بيروت مدينة بديلة.. لعنة الرماد / سحر مندور

الإسمنت يشقّ الصخر وينهض. في كل ناحيةٍ من نواحي بيروت، ورشة. منذ نهاية الحرب الأهلية، والبلد يختبر نوبات إعمار كهذه. ورشٌ تخبر العين بأن ما رأته قد انتهى، قد استحال ذكرى. هذا بيت «داهش»، كان قصةً تروى لكل عابر سبيل، باتت ورشة. وهذا النادي الرياضي الأرمني الذي احتضن أطفالاً لم تترك الحرب الأهلية لهم مكاناً للتنفس، بات ورشة. ساحة الشهداء ما عادت ساحة، أصبحت طريقين. الصور الملوّنة التي دلّت على ماضيها القريب، دخلت الملف ذاته الذي كان يضمّ صور الباعة المتجولين في أسواقٍ باتت أقرب إلى الخيال منها إلى ذكريات الأكبر سناً. وستتراكم الذكريات حتى تتداخل وتنفى أزمنتها في ماضٍ لا أثر يدلّ عليه.

وليس الحنين إلى ماضي الحال هو محرّك البحث عن دليلٍ على الأرض، وإنما الغرابة. غرابة أن تعيش في مدينةٍ لا تتلاقى فيها معارف جيلٍ مع آخر، حتى ولو كان الفارق بين الجيلين عشر سنوات لا أكثر. غرابة العيش في حالة تغيير متواصلة، تبدأ كلما انتهت، كحور العين الباقيات على عذريتهنّ، وكمن يشغل وقته دائماً بما يشتت انتباهه عمّا يحتاج إلى صرف وعيه عنه. ورشة الاستبدال المستدامة هذه، لا بد أنها تخفي انعداماً في السويّة في مكانٍ ما، إن على مستوى القرار أو على مستوى التعايش مع هذا القرار.

الملك العام: الدالية

عند استثمار «الملك العام»، لا تقف المسألة عند حدود التغيير المشهدي، وإنما تتعمق في أسس المواطنة. إذ يشعر الناس بالاستباحة. ولا يشعرون بها جميعاً، وإنما كل عنقٍ عندما تبلغها السكين. فالشعب مشتت عن حاله الجامعة. الشعب المشتت، الذي يحيا في ورشة إعمار كبيرة.

اليوم، الصيّادون غاضبون. ألقوا قليل الملابس على أبدانهم السمراء، وخرجوا من الماء إلى الإسفلت. ميناء الدالية عند الروشة لن يتم تطويره وتنظيمه مثلما وعدهم وزيرٌ، وإنما سيُستثمر لمصلحة أغنياء جداً يريدون أن يبيعوا السعادة لأغنياء جداً يشبهونهم، أو لمتوسطي الحال الراغبين بالتواجد في محيط الأغنياء جداً. لا موقع للصيادين في هذا السياق، إذ لا تُفرز مساحات، وتحديداً في العاصمة، للمواطنين غير القابلين للاستثمار. وما كان وجودهم في الظلّ ليثير أي انتباه، لولا أنهم يجاورون البحر. البحر قابل جداً للاستثمار، ولو أنه قانوناً غير ذلك. فيقوى المستثمر على القانون، يطرد الصيّاد من البحر بأمر قضائي، ويصبح السواد الأعظم من الشاطئ اللبناني مستثمراً.

وقد تمكّن المستثمر من لي عنق القانون عندما اكتشف أن مخرجه منه هو مدخله إليه. الدولة هي وسيلة ضرورية لإنعاش استثماره الخاص، فاستثمرها. شغر مناصبها، عدّل قوانينها، ملأها بالحلفاء. هذا سرق جبلاً، وذاك عمّر ما اشتهى من الطوابق مهدّداً السلامة العامة لحركة الطيران الدولية. هنا، يحلّ آل الحريري في موقع البطولة، وهو موقعٌ هم يألفونه جيداً منذ حفلة الإعمار الأولى. منذ سنوات طويلة، اشترت شركاتهم السواد الأعظم من أرض ميناء «الدالية» الشعبي. الظروف التي يبدو أنها قد عاندتهم، ها هي تساعدهم اليوم لإطلاق المشروع. فيكون الرجل مُهدّداً بأمنه، يحيا خارج البلاد، بينما الشركات التي تحمل اسم عائلته تحفر في الأرض، بحثاً عن «الذهب». وقد حاول الصيادون استثارة التعاطف البيروتي في عائلةٍ منحتها بيروت أسباب وجودها على الساحة السياسية. لكن السياسي والمستثمر ينفصلان عندما تهدّد صورةٌ الأخرى. يضحي هو اسم، وهي شركة. ويضحي الصيّاد كالإنسان البسيط ذهنياً، لا يعرف أن الخلط بين «الشخصي» و«العام» ليس مستحباً في كوكب الاستثمار إلا لإنتاج المزيد من الاستثمار. العام، هو الدولة المفرغة من أي دور. أما الخاص فهو كل شيء آخر. ونحن نحيا في ملكٍ خاص كبير، ضيوفاً أحياناً وأسرى أحياناً، نتعرّف يومياً إلى صورتنا في المرآة، ونتمنى منها الحفاظ على الاحترام المتبادل.

الملك الخاص: «لونيون»

بناية «لونيون ناسيونال» (الوحدة الوطنية) يعرفها رواد العاصمة بالشكل ربما، وبالاسم أيضاً. هي تلك البناية التي تحتل ناصيةً كاملة في مواجهة «جنينة الصنائع» تفتتح طريق سبيرز. وهي تتجه إلى نهايتها مع نهاية العام الجاري. المستأجرون أبلغوا بضرورة الإخلاء عند ذاك الموعد، والملكُ خاصٌ. الملك الخاص يمتلك السيادة على نفسه. الفرد ليس شريك الجماعة، ولو أننا نعيش في مدينةٍ واحدة. ليت أصحاب «لونيون» اتفقوا وأبقوا عليها، باعوها شققاً ولو بملايين الدولارات، فهي استثناء ضمن مباني المدينة. يا ليت المال الخاص يبقي عليها، لتواصلها معنا نحن الناس الذين نعبر بها منذ عقودٍ، ونسكن إليها. فلتبق لنا في هذه المدينة علامات نتواصل معها وعبرها. فليبق لنا أكثر مما بقي لأهلنا: أصبعٌ يشير إلى موقعٍ والعين ترى سواه.

على بابها، يستقرّ تمثالان، نحتهما فنان اسمه «دورييه». وقّع عمله وذيّله بتاريخ: 1951. التماثيل باتت نادرة الحضور عند مداخل المباني. المساحة المخصصة للدرج والمدخل، لم يعد أحدٌ يسخو بها في مدينة تكتظ بالاستثمار. التمثالان، تظنّهما العين دائماً أسدين رابضين عند مدخلها كأسدي قصر النيل. ولكنهما ليسا كذلك. هما تشكيلة نساءٍ وغزلان وورود، نسجت لتكون الحامل الأليف لملايين النظرات التي كنستها. تلك النظرات، معانيها اليومية المجهولة، تراكمها حدّ الإلفة، لا قيمة مالية لها، فلا سلطة لها. تلك النظرات، في نهاية المطاف، هي اعتداءٌ على ملكٍ خاص.

المدينة لا تمتلك شيئاً. الأكثرية تأقلمت مع الواقع لتكمل الحياة فيه، تأقلمت مع تغيير الديكور المستمر حتى سئمت أنين الحنين. والمسألة ليست حنيناً، وإنما هي بحثٌ عن «أساسات» مدينةٍ تفخر بأنها هُدّت ودمّرت كثيراً.

لعنةُ الرماد

تقول الأسطورة المؤسِّسة إن لبنان يولد من رماده، كذاك الطائر البهيّ الملوّن. يعتبرها الناس ميزة هذا البلد، لكنها في الحقيقة لعنته، لعنة الرماد التي تشدّ به نحو الدمار. فهو الرماد الذي لا ولادة إلا منه، تقول الأسطورة. قلب الطاولة، والبدء دورياً من الصفر. حلم الولادة كلما لاح طيف العمر، التقدّم فيه، الخبرة، المراكمة. البقاء في حالة خروج ودخول إلى رحم الولادة، الهوس غير الصحّي بتلك اللحظة الأولى. هل هو عجزٌ عن تجاوزها؟ ألن ننمو؟

يبذل اللبناني جهداً هائلاً للعيش ضمن الشروط التي يفرضها لبنان اليوم عليه. هذا الجهد، لا يصبّ يوماً في مصلحة النضج والنمو نحو الإلفة مع المكان فالحرص عليه، وإنما يُلقى دائماً في خانة الولادة. الولادة من جديد، الولادة ككابوس يوميّ.

لا تتقدّم الأيام بالمدن هكذا. لا تتقدّم الأيام ضد ذاكرة الناس هكذا. بغير ذلك، تكون الأيام غير صحيّة. أيام تحتاج علاجاً. والعلاج مستحيل عندما يكون الطبيب هو نفسه الفيروس، في بلد أشرف على إعماره مَن بادر إلى هدّه. ترى الناس يعتصمون هنا، ويتأسفون هناك، يسعون لأجل هذا المسرح، يحاصرون تلك البناية، ويتضاءل عددهم هزيمةً تلو الأخرى.. لربما يشكّل دخول الصيادين، كفئة، في المواجهة مدخلاً إلى استحضار الشأن العام في هذا السياق. لكن الرهان على أضعف الفئات في خوض أصعب المعارك هو بحدّ ذاته ظلم. ولكن، كيف تكون بداية التغيير، إن لم تكن المصلحة الحياتية هي المحرّك؟

كأنها حلقة مفرغة تلك التي جعلت بيروت اليوم، كما الأمس القريب، ورشة. فنطوف نحن السكّان، الأهالي، فوق أرضٍ نعرف إنها بعد قليل ستتغيّر. لن نأمن فيها، ولن نتوقّع منها. العقد الاجتماعي، منه مخرجٌ. والأمان يأتي إما بالمال أو بالجنسية الأجنبية. سيخبرنا الأهل عمّا لا نراه، وسنخبر الأصغر سناً عمّا لن يروه، وفي ذلك حراكٌ دائمٌ وظيفته توليد القلق. الإحساس بالخسارة، الإحساس بالجديد، يتبدل سريعاً، يستهلك. كأن مدينةً بديلة تمزّق السطح وتنهض، كلما بدأت بيروت تعتاد صورتها في المرآة فترى مكامن الوجع فيها.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق