وجوه عم خيري / حاتم حافظ

يبدو لي أحيانا كأنما الطبيعة تخطئ في فهمنا فتدفعنا في طريق غير الذي خلقنا من أجله، ليس هذا فحسب فقد تدفعنا في طريق نقيض أيضا. ورغم أننا نذهب في هذا الطريق ربما أبعد مما اختطته لنا الطبيعة، فإن هذا الخطأ يظل دائما كسرّ تميزنا كبشر، كندبة في جبين شجّه حجر طائش.

وجه عم خيري المتجهم أحيانا كرجل أدب يبدو أحيانا كما لو كان قناعا لإخفاء خطأ الطبيعة. الوجه المتجهم لأديب يبحث في مكتبته عن كتاب قديم قرر أن يعيد قراءته للمرة العاشرة، يخفي وجها مرحا لمهرج كان ليفضل أن يتشقلب بين الكتب أو أن يسير بعجلة ثلاثية فوق مكتبات العالم. وجهه يذكرني دائما ـ خصوصا بشعره المهوش دائما ـ بوجه مهرج حبيب لجيلي كنا ننتظره دائما أيام الجمع في البرنامج الثمانيني الشهير سينما الأطفال، مهرج عجوز وطيب القلب يدعى «فرديناند» كان يسكن كرفانا ويصادق الأطفال الذين كانوا في مثل عمرنا، ورغم أني أذكر أنه تقريبا كان صامتا طول الوقت.. أو ربما لأنه كان صامتا طول الوقت، فإن ابتسامته أكثر من أي شيء آخر ظلت مطبوعة في ذاكرتي كتطمين دائم بأن العالم ـ الذي كنا لم نعرفه بعد ـ طيب كأمهاتنا.

وجه عم خيري المتجهم أحيانا كرجل أدب يخفي خلفه هذا المهرج الطيب.

وهو لا بد ـ حين يخفيه ـ لا يحسن إخفاءه، فما إذاً سر كل هذه الجاذبية التي يصنعها هذا الوجه لأطفال أبنائه، ما زلت لا أعرف لماذا أحفاده لا يخافونه، لا يتوقعون منه شرا حتى وإن بدا غاضبا، تنسحب حفيدته سلمى ـ بعاميها فحسب ـ من اللمّة ـ لمتنا ـ فجأة إلى مكتبه قائلة له: يا خيري، كأنما تنادي زميلا لها في حضانتها في الوقت الذي لا تسمي أحدا منا إلا بلقبه. لماذا لا يخافه الأطفال بينما قد نخافه نحن المستسلمين لوجهه المتقنع به؟ هم ـ ربما كأحباب الله ـ يرون ـ في الوجه ـ ما لا نراه. يرون الوجه المرح لمهرج يسكن كرفانا ويصادق الأطفال ويصنع لهم شطائر لذيذة.

أفكر أحيانا في ما إذا كان الشبه بين وجهه ووجه عبد الله فرغلي كبيرا حقا أم لا؟ وفي ما إذا كان قد ضل طريقه للأدب بينما كان يُفترض به أن يكون ممثلا كوميديا من طراز فريد كفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي؟ ولكن أكثر شعبية كعبد الله فرغلي. أدخل يا جابر.. يا حضرة الناظر أنا جاي أقولك.. ولخمس دقائق لا نرى جابر ولكننا نوشك على الموت ضحكا لهذا الذي يأتينا صوته الساحر من خلف باب مغلق.

أحيانا ما أتذكر عم خيري فأضحك، حتى لو كان ما تذكرته ليس أكثر من جملة عابرة: «أنت لسه ما قرتش رواية موبي ديك؟». جملة كهذه سوف تذكرني في التو واللحظة بدخوله المباغت علي وعلى زين ـ ابنه الأكبر ـ ليطلق في وجوهنا نكتة تذكرها من زمن فات أو ربما سمعها من صديق حالا، والنكتة ـ حين يلقيها عم خيري ـ ليست نكتة، إنها عرض كامل بشخصياته ومفارقاته وإيماءاته وربما بديكوره إن أمكن، عرض سوف يجعلنا نضحك حتى أننا لا نكتشف أنه قد غادر الحجرة إلا بعد أن ننتهي من الضحك.

التركي الأحمر

وجهه أيضا يخفي مطربا شعبيا خلف قناع الوجه التركي الأحمر، فيبدو كتركي أصيل انحدرت به الحال فجأة (كان سيكتبها هو: تدحدرت به الحال) فاضطر للعمل أجيرا في عزبة الباشا أبيه. سمعت منه أن تاريخا كهذا كان لعائلته فعلا ولكني كنت لأعرفه من وجهه حتى ولو لم يقله. تركي مصَّرَته الشمس اللاهبة وحواف الطمي الناشف تحت قدم حافية، حاول أن يظل تركيا ناعما ولكن هيهات له وقد أسمته مصر: مصريا.

وجهه كلما بدا أنه يخفي كلما أبان وأفصح، كنكتة حريفة ولدت من خيال صعلوك مصري أصيل، تضحكك فحسب إن كنت بقدر فطنتها. وإن كنت ذلك الفطن فسوف تلمح هذا المطرب الشعبي.

ولكن الوجه يخفي أكثر مما يبين نكهة هذا المطرب الشعبي فلن تعرف هل هو من نوعية الريس متقال أو أحمد عدوية أو محمد رشدي، أو أنه كل هؤلاء معا وقد عجنتهم يد عبقرية. لو سمعته بينما يغني «البت بيضة بيضة بيضة البت بيضة وأنا أعمل إيه» حين أخبرني عن حنين لهذه الأغنية عادة ما يفاجئه كلما غادر مصر، لو سمعته وهو يغنيها لي مستعيدا لحظة أن داهمه الحنين إليها بينما كان يعبر الطريق في فرانكفورت لأدركت كم كان مفجعا ألا يصبح هذا الصوت سفيرا للفلكلور الشعبي في العالم.

الغريب في أمر وجه هذا المطرب الشعبي أنه ما ان يستقر أمامك حتى يبدو كأنه قد أخفى عنك وجه باشا تركي أصيل بطربوشه الأحمر ومعطفه الثري، سوف يقيم هذا الباشا الدنيا ويقعدها لمجرد أن الورقة التي تركها على مكتبه مساء قد تزحزحت لسبب غير معلوم قيد أنملة، وربما تسمع ما بين كلماته الزاعقة المؤنبة لك وللورقة وللدنيا التي لا تترك شيئا على حاله بعض كلمات تركية مضغومة في جلبة العتاب: خرسيس خرسيس. ولكن ما هي إلا دقائق محدودة حتى يخلع معطفه وطربوشه فيستعاد وجه المطرب الشعبي مرة أخرى بابتسامة واسعة: صلّ على النبي.

«مسحراتي منقراتي.. أنادي كل الولاد في بلادي.. أنادي بنتي إيناس.. ألاقي خدي انباس» الوجه إن أخفى فلن يخفي ذوبانه في بحور فؤاد حداد، سوف يتغنى بحبه لفؤاد حداد حتى ولو لم تسأله، مداراة الحب خطيئة حين يكون المحبوب فؤاد حداد. وجه عم خيري مع فؤاد حداد سوف يغفر كل أخطاء الطبيعة مباهيا بحبه الدنيا كلها وسوف يستعيد طزاجة شاب عرف الحب لتوه، سوف يفيض حسنا بينما يقرأ لك أشعار فؤاد حداد كأنما كتبها هو منذ لحظات، وسوف يظل يقرأ بينما نظراته تراقبك لتعرف في أي موضع منك سوف تترك الكلمات نقشها، وسوف يفيض الوجه بِشرا إن كشف أن صوته بينما يُسمعك أشعار فؤاد حداد قد اخترق روحك كنبي جاد جدا في التأكد من أن رسالة الرب قد وصلت لبشر تعاني أرواحهم من الجدب. وسوف تعرف في الحال أمرين: أن سحر فؤاد حداد مسموعا وليس مقروءا، وأن الوجه الذي يقرؤك شعر فؤاد حداد كان أولى به أن يكون منشدا يدور في حواري مصر وقراها لينشد «القهوة تحب كنكة.. والكنكة تحب كنبة.. والكنبة تحب قعدة.. والللل.. قهوة تحب كنكة و…».

لفنجان القهوة سر لابد. عم خيري لا يشرب القهوة إلا مغلية، عليك إن أحببت أن تصنع له القهوة أن تتركها تغلي حتى تشتكيك لخالقها، هو يفضل البن المطبوخ جيدا، كما يفضل أن تُصنع الأشياء جيدا، الوجه الذي سوف تظنه لامباليا بالتفاصيل لأنه حتما في ملكوت الأدب يبحث عن حقيقة قد غفلها أحد الحكماء يخفي وجها يرى العالم كتفصيلات، تفصيلات صنعت كيفما اتفق، وعليه الآن أن يعيد صوغها جيدا بعد أن يكون قد طبخها جيدا كقهوته. ربما تخدعك رواياته أيضا كوجهه اللامبالي بالتفاصيل، سوف تظن أنه يملأ صفحات كثيرة كيفما أتفق له الحكي دون خطة محددة بينما تكون ـ يا حلو ـ قد غاصت قدمك في شرك البناء المطبوخ جيدا، أنت ـ فقط ـ كقارئ عجول لم تفهم بعد أن التفاصيل تصنع العالم. وأن العالم الذي تعيش فيه والذي أوهمك غرورك أنه فوضوي ولا خالق له، وراءه خالق عبقري طبخ التفاصيل جيدا في غفلة منك يا جميل بينما أنت لا تدري. أو أنك تدري؟

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق