ماذا حدث للمصريين منذ ثورة 25 يناير؟ / سعد الدين إبراهيم

الثورات مثل البراكين. وحينما ينفجر البُركان، فهو يقذف نجماً بحِممه وغازاته وسوائله المُشتعلة، والتى تحرق أو تتلف ما تُصادفه فى طريقها، ولكنها حينما تهدأ، ولا بُد لها أن تهدأ عاجلاً أم آجلاً، فإن التربة أو الأرض التى تساقطت عليها هذه السوائل، وتفاعلت معها تلك الغازات تتحول تبراً وخصباً ونماء. ومن ذلك أن أفراد الجيل الذى يقومون بالثورة، أو أولئك الذين يُقاومونها فى ثورة مُضادة يُعانون فى لحظات التحول الثورى. وتختلط عليهم الأمور، وتختل عندهم القيم، وتهتز أمامهم المعايير وقواعد السلوك.

وقد برع المؤرخون وعُلماء الاجتماع فى توثيق وتحليل لحظات الثورة، ما قبلها وما بعدها مُباشرة، كما فُعل ذلك فى إبداعات درامية الأدباء والشُعراء ـ مثل الإنجليزى تشارلز ديكنز، والفرنسى إميل زولا، وعملاق الأدب العربى نجيب محفوظ، الذى تبدأ ثلاثيته بثورة 1919، وتنتهى بثورة 1952، كما ظهرت حديثاً، عدة روايات تؤرّخ درامياً للعقود الستة التى تفصل بين ثورة يوليو 1952 وثورة يناير 2011.

منذ عدة سنوات كتب الدكتور جلال أمين كتاباً بديعاً بعنوان ماذا حدث للمصريين؟ وكان فى الواقع يرصد بكثير من الدقة والحميمية والحنين تأملات وذكريات ما حدث لمصر والمصريين خلال سنوات النصف الأول من القرن العشرين، كما عاشها وخبرها فى أحد بيوت الطبقة الوسطى الصاعدة، مع عميدها المُفكر والأديب الراحل أحمد أمين.

وضمن ما رصدناه نحن (سعد الدين إبراهيم) للثورة المصرية الأخيرة (يناير2011) ثلاثة آثار واسعة وعميقة:

■ أولها، كسر جدار الخوف عند المصريين، ولأول مرة بعد ستة آلاف سنة، هى كل التاريخ المعروف لمصر ـ أى منذ وحّد الملك نارمر (مينا) الوجهين القبلى والبحرى. وهكذا مع كسر جِدار الخوف الذى كان قد تعمق وارتفع على مر القرون، استشعر المصريون القُدرة على تغيير أمور كان يبدو لهم من قبل، أنهم غير قادرين على تغييرها. وعبّروا عن ذلك بمصطلح دخل لغتهم العربية حديثاً، وهو «التمكين»، الذى هو ترجمة لكلمة Empowerment باللغات الغربية.

■ أما التأثير الثانى الذى أحدثته ثورة يناير 2011، فهو تسييس كل المصريين. فقد أصبح كل مصرى وكل مصرية يهتم بالسياسة، أى بالشأن العام، الذى كان قد ظل طيلة التاريخ المصرى الطويل حِكراً واحتكاراً للنُخبة فى قمة المجتمع، أى ما لا يتجاوز خمسة فى المائة من المواطنين البالغين. وحضّت الأمثال والأقوال المأثورة المصريين على الابتعاد عن السياسة. لقد تجاهل المصريون هذا التراث الكثيف يوم 25 يناير، وأصبحوا يهتمون بالشأن العام. ويتمثل ذلك فى السؤال الذى يتوارد على كل لسان منذ ذلك الحين: هى البلد رايحة على فين؟

وهو ما ينقلنا إلى النتيجة الثالثة المُبهرة لثورة يناير، ألا وهى الاستعداد المُتزايد للمُشاركة فى العمل العام. وتجلى ذلك فى الخروج والتظاهر فى الميادين العامة. وأصبح ميدان التحرير فى قلب القاهرة هو قبلة المتظاهرين، ومثله ميدان القائد إبراهيم فى الإسكندرية، وميدان المحافظة فى المنصورة، وعواصم المحافظات الأخرى.

بل من الطريف أن أنصار الثورة المُضادة، الذين امتعضوا من ظاهرة الخروج على الحاكم، خرجوا بدورهم، ووجدوا ميادين بديلة يتظاهرون فيها، مثل ميدان مسجد مصطفى محمود بضاحية المهندسين، أو مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر.

وهكذا بدت مصر كلها فى حالة تعبئة عامة، ففى كل من هذه الميادين، كان يتجمع من رُبع مليون إلى مليون مواطن. ولم تتخلف المرأة المصرية عن المُشاركة. بل تضاعف حماسها للمشاركة حينما حاول الإخوان المسلمون والسلفيون تثبيط همتها، وصرفها عن المُشاركة، إما بالإيعاز إلى شبابهم بالتحرش بالنساء، واعتبارهم سبايا حرب، أو حينما انزلقت القوات المُسلحة مرة إلى سلوك مُتخلف، وهو تعريض بعض الفتيات المُتظاهرات لما سُمى «كشف العُذرية»ـ اعتقادا بمن أصدروا هذه الأوامر، أن المُتظاهرات لا بد أنهن ساقطات أخلاقياً، أو أن «غشاء البكارة» هو الفيصل فى تقييم المواطنة المصرية الصالحة من المواطنة المصرية الطالحة. ولحُسن الحظ، فقد تراجعت القوات المُسلحة عن ذلك السلوك المُتخلف بسرعة، واعتذرت عنه، فى سابقة هى الأولى من نوعها، حيث لم يتعود الشعب المصرى أن يتلقى اعتذاراً من أى من مؤسسات الدولة. ولكنها الثورة، مرة أخرى، التى هى بُركان يقذف من داخله بما هو نفيس وأيضاً بما هو خسيس.

كذلك كان من أهم طيبات ثورة 25 يناير المُشاركة المُتميزة لأقباط مصر، الذين لم ينتظروا موافقة الكنيسة، بل كان شبابهم متحفزاً لعصيان أوامر البابا فى حالة إصدار توجيهات بعدم المُشاركة، وكذلك لأبناء الريف والواحات. وقد تجلت مشاركة أبناء الريف فى شخوص عديد من أبناء قريتنا على سبيل المثال، والذين طالما صادفتهم فى ميدان التحرير، مثل الناشط على عبد الحافظ، وصديقه المحامى رمضان السعيد من قرية طناح.

كذلك فعل بدو سيناء والواحات وأهل النوبة. وقد سبق أن نوّهت بهذه المُشاركة فى شخص أحد أبنائها وهو محمد الواحاتى. كذلك عرفت مصر كلها نموذجاً فذاً لمشاركة السيناويين، هو الناشط مسعد أبو فجر، الذى بدأ ظهوره للرأى العام بعد الثورة من خلال مقالاته الأسبوعية فى هذه الصحيفة «المصرى اليوم»، ومن خلال اللقاءات الحوارية فى الفضائيات المصرية والعربية.

أى أن ثورة 25 يناير أتت بالمُهمشين السابقين من أبناء المحروسة إلى قلب الأحداث، وإلى المجرى الرئيسى للحياة السياسية المصرية. فلتحى الثورة ولتحى كل القوى الاجتماعية الجديدة التى أتت معها.

وعلى الله قصد السبيل

عن جريدة المصري اليوم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق