السلطة بين الخاضع والمُخضِع

العبد هو من لا يطمح أن يكون حرّاُ بل أن يكون سيِّداً

¤ غابرييل لاوب

السلطة هي علاقة خاضع ومُخْضِع، بين طرف يمثل القوة السياسية أو الاقتصاية أو الدينية أو الاجتماعية، وطرف يحتاج للمساعدة من تلك القوة كالأمان والحماية والرعاية. وبه فإن الطرف المحتاج يخضع لحكم وأوامر الطرف المالك أو الممثل، وهذا الأخير مجبر بالتالي على تحقيق وتوفير متطلباته ـ لضمان سيطرته وتسلطه عليه ـ فسلطته اذن تعتمد على حاجةِ ونقصان الخاضع.

وعبر التاريخ اعتبرت السلطة كمفهوم، تمثيل لعلاقة سيطرة وتحكم ولجم، يمارسها صاحب السلطة نحو من ينضوون تحتها، انطلاقا من احتياج ورغبة في أن يستمدوا بعض القوة منها (أي من قوة السلطة). ومنه تتم رؤيتها كعلاقة من أعلى نحو أسفل، من السماء نحو الأرض. ممن رفعتهم قوتهم المادية/المعنوية لمصاف الكائنات السماوية التي يصعب الالتحاق بها، نحو العامة العاديين الذين يتجولون في الأرض المتوفرة للجميع. والخضوع ناتج طبعا عن رغبة العامة/الدهماء في أن يستمدوا بعض القوة حتى يرتفعوا قليلا عن الأرض التي يسكنها الجميع، كرغبة في التميز، كرغبة في الالتحاق بالآلهة. بهذا نجد السلطة عبارة عن تراتبية من الأعلى نحو الأسفل تمثلها (تاريخيا وحاليا) المؤسسات البيروقراطية ـ كسلم سلطوي كلٌ يمارس سلطته على من هو تحته، وكلٌ يرغب في الصعود درجة أعلى حتى نهاية السلم حيث السلطة المطلقة (سلطة الاله/السماء) ـ.وسواء اعتبرنا الدافع هنا يعود لنزعة تطورية من وجهة نظر داروينية أو لرغبة في التفوق الاجتماعي من وجهة نظر آدلرية، فإن الهدف هو اللحاق بسلطة الاله وامتلاكها تحقيقا للأمان المطلق، فالسلطة المطلقة تعني القوة مطلقة. 

نرى في القصة التي بنى عليها فريزر مؤلفه “الغصن الذهبي”، فكرة الملك الممثل لسلطة الاله والذي يتم قتله ما إن تظهر عليه امارات الضعف أو كبر السن ـ يقضي عليه أحدهم (من العامة) ـ وبالتالي يتوج ملكا بداله ويستلم سلطة الاله كإشارة لاستمرار “القوة المطلقة للاله”، رغم أن الأمر مجرد تجسيد للطبيعة بدورتها الزراعية ـ موت الزرع وانبعاثه من تحت الأرض نحو السماء مجددا )بل نجد أن الفكر الزراعي مهد الأديان والفلسفة والفكر الحديث، لازال مؤثرا على الاعتقادات الإنسانية برموزه وطقوسه ومفاهيمه( ـ فالملك الذي كان من العامة في الأرض سيصعد لسماء الاله كممثل، ثم سينزل للأرض عند ضعفه ليصعد ملك/ممثل آخر نحو السماء، كدورة حياتية/طبيعية/زراعية.

بهذا نجد السلطة تنقلب ما إن يكشف الخاضع لها عن “نقط ضعفها”، ليتم الاستيلاء على قوتها بتدميرها أو حتى اخضاعها، وهذا ما يشهد عليه التاريخ، بمن قاموا بالانقلاب على الدين/الاله )كسلطة( بكشف ثغراته واستلام سلطته ـ باسم ـ دين/اله جديد، أكانوا أنبياء أم زعماء روحيين، أو جماعة ايديولوجية. وبما أن السلطة الدينية كانت مرتبطة بالسلطة السياسية، فإن الدين الجديد يستلم الحكم السياسي. كذلك الأمر بالنسبة للعقائد السياسية/الاقتصادية، فالأيديولوجية الجديدة الكاشفة لثغرات السياسة الحاكمة تُسقطها وتستلم مكانها، باعتبارها أكثر قوة (نظرا لكشفها الضعف) وبالتالي فالعامة ستنصاع للسلطة الأعلى/الأكبر.

السلطة علاقة ممارسة، تستمد قوتها من ضعف أتباعها، وبه فإنها ملزمة برعايتهم وحمايتهم (كما سبق و اشرنا) لضمان خضوعهم. وإذا كانت السلطة بالمفهوم المعروف عنها، بأنها سلطة تحكم وسيطرة، فإن الخاضع هنا يمارس بدوره عملية سيطرة وتحكم نحو السلطة ! . فالسلطة تستمد تسلطها من رعايتها وحمايتها وتخويفها وترهيبها للطرف، وإلا فإنها ستفقد سلطتها عليه، أي أنها ملزمة بذلك حتى تحافظ على سلطتها/سيطرتها، مايعني أن الخاضع يمارس سلطة كذلك بإجبارها على أن تحافظ على سلطتها وممارستها عليه (كالأمر والنهي). وحتى لاتبدو هذه النقطة مشوشة، سنستعين بمثال بسيط للتوضيح : نفترض أن شخصا يمتلك كلبا، فصاحب الكلب له سلطة عليه، يأمره ويتحكم في تصرفاته، لكن ذلك يعتمد على اطعامه ورعايته للكلب، فهو يمارس سلطته على الكلب، لكن الكلب كذلك يمارس سلطة عليه بإلزامه بأن يعتني به ويغذيه ويحميه، فلو ترك الكلب دون أن يقوم بواجباته اتجاه سنتعدم سلطته على الكلب ـ ليس فقط لأنه سيموت أو يمرض أو يهرب ـ بل لأن تلك الالتزامات هي مايضمن ويحقق سلطة على الكلب، وبدونها يصير مثله مثل أي كلب عادي/مشرد متروك للشارع لاسلطة عليه.

مانسعى لتوضيحه هو أن السلطة علاقة تبادلية تمارس من كلا الطرفين، تتغذى منهما وهما يساهمان بتغديتها، فإذا كانت تبدو من منظور سوسيوتاريخي بأنها تنكشف كممارسة من أعلى نحو أسفل، فإنها ممارسة كذلك من أسفل نحو أعلى من منظور شمولي تفكيكي للعلاقة. كمساهمة وممارسة من كلا الطرفين لخلق العلاقة، بإيجادها كشفها وإنجاحها.
المتسلط يتغدى على جبن الخاضع (وقد تناول بيير داكو هذه المسألة كتحليل للشخصيات المتسلطة) والخاضع يتغدى كذلك من تجبر المتسلط ـ لأن كلا الطرفين لايعتمد على مسؤولية نفسه. فالخاضع يعتمد على قوة/حماية/مساعدة المتسلط له حتى يتغلب على جنبه/خوفه/ضعفه/نقصه/عجزه، الخصائص التي يعتمد عليها المتسلط حتى يحافظ على قوته/مكانته/سلطته دون أن تنكشف تلك الخصائص لديه هو كذلك، فيفقد خضوع الآخر وتنفك العلاقة.

بل إن السلطة التزام، فحينما تمارس سلطة على موضوع ما فإنه يمارس هو كذلك سلطة عليك، فسلطتنا الممارسة على الموضوع(المقال) بكتابةِ وادراج الأفكار فيه، فإنه يمارس كذلك سلطة بالزامنا بإنهائه، فالسيطرة والتحكم علاقة تكاملية وتبادلية، فسلطة الكاتب على القارئ بالسيطرة عليه (شدِّه) حتى يُكمل/يُنهي كتابه أو مقاله، فإن سلطة من القارئ تُمارس على الكاتب ـ بإلزامه ـ بأن يدهشه ويفيده ويحقق له متعة حتى يضمن سيطرته وسلطته على قارئه الذي لا يسلم خضوعه إلا إذا خضع الكاتب كذلك إلى شروطه (لإكمال سطوره)، وإلا سيترك الكتاب/المقال وستنفك علاقة السلطة (المتبادلة) بينهما.
حتى فكرة الله كأعلى سلطة بتحكمه في رعاياه والسيطرة عليهم، تُمارَس عليه سلطة من رعاياه بأن يحميهم وينصت لدعواتهم كاهتمام بشؤونهم، وإلا ستنفك العلاقة كإلحاد، مفهومه أن فكرة الله ليس لها سلطة على المعني الذي لا يطالب كذلك بشيء ـ كإلزامه بالرعاية (ممارسة سلطة عليه – من أسفل نحو أعلى) ـ (بالمفهوم التاريخي للإلحاد كرفض لسلطة الدين/اله).
حتى الدولة/الحكومة كسلطة يخضع لقراراتها أفراد المجتمع، ملزمة بعدم الإخلال بالعقد الاجتماعي (الاستقرار والمصالح العامة) كسلطة للأفراد (ممارسة) عليها.

فالعلاقة (بمختلف أنواعها) التي تربط بين طرفين، هي علاقة تكاملية وتبادلية يساهم فيها كلا الطرفان. غير أن الرؤية السطحية والتفكيك/التحليل السطحي يركز على التأثير الواضح بالعلاقة (الجاني، الحاكم، الزوج، المتسلط) ويلغي التأثير الخفي بها (الضحية، المحكوم، الزوجة، الخاضع). فكلا الطرفان يساهمان بخلق وإنتاج العلاقة/الحدث.

فعلاقة سلطة في ظل غياب (حس) مسؤولية الأطراف، يجعلها علاقة اعتمادية مشوّهة بدل أن تكون علاقة اعتمادية تعاونية (علاقة تساوي مكمِّلة) .. تخدم مصالح ومنافع كلا الطرفين، دون أن تنفصل كأداة عنهما، فيخضعان كلاهما لخدمتها وتغذيتها. فيصير الطرفان مجرد عبدين يقومان بخدمتها، بدل أن تخدمهما هي كعلاقة تُحقق نفعاً لكليهما. كعبودية للوهم تعود بتاريخها لاندراج العقول الزاحفة/الحيوانية البدائية (الغير مدرِكة لحرية الاختيار ومسؤولية الافعال) تحت سلطة زعيم/تقاليد القطيع ـ كسلطة الماضي/الاجداد لدى الإنسان بنفس المفهوم ـ .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This