول: “وبالكلمة التي تجسدت في القرآن الكريم سيشهد العالم تحرير الانسان، لا بل ولادته الحقيقية”.

وبخلاف مؤسس جماعة “الاخوان المسلمين”، حسن البنا (1906-1949) الذي اعتمد أسلوب الحوار والاقناع لتعميم خطابه العقائدي، فان وريثه السياسي والنظري سيد قطب (1929-1966) حضَّ على استخدام العنف، ورأى فيه مظهراً من مظاهر الجهاد في سبيل الله.

وفي كتابه “الفريضة الغائبة”، فتح سيد قطب باب الاجتهاد مضيفاً، الى الفرائض الخمس، فريضة تعزز شرعية العنف إذا كان يقود الى إنتصار الاسلام. وفي ضوء هذا المفهوم، لجأ “اخوان” مصر الى العمل السري والاغتيالات السياسية. وبينها محاولة إغتيال جمال عبدالناصر، ومن قبله إغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا إنتقاماً لقرار حلّ الجماعة.

وعلى هذا المنطق إعتمد أسامه بن لادن عندما قرر إرهاب الغرب المسيحي بافتعال جريمة 11 ايلول التي أودت بحياة ثلاثة آلاف مدني. وكان بهذه العملية، المدبرة باحكام، يسعى الى تشويه مناعة الديموقراطية الغربية والسلطة المدنية والعلمنة ونفوذ الدولة.

بعد إغتيال بن لادن في أفغانستان، تفرد الظواهري بحكم “القاعدة”، الأمر الذي حرره من السطوة المركزية التي كان يمارسها صديقه المؤسس. وبسب إطلاعه على الطريقة التي كان يعمل بها الحزب الشيوعي المصري، قرر الظواهري إعادة تنظيم كوادر “القاعدة” حسب تنظيم “الكومنترن” الذي أسسه لينين.

وهكذا إستطاع الظواهري توسيع مظلة التمويل والرعاية والاشراف على عشرات الخلايا المنتشرة في الشرق الأوسط وافريقيا واوروبا. وقد حرص في الوقت ذاته على منح الأحزاب المحلية التابعة لـ “القاعدة” إستقلالاً محدوداً يعينهم على التكيّف مع الأوضاع القائمة.

وقد تكون “حركة الشباب” الصومالية أفضل مَثل على التنظيم الجديد الذي إعتمده الظواهري. لهذا السبب اعتُبِرَت عملية إقتحام مجمع “ويست غيت” في نيروبي الدليل القاطع على نشاط قراصنة الصومال الذين نفذوا تهديدهم بقتل 140 رهينة.
ويرى المحللون أن الزعيم الجديد لحركة الشباب، أحمد عبدي غوداني، سيستخدم هذه الحادثة المروعة لدحر الحكومة الشرعية وتعطيل القوات التابعة للاتحاد الافريقي المؤلفة من 18 ألف جندي. ومن المؤكد أن زعيم حركة الشباب أحمد غوداني سيوظف عملية الاستنجاد بقوات اسرائيلية، من أجل إحراج “الاتحاد الافريقي” ومنع العرب والمسلمين من الاستثمار في دولة تتعاون مع “الموساد”.

في العراق، تصاعدت وتيرة العنف الذي تمارسه “القاعدة” منذ تسع سنوات، بحيث سقط في تفجيرين إنتحاريين أكثر من 275 قتيلاً. وقد وقعا في مجالس عزاء للطائفة الشيعية، الأمر الذي يهدد سلطة نوري المالكي بالأفول إذا ما استمر تعاون الظواهري مع قيادات حزب البعث المنحل.

وخلافاً لتوصيات الحكومة، تعرضت هذا الأسبوع الجالية المسيحية في مدينة بيشاور الباكستانية لهجوم دموي حصد أكثر من 75 قتيلاً. وذكرت مصادر رسمية أن الهجوم جاء إنتقاماً لعملية قامت بها طائرة اميركية من دون طيار.

وتُعتبَر منطقة شمال غرب باكستان المعقل الجديد لمجموعات المتمردين الاسلاميين، وبينها “طالبان” الباكستانية، حليفة تنظيم “القاعدة.” وقد نفذت عدداً لا يحصى من الاعتداءات الانتحارية التي أودت بأكثر من ستة آلاف قتيل منذ سنة 2007.

والمسيحيون الذين يمثلون 2 في المئة من عدد السكان، المقدر بـ 180 مليون نسمة، هم من الطبقة الفقيرة المهمشة. صحيح أنهم يتعرضون للتمييز الاجتماعي… ولكن الصحيح أيضاً أنهم نادراً ما يُستهدَفون بالاعتداءات التي تنفذ ضد قوات الأمن أو الأقليات المسلمة كالشيعة والأحمديين. ويُقدَّر عدد الشيعة بعشرين في المئة من عدد السكان. وغالباً ما يستهدفهم “عسكر جنقوي.” وهذه مجموعة مسلحة قريبة من “القاعدة” و“طالبان” الباكستانية. ويُقال إنها هي التي نفذت عملية بيشاور بناء على أوامر الظواهري الذي يطمع في طرد كل المسيحيين من باكستان.

وسط هذه الأجواء المحمومة، تلقت قوات الجيش والأمن في اليمن ضربة قاسية من مسلحي تنظيم “القاعدة” أسفرت عن مقتل ما يزيد عن خمسين جندياً وخطف عدد من الضباط والجنود. وكان ذلك حصيلة ثلاث هجمات مباغتة إستهدفت مواقع عسكرية في محافظة “شبوة”.

وجاءت الهجمات في وقت يشهد اليمن اضطرابات أمنية واسعة تجددت معها هجمات القبائل ضد المصالح الحيوية في محافظة مأرب، شرق صنعاء. ونتج عن ذلك توقف ضخ النفط اثر تفجير الأنبوب الرئيسي وإنقطاع التيار الكهربائي عن العاصمة ومدن أخرى.

وتعتبر الجامعة العربية اليمن دولة بالغة التعقيد سياسياً وقبائلياً وجغرافياً، ذلك أن إتحاد الشمال والجنوب تم لأسباب تتعلق بمستقبل الشطرين في 22 أيار سنة 1990. ولكن زعماء الجنوب يطالبون بالاستقلال عن الشمال لايمانهم بأن الظروف التي فرضت الاتحاد لم تعد قائمة. وكان الرئيس السابق لجمهورية اليمن الجنوبي علي سالم البيض قد طالب بالانفصال لأن الشطر الجنوبي يعاني من الاهمال والتمييز في التعليم والتوظيف والمساواة مع الشمال.

الرئيس عبد ربه منصور هادي رد على الاتهامات بالقول إنه حريص على وحدة اليمن، وعلى إخراج البلاد الى آفاق الوئام والسلام والازدهار. كما أكد حرصه على تقاسم السلطة والثروة الوطنية بين الشمال والجنوب بنسبة خمسين في المئة.

الادارة الاميركية تتوقع إنتهاء الحروب بالوكالة في حال تمت صفقة المصالحة بينها وبين ايران، والسبب أن غالبية الحروب الصغيرة في المنطقة هي من صنع طهران، أو من صنع حلفائها. صحيح أن أسامه بن لادن هو الذي شجع الحوثيين على التمرد سنة 2002 بهدف مضايقة المملكة العربية السعودية وفتح ثغرة إستنزاف في جدار العلاقات بين الرياض وصنعاء… ولكن الصحيح أيضاً أن المجتمع القبلي في اليمن كان المهيمن على مؤسسات الدولة.

واستناداً الى تلك التوقعات المغرية، ترى واشنطن أن نجاحها في ردم هوة خلاف إستمر نحواً من ثلاثين سنة، يمكن أن يساهم في تصفية نزاعات مصطنعة سنية-شيعية، وإسلامية-مسيحية، آخرها جماعة بوكوحرام في شمال شرق نيجيريا.

ويبدو أن دول افريقيا الشمالية لم تسلَم من موجات العنف التي أقلقت كينيا والصومال واليمن، بدليل أن تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي” باشر نشاطه عبر الجزائر. وقد كشفت التحقيات حول الهجوم على محطة جزائرية للغاز عن أدلة جنائية تثبت وجود إرتباط بين المهاجمين والمتورطين في قتل السفير الاميركي في ليبيا منذ سنة تقريباً.

وتعمل عناصر هذا التنظيم على توسيع نشاطاتها بحيث تشمل موريتانيا والمملكة المغربية وتونس وليبيا، مستغلة الانتخابات في الجزائر لتدسَّ أنفها في شؤون البلد الذي خرجت من أحضانه.

وبما أن الإستقواء بالدين أصبح نموذجاً لتنظيمات الاسلام السياسي، لذلك أطلت منظمة “داعش” لتأخذ نصيبها في النزاع الدائر على أرض العراق وسوريا. و“داعش” هو تنظيم مستحدث يختصر عبارة “الدولة الاسلامية في العراق والشام.” وقد دشنت عملها بافتعال معركة مفاجئة مع “جبهة النصرة” لدى سيطرتها على مقرها في شرق سوريا. وتقول مصادر قريبة من الفريقين إن جماعة “داعش” وجبهة النصرة تهدفان الى إقامة دولة إسلامية في كل من العراق وسوريا.

ولكن زعيم “النصرة” أبو محمد الجولاني يعتبر محاربة النظام السوري أولوية بالنسبة لقائمة مشاريعه. في حين يرى أبو بكر البغدادي، زعيم الدولة الاسلامية، أن أولوياته تكمن في البعد الاقليمي للدولة الاسلامية المنتشرة على امتداد مساحة العالم العربي. وبين هذا وذاك، تولد تنظيمات علمانية وطائفية يشجعها النظام السوري على الانطلاق لأن خلافاتها ستكون خشبة الخلاص التي تحميه من الغرق.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق