من طارق عزيز… الى معلولا: مسألة المسيحيين / أسعد الخوري

كان وزير الخارجية العراقي طارق عزيز يحرص على لقاء العميد ريمون اده كلما زار العاصمة الفرنسية، وغالبًا ما كانت تتمّ هذه اللقاءات في منزل المهندس نقولا الفرزلي أحد قادة حزب البعث السابقين.

كان العميد خلال سنوات الحرب اللبنانية يبدي أمام عزيز ومضيفيه قلقه الدائم من الخطر على وحدة لبنان وتقسيمه كانتونات طائفية بما يؤدي الى تفتيته وإشعال حروب دائمة بين “دويلاته” وميليشياته.

كان طارق عزيز يُطمئن دائمًا عميد الكتلة الوطنية بأنه طالما “العراق بخير فان لبنان بخير”. وكان الوزير العراقي المطلع على الأوضاع الإقليمية والدولية يقول أن تقسيم العراق – إذا حصل – يؤدي الى تفتيت لبنان الى دويلات للطوائف، وهو ما تخطط له اسرائيل التي تسعى لقيام دويلات طائفية ومذهبية في المشرق العربي.

كان طارق عزيز يتخوف من تداعيات الحصار الدولي على العراق ويعتبره “قضية خطيرة للغاية من شأنها أن تقوّض الدولة والمجتمع العراقي”. كان الديبلوماسي العراقي المحنّك وصاحب التجربة الطويلة في الحكم، أكثر وزراء العراق قدرة على النقاش مع الرئيس صدام حسين والادلاء بآرائه وأفكاره، وطرح خطط مناسبة لإخراج العراق من أتون الحصار والعقوبات الدولية والحروب “العبثية” في كثير من الأحيان. لكن وزير خارجية العراق المثقل بهموم الداخل والخارج وتداعياتها الخطيرة على النظام والشعب العراقيين، كان يبدي تصلبًا في مواقفه بعدما رأى أن “المؤامرة الأميركية – الاسرائيلية” على العراق تسير وفق “أجندة” مختلطة ومتشابكة الأهداف والتوجهات والنيات، تشارك فيها الى جانب واشنطن وتل أبيب دول مؤثرة في المنطقة بينها ايران ودول خليجية عديدة.

الاجتياح الأميركي

قبل الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003، قمت بزيارة بغداد في تشرين الأول 2002، كانت كل المؤشرات تؤكد على حصول اجتياح أميركي لهذا البلد الذي أثقله الحصار الدولي والعربي على السواء، مثلما أثقلته هموم الداخل العراقي الذي كان يعاني منذ سنوات (ولا يزال حتى اليوم مع الأسف) جراء نتاج سياسات عبثية ومؤامرات خارجية قصمت ظهور الناس وحوّلتهم سجناء في وطن يتعذّب من البصرة الى الموصل مرورًا ببغداد وحتى كردستان شمالاً…

كانت إدارة جورج بوش الابن يومئذ، وخاصة وزير الدفاع ديك تشيني، يهددون العراق كل يوم بتدميره وإعادته الى “العصر الحجري”. كان طارق عزيز في ظلّ هذه المعركة الكبيرة “الرجل الأول” المعني بالاتصالات الخارجية وبالتواصل مع زعماء الدول لمنع حصول عدوان أميركي على العراق كان يعتبره “وشيكًا”.

لم تكن تنقص قائد الديبلوماسية العراقية (ولو بلباسه العسكري) القدرة على التحليل السياسي وقد أدرك معاني وأبعاد وأهداف “الهجمة” الأميركية غير المسبوقة عسكريًا (بما في ذلك أسطورة “الكيماوي” التي ثبت بُطلانها) واعلاميًا واقتصاديًا وديبلوماسيًا ضد العراق وقيادته السياسية وشعبه الذي تحوّل الى “شعب كريم أُذِلّ” كما ردّد أمامي استاذ جامعي عراقي كان يعاني مثل كل مواطنيه من تراجع قيمة النقد العراقي وعدم القدرة على السفر الى خارج البلاد سائحًا أو مغتربًا.

طارق عزيز سجينًا

لكن ما كُتب كان قد كُتب. وبدأت جحافل الجيش الأميركي في آذار 2003 تتدفق على العراق عبر أراضي الجيران العرب، مصحوبة بقصف صاروخي لم يشهد تاريخ الحروب الحديثة مثيلاً له. وبقية هذه “القصة الدرامية” معروفة ومفهومة بأهدافها التي تحقق بعضها وهو تدمير الجيش العراقي وتفكيكه وإشغال العراق بحروب مذهبية رهيبة ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من العراقيين وهي مستمرة حتى اليوم عبر استهداف أحياء مدنية وأبرياء بسيارات مفخخة أدت الى فرز مذهبي لم يعرفه العراق في تاريخه، كما ادت الى تهجير معظم المسيحيين من بغداد ومن مناطق العراق الأخرى بما في ذلك الموصل حيث عشرات الأديرة والكنائس القديمة. وهاجر عشرات الآلاف الى خارج البلاد بعدما باتت حتى ممارسة طقوس العبادة في الكنائس متعذّرة أو حذرة!

عندما سلّم طارق عزيز نفسه للقوات الأميركية المحتلة في بغداد كان يعتقد، وهو الديبلوماسي وليس العسكري، ان التحقيقات معه وفترة اعتقاله لن تستمر طويلاً فهو لم يشارك يومًا في معارك عسكرية وكان بعيدًا عن أية مقررات لها مثل هذا الطابع. كان حزينًا لأن بلاده أحتلت وتُدمر بشكل منهجي، وسرقت آثارها ومتاحفها الوطنية التي تحتوي على أقدم وأغلى كنوز الأرض.

ولم يسلم منزل طارق عزيز في بغداد وتمّت مصادرة كل محتوياته الشخصية وأوراقه… وحتى “البيانو” القديم الذي كان يعزف على (أوتاره) منذ شبابه صادره الأميركيون ولم يعرف أحد ماذا فعلوا به حتى الآن.

بقي طارق عزيز لدى سلطات الاحتلال الأميركي سجينًا لسنوات قبل انتقاله الى السلطات العراقية التي نقلته الى سجن جديد. وبالرغم من اصابته بأمراض كثيرة وخطيرة، باعتراف أطبائه، وعدم قدرته حتى على ارتداء ثيابه إلا بمساعدة أحد حراسه، وعجزه عن النطق بسهولة، إلا أن حكومة نوري المالكي لا تزال مصرّة على سجنه في ظروف انسانية صعبة حيث حياته مهدّدة كل يوم.

… ومعلولا

عندما غزا المتطرفون الإسلاميون من “جبهة النصرة” وحلفائها بلدة معلولا المسيحية في سوريا، تحدّث كثيرون بقلق عن مصير “مسيحيي الشرق” ومعاناتهم في الدول العربية. تذكّر كثيرون “مسيحيي العراق” وعذاباتهم وتشردهم وهجراتهم داخل العراق وخارجه، كما توقّفوا أمام استمرار سجن طارق عزيز رغم مرضه وشيخوخته وبراءته من كل ما حاولوا أن ينسبوه اليه من اتهامات ظهر أنها ملفّقة وغير صحيحة.

لقد حاول الفاتيكان والعديد من الكنائس المسيحية في العالم، ومن بينها بكركي التوسط مع الأميركيين قبل خروجهم من العراق، ثم مع الحكومات العراقية المتتالية للأفراج عن طارق عزيز الذي لم يلوّث يديه بالدم يومًا. لكن الوعود الإيجابية لم تتحقق.

اليوم، طارق عزيز يعيش عذابات أيامه الأخيرة، وهو الذي يعاني من أمراض خطيرة… ووساطة جدّية من “قوى فاعلة” في لبنان مع ايران التي سلّمها الأميركيون العراق على طبق من ذهب، أو مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، قد تكون كافية لأخراج طارق عزيز من ظلمات سجنه.

لا يكفي أن ندّعي الحرص على “مسيحيي الشرق” بطريقة استنسابية واستغلال مآسي المسيحيين الإنسانية لتوظيفها في السياسة. أفرجوا عن طارق عزيز اليوم قبل الغد، تكونوا فعلاً لا قولاً، حريصين على المسيحيين في هذا الشرق العربي، وحريصين، فعلاً لا قولاً، على العيش المشترك الآمن والمتفاعل لكل الديانات والمذاهب في أرض مقدسة كانت مهبط التعاليم والأديان السموية وتتحوّل يومًا بعد يوم الى مسرح للقتل المذهبي وللتكفير الديني، وسط موجة همجية يترحم فيها سكان هذه الأرض الطيبة على زمن هولاكو.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق