«الربيع العربي» والدولة الوطنية / بهجت قرني

السؤال الذي ينبغي هذه الأيام أن يشغل علماء السياسة -عرباً كانوا أم أجانب- هو العلاقة المتعثرة بين ما يسمى «الربيع العربي» والدولة الوطنية بأنماطها المختلفة. فقد كان أحد أهداف «الربيع العربي»، بل أهمها على الإطلاق، هو تغيير بعض نظم الحكم السلطوية المعاصرة والتي استمرت لعقود. فقد استمر بن علي في الحكم لمدة أربعة وعشرين عاماً، واستمر مبارك لثلاثين عاماً، أما القذافي فقد استمر لحوالي اثنين وأربعين عاماً. ورغم أن بشار في الحكم منذ ثلاثة عشر عاماً فقط، إلا أنه ورث الحكم مباشرة عن أبيه الذي استولى على الحكم في سنة 1970، أي منذ ثلاثة وأربعين عاماً، أما صالح في اليمن، فقد وصل للحكم في سنة 1978 وقام بتعيين أولاده وأقربائه على قمة السلطة العسكرية لكي يضمن بقاءه في الحكم ثم يقوم بتوريثه بعد ذلك.

هناك إذن، بالرغم من اختلافات مظاهر وحتى جذور الدولة العربية، نمط موحد للسلطة الجمهورية التي تحكمها: هو أساساً نمط سلطوي يتأسس على الأهل والعشيرة أو ما نستطيع تسميته رأسمالية المحاسيب التي تبين مركزية الاقتصاد السياسي كمدخل لتحليل الدولة والمجتمع.

ولأن رأسمالية المحاسيب هذه مهمة، حيث تضمن الموارد الأساسية التي تسمح ليس فقط بالثراء، ولكن أيضاً بتوزيع الهبات على مؤيدي الحكم، وكذلك شراء الذمم. ففي مصر كان يسمح نظام مبارك بتسهيل الصفقات ليس فقط لجمال وعلاء مبارك، ولكن أيضاً لرجال أعمال مثل أحمد عز الذي أصبح سلطة سياسية كبيرة يقوم بتمويل نشاطات «الحزب الوطني» الحاكم ورجال أعمال آخرين، ثم تزوير الانتخابات، كما حدث في نوفمبر سنة 2010.

وتقول الدراسات الحديثة إن رأسمالية المحاسيب هي السائدة أيضاً في سوريا، والتي هي -بعد ولاء المؤسسة العسكرية- من أهم عوامل بقاء النظام السوري. وتؤكد هذه الدراسات أن بشار الأسد قام بإنشاء شبكة اقتصادية تسيطر على أكثر من ثلثي الاقتصاد السوري، تتألف من شركات تحت إدارة الأسد مباشرة أو بواسطة أقربائه وأعوانه، مثل شقيقه ماهر الأسد أو ابن خاله رامي مخلوف، والذي يُعرف في سوريا باسم «مستر 5 في المئة»، لأن هذه هي عمولته في كثير من الصفقات التي تحدث في سوريا.

المدهش في الأمر أنه بعد مجيء «الربيع العربي»، لم يختف تماماً نظام رأسمالية المحاسيب… فهناك دلائل أولية توحي بأن نظام «الإخوان» في مصر كان يتجه في نفس الاتجاه، مع بعض كبار رجال الأعمال مثل خيرت الشاطر، نائب المرشد العام ومرشح الجماعة الأول لرئاسة الجمهورية، وكذلك حسن مالك، عضو مجلس الإرشاد والذي أصبح وصلة التفاوض مع قدامى رجال أعمال نظام مبارك، لإيجاد وسيلة لإدارة الصفقات وتراكم الثروات في ظل نظام الرئيس المعزول مرسي.

هذا الاستعراض السريع والمختصر لأنماط الحكم في جمهوريات «الربيع العربي» يؤدي إلى نتيجة هامة فيما يتعلق بالدولة العربية ونمط العلاقة بينها وبين نظام الحكم. فطبقاً لمدارس العلوم السياسية المختلفة في نظرية الدولة، فإن الدولة هي الأساس والعنصر الدائم، أما نظام الحكم فهو العارض والوقتي، إذ يأتمر في جميع الأحوال بالدولة ومؤسساتها، سواء كانت قانونية مثل أجهزة القضاء، أو تشريعية كمجلس النواب… لكن «الربيع العربي» أكد ما كان محل شك وأظهر للعيان ما كان مختفياً بعض الشيء، وهو أن نمط الدولة العربية يختلف عما نقرأه وندرسه في نظريات علم السياسة حول الدولة، والتي تقوم أساساً على التجربة الغربية.

في المنطقة العربية -على عكس الواقع الغربي المعاصر- ليست الدولة هي الأساس ونظام الحكم هو الفرعي أو التابع لها، بل العكس هو الصحيح؛ نظام الحكم يحل محل الدولة، بل يفترسها حيث أصبحنا تقريباً مثل ملك فرنسا قبل الثورة في القرن الثامن عشر والذي كان يقول: «الدولة أنا». هكذا أصبحت الدولة العربية شبه مُلْكيَّة شخصية، تماماً مثل البقرة التي يتم التحكم فيها للحصول على الحليب، ثم توزيعه بين ذوي القربى والثقة.

وعلى عكس تسويق فكرة الدولة كإطار للمجتمع وكرمز للسيادة الشعبية ووعاء للهوية، أظهر «الربيع العربي» أن واقع هذه الدولة هو واقع مشوه تسوده الحسابات الشخصية للحاكم الذي يبغي السيطرة على المجتمع عن طريق تجميده أو شرائه، وبالتالي تبقى مشاكل هذا المجتمع مجمدة كما هي: طائفية، قبلية، وعرقية، بل قد تزداد حدة سواء بسبب الإهمال أو بسبب سياسات بعض دوائر الحكم وممارسة منهج «فرق تسد».

ما هي نتيجة ذلك إذن بالنسبة لدول «الربيع العربي»؟ بالطبع يختلف الوضع في دول متجذرة ومجتمعات موحدة جزئياً مثل تونس ومصر، عن دول يسودها التركيب القبلي والنزاعات الإثنية الحادة مثل اليمن وليبيا والعراق وسوريا. لكن تجارب هذه الدول تبين أن عملية التغيير مكلِّفة، بل باهظة الثمن وأن الحاكم يود دائماً أن يثبت لشعبه «إما أنا أو الطوفان».

لكن تجارب التاريخ العالمي تبين أيضاً أن هدير التغيير لا يمكن إيقافه، لذلك من الأفضل توجيهه من أجل صالح الدولة والمجتمع معاً.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق