في قاع المدن / محمد شعير

هذا بعض ما كتبه الشاعر الراحل فؤاد حداد عن الكاتب الروائي خيري شلبي، كلمات يفخر بها العم خيري، كتبها بخطه وعلقها بجانب صورتي نجيب محفوظ ويحيى حقي في غرفة مكتبه..وكان كثيرا ما يرددها لمحبيه.

عامان على رحيل خيري شلبي (1938-2011)، جرت خلالهما مياة كثيرة في النهر، ما بين حراك ثوري شاهد صاحب «السنيورة» بداياته، ولكنه رحل قبل أن يكتمل، وما بين صعود للتيارات الدينية بح صوت خيري شلبي في التحذير منه، شاهد المشهد قبل أن يحدث ولكن كثيرين اتهموه وقتها أنه إصلاحي، لا ثوري، ولكن تحذيراته ضاعت وصوت أصوات ثورية. لم يغب خيري عن المشهد الثقافي، لا تزال اعماله الروائية من أعلى الكتب مبيعاً، كما إن حصول الكاتب الصيني مو يان العام الماضي على جائزة نوبل جعل كثيرين من النقاد يرون تشابها بين عوالم الكاتبين الصيني والمصري، ولكن ذلك يبدو ظالما من وجهة نظر كثيرين آخرين يرون أن عوالم خيري أكثر نبضا بالحياة بدون فذلكات سياسية وادّعاءات إيديولوجية كما في الأعمال المترجمة لمويان..باختصار أعمال شلبي هي الحياة نفسها التي عاشها الكاتب وعبر عنها في أعماله المتعددة والمتنوعة.

ولد خيري في قرية شباس عمير بمدينة كفر الشيخ (شمال القاهرة) لأب كان قد تجاوز الستين بقليل وتقاعد بعد سنين طويلة من عمله في هيئة فنارات الاسكندرية، وعاد إلى قريته ليستقر أخيرا وكان يكتب أحيانا مذكرات قانونية ويقدم خبرته القانونية والادارية هنا وهناك حتى انتهى به الأمر إلى كتابة لافتة علقها على باب المندرة تقول كلماتها: ‘أحمد علي شلبي.. أشغال قضائية وادارية’. وبعد الابتدائية، واختصارا للمصاريف تقرر إلحاقه بمعهد المعلمين في مدينة دمنهور، وحتى يتم تدبير مصاريف تعليمه، انضم خيري وشقيقته خيرية لعمال التراحيل بعد أن وصلت حالة الأسرة إلى مفترق صعب. وهكذا أسرع خيري وشقيقته معا للعمل في حقول الوسية كنفرين في نقاوة القطن.

تلك هي أولى محطات التي يمكن أن نقرأ تفاصيلها في روايته ‘السنيورة’ و’الأوباش’ حيث سافر إلى بلاد بعيدة ليعمل في حقول، وكان هو النفر الوحيد الذي يحمل في ‘زوادته’ كتبا وأقلاما وكراريس! وكان هذا معناه أيضا أن يحفظ أغاني ومواويل وحكايات وأمثالا تعود إلى قرون بعيدة من السخرة والمقاومة، وأن يتعلم من رفاقه في ليالي السهر الطويلة أسرار الأرض والحب والقهر والمقاومة.

وعندما انتقل للدراسة في معهد المعلمين، أصبح من العار عليه أن يستمر كعامل تراحيل، واتجه إلى ممارسة عدة مهن، فتعلم الخياطة وسمكرة البوابير والنجارة، كما عمل كواء وخياطا ونجارا وحدادا وبائعا في المحلات. وانتهى الأمر به للانتقال إلى الاسكندرية قبل أن ينهي دراسته، وهو يهدف للحصول على الثانوية العامة والالتحاق بالجامعة كما كان يحلم، إلا أنه ضاع تماما في المدينة المتوحشة التي كانت تلتهم الجميع بلا رحمة، فعمل بائعا سريحا يحمل حقيبة ملأى بنحو 50 كيلو غراما من المنظفات وزهرة زوزو والبوتاس يدور بها على المحلات ليكسب خمسة قروش في اليوم، ثم تمرد على هذه السخرة الفظيعة التي كانت تتطلب منه أن يقطع يوميا عدة كيلو مترات على قدميه حاملا 50 كيلوغراما مثل رافعي الأثقال! وانتقل لبيع الأمشاط والفلايات وعلب الكبريت وابر الخياطة في الترام. وأخيرا دخل القاهرة من باب الخدم كما يقول، وظل سنوات بلا عمل ولا نقود مشردا في محطته التالية في شوارع القاهرة. تعلم خيري أن ينام وهو يسير في الشوارع، حرفيا ودون أي مبالغة، كما تعلم كيف يغسل قميصه في دورات مياه السكك الحديدية في محطة مصر وينعس بجواره حتى يكاد يجف، كما تعلم أن ينام جالسا على أحد المقاعد في مقهى مفتوح العينين حتى لا يتعرض للطرد من الغرسون. ثم عمل في عدد كبير من المهن، وحاول أن يعمل ممثلا في فرق التلفزيون المسرحية!، وعازفا للرق، ثم كاتبا للتمثيليات والبرامج الاذاعية ومحررا بالقطعة!

برغم الإحباط

وفي تنقله بين المدن والمهن، عرف قاع هذه المدن، ومهمشيها وعرف أزقتها وعطفاتها وزنقاتها وحواريها المسدودة أو المفتوحة، من أقصاها إلى أقصاها، وإن كان تخصصه هو حزام المدن ومستوطنات المهمشين والمطاريد…وهم أبطال رواياته. سواء في قرى خارج القاهرة، والقاهرة نفسها التي أصبح فيها بمجرد وصوله إليها عارفا باسرارها حواريها، أزقتها، مطاعمها، باراتها..مقابرها،حيثما تولي وجهك تجد خيري شلبي، معروفا للجميع، عارفا بتاريخ المكان والزمان..عمله في الإذاعة والمسرح والصحافة أتاح له أن يعرف الكثيرين معرفة شخصية عميقة اهلته أن يدخل إلى كواليس السياسة والثقافة والفن في مصر. ما لديه من أسرار وأشعار وحكايات يفوق كثيرا ما كتبه. في إحدى الجلسات الثقافية المغلقة، وبين اصدقاء سهر العم خيري يتحدث، لم يستطع أحد أن يوقفه عن الحكي، جمهور المثقفين حوله يضحكون أو يعلقون.. هو بهدوء شديد ونبرة صوت مختلفة، لا ديماغوجية راح يحكي..عن شخصيات شهيرة عرفناها، وأشعار لا يحفظها أحد سواه، وكتب لم نسمع بها، بينها مخطوطات حصل على صور لها من ورثه أصحابها أو من دار الكتب، أو حتى من مكتبات الجوامع القديمة.. ومعظمها غير معروف أو منشور!

سألته وقتها كيف نبحث عن طريقة لنكتب هذه الحكايات «المرفوعة دائما من النشر» بدون أن نقع تحت طائلة القانون. ما حكاه يومها عن نجيب محفوظ يتجاوز كل ما كتب عن محفوظ… وهذه الحكايات جزء من الذاكرة الثقافية إن لم يكتبه العم خيري فلن يكتبها أحد غيره، لأنها ملكه، تخصه، كان شاهدا عليها… ويومها وعد أن يكتب ما يعرف في سيرته الذاتية التي كان مترددا تجاهها..رغم أنها تفوق جرأة وفنية سير كاتب مثل ماركيز.. وكان يعتبرها «الف ليلة وليلة الجديدة». دائما كنا نسأله متى سيكتب سيرته؟ وكان يرد: «لا أملك حق نشر ما أعرف لأنها حكايات تخص الآخرين..». وقبل رحيله بأيام نشر جزءا من السيرة بعنوان «أنس الحبايب» (الهيئة العامة للكتاب) عن أيام الطفولة والتشرد، عن أهل قريته المنسيين، وطقوسهم السحرية، والكتب التي سحرت خياله وقادته إلى عالم الأدب، وتوقف عند بدايات كتابة القصة الرومانسية، واعدا القارئ باستكمال السيرة في أجزاء أخرى، ولكن الحياة لم تعطنا ما كنا نتوقع.

سيرة صاحب «الوتد» مكنته أن يضع نفسه – رغم كل ظروف الاحباط التي واجهته، وظروف الحياة الصعبة ـ في مكانة متفردة في تاريخ الرواية العربية. كان صاحب مدرسة متفردة نقيضة ربما لمدرسة الحداثة التي مثلها إداور الخراط. شلبي كان يكتب على الأرض، عن الواقع والتراب، عن الهوامش المنسية.. لغته هي لغة هؤلاء البشر المطحونين..في السنة الأخيرة كان فرحا، فقد أصبحت رواياته «بيست سيلر»، وكانت تنفد بعد صدورها مباشرة..قال: «حاجة غريبة.. في أيامنا الأخيرة بدأنا نشتهر والناس بتقرانا».. كان يعتبر أن كتبه السابقة مجرد محاولة للتمرين على الكتابة وأن أيامه القادمة ستشهد انفجارا ابداعيا، سيكتب فيه ما يريد بعد أن وجد صدى لما يكتب، وخاصة أنه كان يشكو دائما من قلة عدد القراء، وتجاهل النقد لما يكتب، وتجاهل اليسار له وكأن الانضمام إلى حزب يساري تحت الأرض أو فوقها يعطي للكاتب مشروعية.

في مكتبته وضع شلبي صورتي يحيى حقي ونجيب محفوظ امامه دائما، يستعين بهما على مواجهة الاحباط، الأول هو أكثر الرواد تأثيرا فيه لغوياً وأسلوبياً ومعرفياً، أما محفوظ فيراه هو مؤسس فنّ الرواية في الثقافة العربية ورائد التكنيك الروائي. كلاهما «تميمة» عندما يصيبه الإحباط، يرفع راسه ليستمد منهما طاقة معنوية وقدرة على المقاومة، لأنني أتذكر ما قدّماه لحياتنا الثقافية. في أيامه الأخيرة كان يتابع بدقة شديدة تفاصيل الثورة المصرية، يقلق أحيانا، ويفرح أحيانا..ولكنه كان يحارب معركته ضد القمع والدكتاتورية…

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق