منوال الإسلام في تونس: الأسس والخصائص

يلزمنا اليوْم، ونحن نعاين مغالطات ومبالغات، ينشرها بعضهم، حينما يتحدّث عن تاريخ الشأن الديني في تونس، مزيدُ البحث في ميراثنا الحضاريّ، والتنقيبُ في الوثائق القديمة، لنخلّص الإبريز –بتعبير الطهطاوي- في عراقة المقوّم الديني المتزن في الشخصية الوطنية التونسية، بما ينوّر المجادلين، من شباب “الصّحْوة” بعد الثورة-بخاصة-، في مركزية التديّن، وقيَمِه، وتقاليدِه، في حضارة بلادنا القديمة، وما تلتها من حقب وعهود إلى عصرنا، تنوعتْ وتمايزتْ بتعدد الروافد الثقافية وتباينِ الأوضاع السياسية والاجتماعية، وبما يجَلّي سعة الإرث الإسلامي وانسجامه مع معطيات الراهن وإحداثات اللحظة التاريخية، بعيدا عن الموات الفكري والجمود “القهْريّ”، وبما يدعو إلى درء الحماسة الحمقاء والجلبة الهوجاء في إحياء قضايا كلّيّة وجزئيّة، بناءً على قراءة للنصوص الدينية فجّة، ليست بنتَ عصرها، وفي سياق حضاري لا يتحملها. وربما يظن المتعجلون أن تونس بقيَت وستبقى على مَرّ الأعصر عالةً على الشرق والمشارقة، تترقب “المدد الدعويّ” القادم من وراء الحدود، وتتلهّف إلى “جديدٍ” من الفتح الإسلامي المبين، ولعل البعض يصنف تَديُّنَ التونسيّ بأنه كان وسيظل إلى الأزل من “درَجةٍ دُنْيا”، وأضحى بعض التونسيين –وفق هذا الوهم-يعتقد أن الفقه الصحيح إنما أرْضُه الحجاز، فالشام، فمصر، وحسْب، وليس للمغاربة منه نصيب، فأعرض المبهورون من هؤلاء عن علماء المدرسة المغربية، ووعّاظها، ومصلحيها، ولاذوا بغيرهم ممن لم يكونوا –دائما- أرسخ قدمًا، ولا أصوب نظرًا، ولا أفصح بيانًا، وسهَا هؤلاء“المستشرقون” من الأرض الإفريقية العريقة، عن ذاك التفاعل التاريخي بين المغرب والمشرق الذي وثّق عراه كبارُ الفقهاء والعلماء، والذي وسَّع الأنظار، وثرّى الاستنباط، وبرّز الخصوصيات القُطْرية والعادات المحلية.


1- تونس-إفريقيّة المتمسّكة بسندها، المتميّزة بعاداتها
قراءةٌ سريعة في كتب التاريخ الإسلاميّ لبلادنا من قبيل:المُونِس في أخبار إفريقية وتونِس لابن أبي دينار (ت1110ه/1698)، والبيان المُغْرِب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارِي المراكشي (ت695ه/1295م)، ومعالم الإيمان للدباغ (ت696ه/1297م)، ورياض النفوس للمالكي (ت449ه/1057م)، والديباج المُذْهَب في أعيان المذهب لابن فرحون (ت799ه/1397م)، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية لابن مخلوف (ت1361ه/1941)، تفيد بكلّ يسْر، أنّ هذه الأرض الطيّبة أنبتتْ غرْسًا علْميًّا صالحًا، تأسّس على التفكير الدينيّ المتشبّث بالثوابت، وكان مهووسًا بالتنويع على النموذج المتداوَل، وبالاجتهاد، بمختلف تسمياته:(مقيَّد، مطلَق، من داخل، من خارج…)، وترسّخت في هذه الربوع تقاليد دينية رشيدة منذ الفتح الإسلاميّ. فقد أسّس حسّان بن النعمان(ت86ه/705م)، منذ سنة85ه/704م، مشروعًا حضاريًّا دشّن الحركة العلمية بإفريقية، وتركّز على تفعيل دور المسجد الجامع، ولذلك جدّد بناء جامع عقبة بالقيروان، واستحثّ الخطى لتوطين اللغة العربية بتعليمها ونشرها واستعمالها، وشجّع على تحفيظ القرآن الكريم وتعليم الفقه، وانتدب حسان بن النعمان ثلاثة عشر فقيهًا من كبار التابعين ليعلّموا أهل البلاد فتفاعل الناس مع المعلِّمين، وعرفت إفريقية الإسلام بالمدرسة السّنّيّة التي تتقرّر مسائلها على أيدي التابعين الذين ورثوا علم الصحابة. ثم جاء موسى بن نصيْر(ت97ه/716م) ليحافظ على أسس المدرسة الإفريقية. ثمّ يدعّم عمر بن عبد العزيز(ت101ه/..) سند هذه المدرسة.

ثمّ يتأسّس جامع الزيتونة(116ه/734م) فتنضج المدرسة الإفريقية لتشتهر بقاعدتيْن: الانضباط للظواهر القطعية ومراعاة المقاصد الشرعية (1) ومن المعلوم أن المذهب السائد في إفريقية –القيروان وتونس-وما وراءها من المغرب كان مذهب الكوفيّين إلى أن دخل علي بن زياد(ت186ه/802م)والبهلول بن راشد(ت183ه/799م)، وبعدهم أسد بن الفرات(ت213ه/828م) وغيرهم بمذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس(ت 179ه/795م)فأخذ به كثير من الناس. وقد كان علي بن زياد رائدًا فذًّا في تأسيس المدرسة الفقهية و التونسية، وبثَّ في المغرب المالكية فعمّتْ جميع أقطاره دون استثناء، ويُعتبَر ذلك أثرًا زكيًّا لرحلته العلمية إلى الإمام مالك بعدما أخذ الفقه عن شيوخ بلده، ولذلك كان يناقش مالكًا ويراجعه واستطاع أن يستوعب مذهبه أصولاً وفروعًا في مدة قصيرة. ثمّ وطّد الإمام سحنون(ت240ه/854م)هذا المذهب السّنّيّ الأصيل في القيروان، ومنها إفريقية والأندلس، وكانت “المدوّنة” ثمرة جهوده وجهود ابن القاسم(ت191ه/806م) أحد تلامذة الإمام مالك في مصر. وازدهرت المدرسة المالكية الإفريقية بالفكر المالكيّ الذي لمْ يأخذ علماؤنا منه استنباطه الفقهي فحسْب، وإنما نهلوا أيضًا من اتجاهه العَقَديّ، وقد وُصِف الإمام سَحْنون بأنه عالم في الفقه والكلام واشتهر بردوده على المخالفين للمنهج السّنّيّ وعلى المبتدعين، وتأسس بذلك المنزع الكلاميّ الإفريقيّ القائم على الاعتدال الذي رفض به الإمام مالك التكفير واللعن، والذي ينْأى عن مقالات الفرق المغالية.وانسجمت بهذا الاعتبار المالكيّة والأشعريّة في بلادنا، ولا يخفى أن الأشعرية تجمع بين العقل والنقل في التأويل .فكان أول تلامذة الأشعريّ بالقيروان إبراهيم بن عبد الله الزبيديّ المعروف بالقلانِسيّ(ت359ه/970م)، حيث ذهب المؤرخون إلى أنه أوّل من نشر آراء الأشعريّ انطلاقًا من القيروان، ثم عاضده في هذه المهمّة ابن أبي زيد القيروانيّ(ت 386ه/996م)الذي صدّر رسالته بمقدمة في العقائد، ثم تواصل سنَد مدرسة إفريقية في تثبيت غراس الأشعرية عقيدة الوسطيّة، فكان من أعلام هذا المنهج المتزن، ابن راشد القفصيّ(ت736ه/1336م)، وابن عَرْفة الورغمّيّ(ت803ه/1400م )، والبرزُليّ(ت841ه/ 1438م)، وابن خلْدون(ت808ه/1406م). 

وقد استطاعت هذه المدرسة، في القرن الرابع الهجري/القرن العاشر الميلادي، أن تصمد أمام كلّ عوامل التشويه والتشويش، وجمعت أهل القيروان والمغاربة عامّة على منهج واحد عريق في التفكير وممارسة الشعائر، تضافرت فيها جهود خيّرة لفقهاء أعلام مجتهدين في إفريقية، خصوصًا، تصدَّوْا للدعوة الفاطميّة، ولمْ يغادروا أرضهم رغم كلّ مظاهر الاضطهاد، وصرفوا جهودهم لإقامة السّنّة، سواء بالقيروان أو بغيْرها، ومن هؤلاء نذكر عبد الله بن أبي زيد القيرواني الذي جاهد، لإحياء السّنّة بدروسه وكتُبه وماله، ونذكر أبا الحسن القابِسي(ت403ه/1013م)، وأبا بكر بن اللبّاد(ت333ه/944م)، وابن عبد البَرّ(ت463ه/1071م)، وأبا بكر بن العربيّ(ت543ه/1148م) (2) وقد تواصل عبر القرون الامتياز في الموازنة بين الأثر والنظر بين فقهاء المذهب، فكان الإمام أبو الحسن اللخمي(ت478ه/1086م) مشتهرًا بالتصرّف في أقوال المذهب وآرائه، بما يُعبِّر عن مستوى مرموق في الاجتهاد والإضافة والإبداع، وقد تكوّن بالإمام اللخمي، الإمام أبو عبد الله المازريّ(ت536ه/1141م) )، فكان مع ثلة من فقهاء عصره كابن بشير(ت .بعد536ه/1142م)، وابن رشد الجدّ(ت520ه/1126م)، والقاضي عياض(ت544ه/1149)قد سلك الطريقة النقدية التي تعتمد منهج التنقيح، وكانوا ينتصبون في مختلف الأقوال انتصاب الحكَم الذي يقضي بأن هذا مقبول، وهذا ضعيف، وهذا غير مقبول، وهذا ضعيف في السنَد وفي النقل، وهذا ضعيف في النظرفي الأصول، وهذا محرج للناس، أو مشدّد على الناس، إلى غيرذلك، فكان المذهب المالكيّ قد تكوّن بهؤلاء تكوّنًا جديدًا إذ دخل عليه عنصر النقد والتنقيح والاختيار(3) ولا يُمكن أن نغْفل عن أصداء هذا المنهج المتوازن والوسطيّ المعتدل في أفكار نُخبة الإصلاح من علماء جامع الزيتونة منذ قرنيْن، وفي توجّه الدولة التونسيّة الحديثة منذ الاستقلال، تصدّيًا لنزعات التشدّد والتطرّف، ودرْءًا لجهالات السطحيّة والدغمائية، ومقاومةً لأخطار الماضويّة المتجمّدة. ولقد درَجت تونس، منذ قرون، على عادات دينية طيّبة، جَلّتْ تعظيمها لشعائر الإسلام ومناسباته، وتقديسها لينابيعه ورموزه، في فهْمٍ مكين لمعاني السّنّة والبدعة، واستيعاب لحدود العادة والعبادة. وفي هذا السّياق، يعْرض ابن أبي دينار، في كتابه“المونس في أخبار إفريقية وتونس” لجملة من تقاليد التونسيّين العريقة، فيقول:“ومن أعيادهم المشهورة ومراسمهم المذكورة ومساعيهم المشكورة، تعظيمهم ليلةَ المولد الشريف، وذلك لأجْل محبّتهم لِمَن وُلِد فيه، وهو سيّد الكائنات(ص)، وأَوَّل من اعتنى بتعظيمه في البلاد الغربيّة، وأظْهَر فيه شعائر الولادة المحمّديذة، السلطان أبو عنان المرينيّ، شكر الله سعْيَه، ثمّ اقتدى به بنو أبي حفْص في الديار التونسيّة، وأوّلهم أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز، وكان في أوّل المائة الثامنة (…)وأما تعظيمهم ليلة النصف من رجب، وليلة السابع والعشرين منه، وكذلك ليلة النصف من شعبان، وليلة السابع والعشرين منه أيْضًا، لا يخفى على أحد من الناس هذا التعظيم، وإن كان لغيرهم مشاركة في هذه الأيام، فإنّ تعظيم أهل الحضرة أعظم من غيرهم، وكذلك شهر رمضان المعظَّم قدْرُه، فإنهم يحتفلون فيه غاية الاحتفال، ويقومون بواجبه وواجب حقِّه أتمّ القيام ويختمون في غالب المساجد القرآن العظيم، في صلاة التراويح، إلا فيما قلَّ من المساجد، وكذلك اعتناؤهم بختْم المسنَد الصحيح للإمام البخاري رضي الله عنه وبقية الأسانيد السّتّة، إلا أنّ البخاري عندهم أشهر، وروايته أظهر”(4).


2-المقاربة النقديّة والإصلاحية التونسيّة في علميْ التفسير والحديث
 لئن اشتهر المغاربة، ومنهم التونسيّون، بقلّة التأليف، مقارنة بالمشارقة، فإنّهم تميّزوا بالفكر النقديّ. ولا تخفى براعة العلاّمة ابن خلدون وجرأته في قراءة الإرث الإسلاميّ، ومن ذلك إشارته إلى أنّ تفاسير القرآن امتلأت بالمنقولات عن اليهود والنصارى، وتساهل المفسّرون في ذلك.ويَذكر أنّ الناس لمّا رجعوا إلى التحقيق والتمحيص تهذّب عمل تفسير القرآن بجملة من العلماء والمصنّفات، ويورد من الأمثلة على ذلك “المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” لابن عطيّة(ت546ه/1152م)(4)، ويصفه في “ديوان العبر” بأنه حَسَن المنحى، لخّص التفاسير كلها، وما هو أقرب إلى الصحّة منها(5).


وينظر ابن خَلدون في رسْم المصحف الشريف، وهو المسمَّى ب“الرسم التوقيفيّ”، فييبيّن أن الخطّ العَربيّ في صدر الإسلام، لَمْ يَبْلُغْ الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسّط، لمكان العرب من البداوة والتوحّش، وبعدهم عن الصنائع، ولذلك رسم الصحابة المصحف بخطّ غير مستحكم في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضتْه أقيسة رسوم صناعة الخطّ عند أهلها، يقول مخطّئًا اعتقاد الناس في الصحابة من هذه الجهة، :“ولا تلتفِتَنّ في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغَفَّلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخطّ، وأنّ ما يُتَخَيَّل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يُتَخَيَّل، بل لكلّها وجه…وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيهًا للصحابة عن توهّم النقص في قلة إجادة الخطذ، وحسبوا أن الخطّ كمالٌ فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، وليس ذلك بصحيح، واعلم أن الخطّ ليس بكمال في حقّهم، إذ الخطّ من جملة الصنائع المدنيّة المعاشيّة”(6) 

 أما الشيخ الزعيم عبد العزيز الثعالبي(ت1363ه/1944) في أكثر مِن موْضع في “روح التحرّر في القرآن” على أنّ القرآن العزيز “أداة عجيبة من أدوات الرقيّ والحضارة”(7)روح التحرر، ومعينٌ لا ينضب، ولا تبرزُ عظمتُه في إصْلاح أحوال البشريّة، إلاّ بعقول حيّة، قادرة على التأويل الذكيّ لآياته الكريمة، خالصة من شوائب الأوْهام والتعصّب، فتفهَمُ القرآن فهْمًا صحيحًا، حقيقيًّا، إنسانيًّا، اجتماعيًّا، “مطابقًا لمبادئ الثورة الفرنسيّة التي هي نفس المبادئ التي جاء بها القرآن، فبفضْل ذلك، يتسنّى للمسلم أن يستمدّ العناصر القادرة على تغيير عقليّته، وتحويله إلى إنسانٍ جديرٍ حقيقةً، بهذا الاسم، أيْ إنسان حرٍّ، ومتعلّم، ومتأثّر بكلّ ما له علاقة بالإنسانية والرقيّ والحضارة”(8) وقد نبّه الثعالبي إلى خطر أن يقْتل عمَلُ المفسّر، الذي هو اجتهادٌ بشريّ، روحَ القرآن، وأن يُضيّقَ سعتَه، ويُصبحَ هو المقدَّس لا النصّ القرآني.


وفي هذا السياق، يستنكر الشيخ سلطةَ المفسّرين الغاشمة، والتي تحْتكر مدَد المعاني والدلالات والمفاهيم القرآنيّة، فيذكر أنّ قارئ القرآن، لا يحتفظ إلاّ بما قالَه المفسّر الفلاني، لا بما قاله الله تعالى، ولا يؤثّر في تفكيره إلاّ نفوذُ المفسّر لا نورُ كلام ربّ العالمين، ويضيف:“فالذي يجب عليْنا أن نصدّقه هو المفسّر لا القرآن، ولا الأحاديث، ولا الرسول عليه الصلاة والسلام‼”(9)، ويَستفظعُ انحرافاتِ بعض المفسّرين، الذين طوّعوا النصّ القرآنيّ للاعتبارات والمصالح الذاتية والمذهبية وحتى السياسيّة، فيقول:“إنّ ما قام به أولئك المفسّرون من عمَل لهْوَ مُضرٌّ من جميع الأوْجه”، ويقول :“أيّها القرآن كمْ تُقْتَرَف مِن جرائم باسمِك‼”(10) . لقد أكّد الشيخ الزعيم على ضرورة الحذر من التأويل الخاطئ للقرآن، من قِبَل زمرة من المفسّرين، ولمْ يُسمِّهِمْ، وقد أدّى منهجُهُم المختلّ إلى ما سمّاه بعضُهُم ب“العقلية التّحريفيّة”، فقد أوّلوا القرآن تأويلاً حقودًا، متعصِّبًا، مناهضًا للحرّية وللتقارب بين البشر.كما أدّى إلى تجميد الحركة الفكريّة بدعْوى أنّ القرآن هو الذي ضبط للمسلمين حدودًا للحضارة والرقيّ لمْ يعُد بإمكانهم تجاوُزُها(11).


 والتزامًا بالقوام المنهجيّ والحضاريّ في القرآن، وهو ما يسْمح بتهذيب العادات الجائرة، والعقليّات الخاطئة، ويؤسّس لحياة متوازنة، كان موقف الشيخ الثعالبي من القيود الظالمة التي فُرضت على المرأة، فدعا إلى خلْع الحجاب، ورأى من واجب المرأة أن تترك وجهها مكشوفًا، وأنّه لا شيْء يُجْبر المرأة على البقاء محبوسة في بيْتها، ومحجوبة عن الأنظار.بل يجوز لها –مثل المرأة الأوروبية-الدخول والخروج، وقضاء شؤونها دون أيِّ خطر على المجتمع، وينبغي أن تتمتّع بحقّها في احتلال مكانتها في البيت، وأن تأخذ نصيبها من حقّها في الحياة ونور الشمس على قدَم المساواة مع الرجل(12)، وليْس ذلك في نظره، تحريرًا للمرأة المسلمة، وإشْهارًا للحرب على التعصّب والجهالة ونشرًا لأفكار التقدّم والحضارة، وصيانةً للمصالح العليا للأسرة والتراث العائلي، فحسْب، وإنّما كذلك إعادةَ تركيب المجتمع الإسلامي كما كان في عهد الرسول(ص) وأصحابه أيْ مثل المجتمع الأوروبّي(13). ولئن لمْ يتطرّق الثعالبي في الكتاب إلى قضيّة تعدّد الزوجات ذات العلاقة بالنصّ القرآنيّ، إلاّ أنّه قد عالجَها في إحدى المحاضرات التي ألقاها عندما باشر التدريس بجامعة آل البيت ببغداد من سنة1926إلى سنة1930، حيث لاحظ عند حديثه عن المواريث المبيّنة بالآيات القرآنية أنّ الهالك إن ترك زوجيْن أو ثلاثًا أوْ أربعًا، كان لهنّ نصيب الزوجة الواحدة، ثمّ تساءل عن سرّ هذه القسمة وأجاب قائلاً:“إنّ الحكمة ظاهرة لمَن يتدبّر المقاصد الإلاهيّة، وهي تعليمُنا وإرشادُنا إلى الأصل الذي يجب أن يُجْرى عليْه في الزوجيّة، وهو أن يكون للرجل امرأة واحدة.وإنّما أباح أن يتزوّج الرجل اثنتيْن إلى أربع، على المعتَمَد بشرطه المضيَّق، لأنّ التعدّد في نظر الشارع هو من الأمور النادرة غير المقصودة، فلمْ يُراعِه في أحكامِه، والأحكام إنّما توضَع لما هو الأصل الذي عليْه العمل ومن أشهر التفاسير التقليديّة للقرآن الكريم في التاريخ المعاصر، تفسيرُ التحرير والتنوير للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور(ت1393ه/1973)، وقد كان البيّنة على متانة ثقافة الشيخ، ورسوخه في العلْم الدينيّ، وقدرته الفائقة على التوليف الذكيّ والسلس لآراء من سبَقه. وقد بنى الشيخ ابن عاشور تفسيره على أساس التهذيب والتأسيس، تهذيب المادة المألوفة المتداوَلة، وتأسيس رأي جديد، من الدّاخل، ولا يكون عالة على السّلف، وفق منهج تصليحيّ يُجْلي صدأ الرداءة والإسفاف والاجترار، وينصّع بوادر الفكر الخلاّق المبدع، في صُلْب المنظومة الأصوليّة المُلْتزَمة، ولذلك قال في مقدمة تفسيره، مبيّنًا ميثاق تأليفه:”فجعلت حقًّا عليَّ أن أُبْدي في تفسير القرآن نكتًا لمْ أَرَ مَن سَبَقَني إليها، وأن أقف موْقف الحَكَم بين طوائف المفسرين تارة لها وتارة عليها، فإنّ الاقتصار على الحديث المُعاد تعطيل لفيْض القرآن الذي ماله من نفاد.ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحدَ رجليْن:رجلٍ معتكف فيما شاده الأقدمون، وآخر آخذٌ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون، وفي كلتا الحالتيْن ضُرّ كثير، وهنالك حالة أخرى ينجبربها الجناح الكسير، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبَه ونزيدَه، وحاشا أن ننقضَه أو نبيده…والتفاسير وإن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام سابق بحيث لا حظ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار وتطويل“(14).


 ويذكر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور حينما تحدّث عن علْم التفسير أن السبب الذي وُضِع له علْمُ التفسير هو التعلق بما رُويَ عن النبي و إفهامُه للعامة بمراد الله تعالى من كتابه .و يرى أن أكثر الناس اشتغالا بتفسير القرآن هُم القصاصون .و لعلّه لهذا السبب نجد المصنّفين في علْم الحديث القُدامى والمحْدَثين يصنّفون القصّاصين في مقدمة الوضّاعين.ثم يتناول الشيخ الوضع الذي آل إليه التفسير، فيقول :”ثم أصبح تفسير القران تسجيلاً يقيَّد به فهمُ القرآن ويُضيَّق معناه الذي كان السلف يقولون فيه إنه لا تنقضي عجائبه ولا تنفد معانيه بأسباب جرّتْ إلى هذا التضييق“(15) . ويذكر في أوّل الأسباب: *الولعَ بالتوقيف ونقلَ الروايات .و كلّ ذلك مخافةَ الخطإ في فهم معاني القرآن ورهبةً من الاجتهاد في فهْمٍ يخالف المنقول و المأثور حتى توَهَّم خاصة العلماء أن كلمة”خطؤه كفر“أصل من أصول الدين مما أدّى إلى التساهل في قبول النقول و لوْ كانت ضعيفة أو مكذوبة.


*التخويف من التفسير بالرأي، فيتناول الآثار الواردة في الترهيب من القول بالرأي في تفسير القرآن، فيقرر أنه”ما اتسعت التفاسير و تفننت مستنبطات معاني القرآن إلا بما رُزِقَه الذين أوتوا العلم من فهْمٍ في كتاب الله .و لولا ذلك لكان تفسير القرآن مختصرا في ورقات قليلة، وقد قالت عائشة :“ما كان رسول الله يفسر من كتاب الله إلا آيات معدودات علّمه جبريل إياهن” .
ويجيب الشيخ عن الشبهة التي نشأت من الآثار المرْوية في التحذير من التفسير بالرأي بخمسة وجوه، وخلاصتُها:
– المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة و تصاريفها و ما لا بد منه من معرفة مواد التفسير والإحاطة بجوانب الآية القرآنية. -رواية أبي بكر الصديق(ت13ه/634م) ناشئة عن الورع خشية الوقوع في الخطا. 
– الخوف من التفسير المائل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيطوع الآية و يرغمها لتقرير رأيه والتعصب.
-أن يستند المفسّر إلى ما يقتضيه اللفظ ثم يزعم أنّ ذلك هو المراد دون غيْره
– الأحاديث تدْعو إلى أخذ الحيطة في التدبّر و التأويل.
*الشغف بأسباب النزول .ويشير الشيخ هاهنا إلى أن كثيرا من المفسرين شغفوا بتطلب أسباب نزول آي القرآن فأكثروا وأغربوا في رواياتهم حتى كاد بعضهم أن يوهم الناس أن كل آية من القران نزلت على سبب وحتى رفعوا الثقة بما ذكروا. و يضيف أنّهم قد تجاوزوا في أسباب النزول إلى الموضوعات وأحاديث الجاهلين’’
 و يذكر الشيخ أنه تصفح أسباب النزول التي صحت أسانيدها فوجدها خمسة أقسام 
– سبب مقصود من الآية و يتوقف فهمُها على العلم به و البحث عنه.
– حوادث ترتبتْ عنها تشريعاتُ أحكام.
– حوادث تكثُر أمثالُها تختص بشخص واحد فنزلت الآية لإعلانها.
– حوادث حدَثتْ، و في القرآن آيات تناسب معاني هذه الحوادث، و هي يمكن أن تكون سابقة للآيات أو لاحقة لها.
– تبيين مجملات و دفع متشابهات.
*تشوّه فهْم القرآن . فالقرآن جاء كتاب هدي و تشريع .و هذا الهدْيُ قد يكون واردًا قبل الحاجة، وهو يخاطب الخاصة و العامة و هو في جميع ذلك جاء بكليات تشريعية و تهذيبية، و الحكمةُ في ذلك:
– التيسيرُ على الأمة في الوعيِ بدينها و فهمِه و استيعابه.
– إمكانية تواتر الدين.
– منح العلماء مزية الاستنباط و الفهم و الاستقراء.
لذلك لا يُجوِّز ابن عاشور حمْل القرآن على خصوصيات جزئية لأن ذلك يبطل مراد الله. كما أنه يخَطِّئ تعميم الخاص في القرآن أو إطلاق المقيَّد.
 
 وإذا كان الإمام المازريّ الأشعريّ المالكيّ، دفين المنستير، (ت536ه/1141م)قد ركّز في كتابه“المُعْلِم بفوائد مُسْلم”، وكما يقول الشيخ محمد الشاذلي النّيْفر(ت1418ه/1998)، على المعنى الكامن في السّنّة النبويّة، وهي الروح التشريعيّة، متميّزًا عن سابقيه من شُرّاح الحديث المتعلّقين بالجانب اللفظي أكثر من التعلّق بالمعاني السّامية(16)، فإنّ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صاحب كتاب:“كشف المغطّى في الألفاظ والمعاني الواقعة في الموطا”، وكتاب“النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح”(يعني صحيح البخاري)، وصاحب كتاب“أليْس الصبح بقريب”الذي أتى على نقْد علْم الحديث النبويّ، لمْ يسكت عن جملة من القضايا الجوهرية التي رآها قد أفسدت هذا العلْم، ومن تلك(17): 


 *التساهل في نقد الروايات و الرواة، ويذكر في هذا المبحث أنّ الناس اغتروا بحسن أحوال الرواة من غير نقد فوقعوا -كما يقول هو- في مصيبة الذهول إن سلموا من مصيبة التدليس والغرور، وقد عرض الشيخ بهذا إشكالية مريبة و محيرة و هي قضية التدليس في رواية الحديث الذي أجمع المصنفون القدامى على أنه لم يسْلم منه أحد. 


إن ما لاحظه ابن عاشور من قصور عند الناس، ويعني بهِم المحَدِّثين، في عدم البحث في أحوال الرواة بدقة و الاغترار بظواهرهم، و قد رآه سببا من سببيْ فساد علم الحديث، ما لاحظه هذا، يمكن أن يعتبر نظرا جديدا في علم الحديث يخالف الموقف التقليدي.
 *الكذب ، ويؤرخ ابن عاشور لظاهرة الكذب في رواية الحديث التي استدعاها التساهل في النقد فيقول “وقد ظهرت بوارق الكذب في الحديث في زمن ابن عباس” و هذا التأريخ يندرج ضمن الموقف الذي يقرن بين بداية الوضع ووقوع الفتنة و يحدد بسنة 41هـ/ 662م، و هو يتقدم بظاهرة الكذب والانتحال إلى أحداث الفتنة التي فسد فيها كثير من الناس و اخطأوا فكذبوا . ويكون بذلك الصحابة عدولا ولا يمكن أن يتهموا بما اتهم به غيرهم فابن عاشور يتبنى هذا الرأي و يؤكده في أكثر من مناسبة ونشير، على سبيل المثال، إلى ما قاله في تفسير الحجرات(18).

إنّ قول الشيخ ابن عاشور، في بداية الكذب و الاختلاق، المؤيدَ بمقولة عدالة الصحابة يُضعف من قيمة مواقف القدامى كالسيوطي(ت911ه/1505م) و الذهبي(ت749ه/1348م).


 *التدليس في الأسماء و حذف بعض مَن يتّهمُه الناس مِن سلسلة الإسناد، ويخفف ابن عاشور من خطورة هذا الأمر و ما يطرحه من مشاكل و مآزق خاصة إذا اتُّهِم مَن يوصَفون بالثقات بهذه التهمة فيقول عن التدليس :“و هذا متفاوت فيمن وُسِموا به، و منه ما لا ضيْر فيه، و منه ناشئ عن تسامح و حسن ظن….”. و لا يعدو هذا القول في نظرنا إلا أن يكون تبريرًا لما وقع فيه المشهورون من الرواة المحدِّثين و حسنَ ظنٍّ بهم.


 *الزيادة على الحديث الصحيح ، وهو يشير إلى أن هذا النوع من الكذب اشتهر لدى عدد من الرواة العلماء، وهو مايزيد في تفظيع هذا الإفساد للمدونة الحديثيّة إذ لا يكفي الكذب حتى يكون من عالم مما يسهل رواجه بين الناس على اعتباره صدقا. و في نظرنا هذه الطريقة في الوضع و وهي الزيادة على الحديث الصحيح أخطر في التلبيس مِن أن يُوضع نصٌّ بأكْمله، حيث يتسرب التحريف تسرّباً يمكن أن يُغفله ناقد الحديث خاصة إذا قلنا بما قاله رشيد رضا و أحمد أمين، مثلاً، عن علماء الجرح والتعديل بأنهم عُنوا بنقد الإسناد أكثر مما عُنوا بنقد المتن 
 *تداول الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضائل الأعمال .وهذه ظاهرة أخرى سببها التساهل في الروايات بالاغترار في أحوال الرواة، مِن قِبَل المحدّثين والمصنّفين، وهو ما يعتبره الشيخ ابن عاشور، عيْبًا بيّنًا. كما أرْجع ابن عاشور ظاهرة التساهل في الأحاديث المكذوبة إلى انتشار الزهد والتصوف، حيث يُجمع من السنّة كل ما يخدم الغاية التعبدية سواء صح الخبر أم لم يصح، وتعتَمَد قاعدة:“الكذب في الترغيب مصلحة”، و يُجوِّز الوضّاعو ن الوضع ترغيبًا للناس في فضائل الأعمال بأنهُم يكْذبون لصالح الدِّين وخدمة له. 


 *قصور الهمم عن مزاولة علم الحديث مزاولةَ نقد و ضبط .وقد رأى الشيخ ابن عاشور أن المحدّث أضحى عند بعض أهل الحديث الحافظ للنصوص السارد لها، و لا يُنظَر في هذا المحفوظ و لا في هذا المسرود من حيث الصحة أو الضعف .
 وقد نقد بهذه الإشارة إلى ما آل إليه أمر الحديث، مظهرا من مظاهر القصور الفكري أو لنقل الانحطاط و الفساد المعرفيّ اللذيْن آلت إليهما الثقافة الإسلامية في وقت من الأوقات، و كان ذلك متجلّيًا في السنن العلمية المحدثة و القيم المعرفية الموجهة و منها:
– الدعوة إلى الحفظ و النقل 
– الترهيب من النقد وإبداء النظر في النصوص التي قدست و من الكلام في سلف الأمة
– مقولات التكفير والتفسيق التي يوظفها العلماء و الساسة في تقويم الأنظار والأفكار 
 
أمّا فكرة إصلاح علم الحديث فيُلخِّصها ابن عاشور فيما يلي:
 *سدّ باب التسامح في إيداع الأحاديث الضعيفة في كتب الحديث ولوْ كانت في فضائل الأعمال، لأنَّ تركها أفْيَد للدين مِن ذكْرِها، ولأن الأحاديث الحِسَان تكفي طالبي الفضائل و المرغبين والمرهبين . 
 * طرْح الاشتغال بضبط أحوال الرواة بعد ما محّص الحُفّاظ صحيح الحديث من عليلِه. ويرى الشيخ القيامَ بهذا العمل الآن قليلَ الجدْوى .و يَرسُم المنهج المطلوب الآن حين النظر في الأحاديث النبوية على هذا النحو :
 – ذكر الصحابي الراوي للحديث. 
 – ذكر رتبة الحديث في نظر أهل النقد 
 – تذْييل الحديث بمنازل علماء الفقه في الاستنباط منه(طريقة مالك – البخاري) . 

4-القراءة الحضارية للنصّ الديني في مشروع الطاهر الحداد(ت1354ه/1935)
 اللافت في كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”هو القراءةُ التاريخية والمقاصديّة التي تنزّل التشريع القرآني في ثلاثة مستويات أساسية: *زمن النصّ: المُعطى الثقافي والاجتماعي *منطوقه ومفهومه زمن التنزيل *مقتضاه بتغيّر المُعطى،  ولا شك في أن هذه الاعتبارات ترفع القيود على تطوير الأحكام بما يراعي ظروف الحياة وتبدّل الذهنيّات وتغيّر العادات.فالإسلام في نظر الحداد لا يستبق الزمان ليقرّر أحكامًا تنبذها “أجياله الحاضرة”، ولكنه انطوى على حكمة في منهجه التشريعي تنأى عن الصدامية وتأخذ في الاعتبار “تقدّم الأجيال”، وبذلك كانت شريعته “نتيجة ما في الحياة من تطوّر لا أنها فصول وضعتْ من قبل لحمل الحياة على قبولها”(19) لقد كان الطاهر الحداد مؤمنا بأن النبي نشر دينا جديدا وأسس دولة “زكَوَا ونمَوَا في العصور، ومازالت آثارهما بادية على مرّ القرون ومازالا قابليْن لجِدّة الحياة”(20)، وهويرى أن ظاهرة النسخ، لاستبدال نصوص بنصوص وأحكام بأحكام في المدة القصيرة لتنزّل الوحْي، كافيةٌ للتدليل على أن الإسلام يتغيّر.

 
 ولا شكّ أن تكاثر الحالات التي لم تكن لها سوابق في العهد النبوي ولا في الفترة التي تلتْه، أدى إلى اعتماد الإجماع أصلا ثالثا من أصول التشريع عند غياب النص، وقد أرهق الأصوليون أنفسهم في العثور على ما يثبت حجية هذا الأصل وشعروا بأن الآيات التي اعتمدها بعضهم غير دالة عليه إلا بوجه من التعسّف، وأن الأحاديث التي رويتْ فيه لا ترتقي إلى منزلة الحاديث المتواترة التي تفيد اليقين، حتى أن الشافعي لم يكن يعرف حديث “لا تجتمع أمتي على ضلالة”بمختلف صيغه(21) ثم إن اعتماد الإجماع والقياس مصدرين من مصادر التشريع الإسلامي إقرار بطروء مشكلات جديدة، فكانت الكثرة الغالبة للأحكام في التشريع الإسلامي مبنية على الرأي لا على “التطبيق المباشر” لنصوص القرآن أو السنة(22)، والواقع أن غالب آيات الأحكام عاضدتها أفهام الأصوليين والمفسّرين والمحدّثين والفقهاء وعلماء القراءات واللغويّين، لتوجّه المتشابه والمطلق والمقيّد والناسخ والمنسوخ وغير ذلك، بإيراد الأحاديث النبوية ومختلف الآثار، وبالتأويل والترجيح والاستنباط الذي ينشئ مفاهيم عدة من منطوق واحد، فكان “السماويّ” بذلك متضافرا مع هذا المجهود البشريّ الذي يُكسبهُ كبار الفقهاء والمفتين “شرعيةً” تمنحه “قداسةً” ملحَقَة بقداسة النصّ(نقصد بالنصّ المقطع القرآني سواء أكان مجموعة آيات أو آية أو جزء من آية لا كما يصطلح عليه الأصوليون وهو الحكم المنصوص عليه صراحة ولا يحتاج إلى اجتهاد في رأيهم)، ويعتبر مخالفُها كافرا بهذا النصّ ذاته لا بقول الفقيه. لقد انتهى الطاهر الحداد إلى أن الفقهاء درجوا على اجترار أقوال مَن سبَقهم ويحكمون بأحكامهم رغم تباين الأحوال واختلاف العصور، وهَمْ يميلون في أخذ الأحكام إلى تفهم ألفاظ النصوص وما تحتمل من معنى أكثر من ميْلهم إلى معرفة أوجه انطباق تلك النصوص على حاجات العصر وما تقتضيه مصلحة المجتمع الحاضر الذي يعيشون فيه، فكانت النتيجة جمود الفقه والقضاء والفُتْيا، ويفسّر ذلك بجهلهم الذي سبّب عجزا عن دراسة الأوضاع الاجتماعية الطارئة وما تقتضيه من اقتراح أحكام جديدة مناسبة للمحْدَثات “وهذا الجهل الواضح هو الذي منعهم من الشعور بحاجة المسلمين في تطوّر الحكم بتطوّر الحياة فيلجأون إلى تفهم روح الشريعة ومراميها المملوءة بكنوز الحياة والنجدة لمن يطلبها”(23).


 إذن، الإسلام نصّ وواقع، والواقع يَعِيه أهله بكلّ تفاصيله وملابساته، فيعرفون ما يستلزمه من أحكام وتقنينات، “فالإسلام دين الواقع وبتطوّره يتطوّر وذلك سرّ خلوده”، وليس من العقل أن يخضع واقعان متغايران لحكم واحد، وقد ترجم فقهاء المسلمين في عصور الاجتهاد والإنتاج المعنى الصحيح لملاءمة الإسلام للزمان والمكان، التي لا تتحقّق إلا بقدر استفراغ الفقيه وُسْعه في فهم القرآن واستخراج الدلالات والمعاني والتشريعات البكْر، ولعلّ هذه السعة القرآنية المنفتحة غير المنغلقة هي المقصودة فيما يُروى من أنّ القرآن “لا يَخْلَق عن كثرة الردّ”، و“لا تنقضي عجائبه”، و“حمّال أوجُه”، وهذا هو الذي سمّاه الحداد ب“روح الشريعة” وهو الاكتفاء برسم الاتجاه الذي يجدر بالمؤمن أن يسير فيه دون أن يتمّ التفصيل في كيفية سلوك هذا الاتجاه، وماكان من تفصيل فهو بمثابة الحلول الظرفية لمشاكل اعترضت اجتماع المسلمين . فالحداد يضع المسألة التي يبحث عن حكمها في موضعها الذي تتصل به ثم يبحث في جملة النصوص ويستخرج منها المقصد العام الذي طلبه الشرع عند معالجة تلك المسألة، ويستخرج من ذلك الاتجاه المقاصدي الحكمَ العام في المجموعة بتمامها، ويطبّقه على تلك الجزئية التي يستخرج لها حكمها، “ثم يترقّى في طريقته فيقول إنا إذا أخذنا الاتجاه الذي يقصد الشارع دفْعنا إليه يجب علينا مسايرته فمن النصوص ماهو موضوع لمعالجة حالة خاصّة كان عليها العرب حينئذ والمقصود به تغيير تلك الحالة إلى درجة واحدة في الاتجاه الذي هو غاية الشرع، فعلينا أن لا نقف في تلك الدرجة التي قادنا إليها الشرع، بل نزيد في سيرنا إلى الأمام مهتدين بالطريق الذي رسم لنا من قبل فغاية الشرع كمال الإنسانية ورقيها ولا نكون مقتدين به إلا إذا سلكنا السبيل الذي هدانا إليه إذا حصل فينا التطوّر الذي يلزم أن نأخذ بأسبابه ما يؤهلنا لدرجات أخرى”(24) .وروح الشريعة، عند الحدّاد، أبلغ وأبقى من فصولها التي لابدّ أن تتأثر في بعض جهاتها بسحابة العصور المارّة فيها(25).

 
 إن اقتران الفهم المقاصدي بالاعتبار الزمني للحكم الشرعي المناسب للحادثة يجعل هذا الحكمَ قابلا للتغيير والتعديل بناء على تبدّل الظروف والحيْثيّات، وهو ما يمنح القرآن الكريم الخلود، ودين الإسلام كانت نتيجة ما في الحياة من تطوّر لا أنها فصول وضعت من قبل لحمْل الحياة على قبولهاوهذا من أهم أسباب انتشاره المدهش في الزمن القريب. 


 وفي هذا المنحى كان اهتمام الحداد، في قراءته للنصوص، بالظروف التاريخية والأوضاع الحافّة، وحسب رأيه، “ليس بكافٍ أن نشرح أقوال صاحب الشرع بما تحتمل الألفاظ من معنى نريده إذا لم نرجع في ذلك إلى مصادر القول وأسباب النزول”(26) إن تحنيط الحكم الشرعي يعتبر عند الحداد اغتيالاً للعقل، وهو الجمود الذي يُفسد الدين ويعكس السلطة. البشرية الغاشمة، ولذلك فهو يرى أن كلَّ الأنظمة التي عرفها الإنسان مهما كانت قوية هاجمها الفساد عاجلا أو آجلا، والإنسان الأناني هو الذي بذر هذا الفساد في الأنظمة الصالحة حتى تصير نفاقا اجتماعيا يجري عليه عرف الناس في ظاهر أمورهم وحتى الشرائع السماوية التي تنتسب لله لم تسلم من هذا الشرّ المبيد لأنّ حماتها من الشيوخ والقساوسة والأحبار والكهنة هم الذين يسبقون غيرهم إلى ذلك إلزاما للناس بآثامهم الشخصية المحتجبة بسلطانهم الديني عليهم .إنه يؤمن بالإسلام الذي يكون دائما وإلى الأبد ثورة على القديم كما نشأ منذ بدايته، فالإسلام في نظره نداء للتحرّر من تقليد الآباء والأجداد وبعث لحياة التجديد والتوليد ولكنّ المسلمين هم الذين حوّلوه بتقديس أسلافهم واحتقار أنفسهم إلى سدّ يفصل بينهم وبين الحياة (27).


 في هذا السياق يؤكّد الطاهر الحداد في كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” على أن التشريع الإسلامي الحيّ يقوم على “التدرّج”، فالإسلام جاء إلى العرب بأحكام وأخلاق معاكسة لما ألفوه وعاشوا عليه من نظام اجتماعيّ شديد “فكان موقف الإسلام إزاء ذلك صعبا ودقيقا بل من أدقّ ما اعترض الإسلام من شؤون”(28)، واضطرته عامة الأحوال في جزيرة العرب إلى التدرّج والاحتياط في تقرير عامة أحكامه، ومع ذلك لم يسلم من المعارضين الأشداء(29) . من أجل ذلك لم يكن متهوّرا مثلا في إجراء الأحكام المتعلّقة بالمرأة، بل كان حكيما في التدرّج بحقوقها “حتى لا يبلغ بها الكمال بسرعة مخطرة”(30)، وليس وضع المرأة هو فحسب الذي تعامل معه الإسلام بحكمة التدرّج وإنما كلّ الشؤون المتعلقة بالإنسان والمجتمع نالت في تغييرها وإصلاحها من هذا المنهج المتبصّر. 


 ولا يختلف الفقهاء المحافظون مع الحدّاد في هذا الرأي وهو أن الدين التزم، على امتداد سنوات الوحي، سنة التدريج في تشريع أحكامه حسب الطاقة والمتاح، غير أنه يفوتهم إلى أن هذا التدرّج ليس له ما يمنعه أن يتواصل بعد وفاة الرسول (ص)، فهو يقول :“وليس هناك ما ينصّ أو يدلّ على أن ما وصل إليه التدريج في حياة النبيّ هو نهاية المأمول الذي ليس بعده نهاية ما دام التدريج مرتبطا بما للمسائل المتدَرَّج فيها من صعوبة يمكن دفعها عن قرب أو وعورة تستدعي تطوّر الأخلاق والاستعدادات بتطوّر الزمن وفي الإسلام أمثلة واضحة من هذا القبيل”(31). ولقد عبّر المفكّر السوداني محمود محمد طه(ت1406ه/1985) عن فكرة الحداد هذه بعد أربعة عقود تقريبا في كتابيْن اثنيْن هما :الرسالة الثانية من الإسلام(صدرسنة1967)، وكتاب“الإسلام في رسالته الأولى لا يصلح للقرن العشرين”(صدرسنة1969).


 إن تلازم التشريع والتطوّر يعتبر عند الطاهر الحداد أمرا يقينيا لا ريب فيه، إذ لا معنى لدين أبديّ يبقى على حاله، في حين يتقدم الزمان وتتغيّر العقليات والأوضاع، وليس للجمود إلا أن يفرز نتيجتيْن مذمومتين: *تعطّل حياة الناس عند الالتزام بتشريع فقهاء قدامى دون مراعاة مقتضيات العصر، فيكون إكراه الحاضرعلى الخضوع لاجتهادات انتهى موجبها *إضعاف جدوى النصّ، وتضئيل مداه التشريعي الرحب، بإلجاء أهله إلى تجاوزه وعزْله وتعويضه، لإيجاد حلول للمشاكل الحياتية المتلاحقة، بتقنين ربّما يعارض ثوابت الدين ويخالف مقاصده. والحدّاد يحكّم مفهوم التطوّر عند تحكيم الدين في جميع شؤون الحياة، وهو يرى أنّ الخلط بين “الدنيوي” و“الديني المقدس”هو الحاكم على التشريع بالتكلّس، حتى أنه قال في رسالة له إلى المقيم العام الفرنسي حينما أُعْلِم بعزله عن خطة الإشهاد :“إن الوظائف في الإسلام ليست دينية كما يظنّ الجاهلون بالأمر فإن الدين روح لا وظيفة، وإنما هي تشريعية لتوفية مصالح الدولة في الإسلام وهي تتطوّر حسب تطوّر تلك المصالح نفيا وإثباتا .ونظرة إلى التاريخ الإسلامي ترينا كيف حدثت وظائف في حياة الرسول وأخرى في حياة الخلفاء الأربعة، وأخرى في الدول الإسلامية بعدهم بحسب ما اقتضته الحاجة المتجددة ولو كانت دينية لجاءت كاملة من أول يوم ولما أمكن للمسلمين حذف وظائف وإقامة أخرى مكانها.ونحن المسلمون(هكذا وردت)نعرف كيف نميّز الصلاة عن عقد الزواج مثلا فالأولى روح والثانية وظيفة لضمان الحقوق وليست إلا عملا مدنيا لا واجب في انعقاده غير الرضى والقبول من دون غبن ومع قطع النظر عن أي زمن وأيّ مكان وأيّ هيئة”(32)

3- من عهد الأمان إلى مجلة الأحوال الشخصيّة :حداثة التشريع وأصالة المرجعيّة
خير ردّ على من يُكفّر فكرة الدساتير بدعْوى أن الشريعة هي الدستور، نصُّ عهد الأمان المؤرّخ في 10سبتمبر1857، والذي أعدّه شيوخ أفاضل، وأقرّه المشير محمد باي(ت1272ه/1855)، وقد ورد في مقدمته:“هذا وأحكام مجلس الشريعة أعزها الله جارية مطاعة، والله يديم العمل بها إلى قيام الساعة وهذا القانون السياسي يستدعي زمنا لتحرير ترتيبه وتدوينه وتهذيبه وأرجو الله الذي ينظر إلى قلوبنا أن تستقيم أحوال الرياسة ولا يُخالفه بعد ما ورد عن السلف من اعتبار السياسة (33).ثمّ جاء دستور26أفريل1861 الذي انتصر لقيَم المساواة والحرّية والمواطنة بالمفهوم الحديث والمعاصر(34).وتُوِّجتْ هذه الإنجازات الحقوقيّة المواكبة لعصرها والمتشبّثة بروح الإسلام الحنيف، بالأمْر العليّ في منع الاسترقاق في سائر المملكة التونسية، بتاريخ29ماي1890، وذلك بعد ما يقارب أربعًا وأربعين سنة من الأمر الذي أصدره أحمد باشا باي بإبطال العبودية من المملكة مراعاة لما تهُمّ مراعاته من المصالح الدينية والإنسانية والسياسية، محقّقًا بذلك السّبق التونسيّ على الصعيد العالميّ في تحجير الرقّ(35).


 ويمكن القول إنّ مجلة الأحوال الشخصيّة كانت خلاصة لأفكار المناضلين والمدافعين عن قضية المرأة، وأبرزهم الطاهر الحداد، كما كانت مطمح المستنيرين والحداثيّين من شيوخ جامع الزيتونة، فهي القرار السياسيّ و الذي حوّل طموحات أو بعض طموحات الإصلاحيّين في الشأن الأسري الاجتماعي، إلى واقع حيٍّ تدعّمت فيه حرّية المرأة وكرامتها . وبهذه المجلّة، وكما يقول بعض الحقوقيّين، أصبح أمر التشريع بعد الاستقلال موْكولاً إلى المشرّع الوضعيّ، بدون أن ينقطع هذا المشرّع مع القانون الإسلاميّ أو يتنكّر له، لإيمانه بأن الإسلام إحدى أهمّ دعائم هذا المجتمع، وبأن الاجتهاد في الانتفاع بأحكام قانونية وتنزيلها على الواقع والأحوال أحسن تنزيل، أفضل بكثير من الركون إلى الركود والتقليد(36).


 ومما ورد في بلاغ وزارة العدل التونسية في 13أوت1956 أن مجلة الأحوال الشخصية لاءمت في آن واحد روح العصر والتفكير العامّ، لأنّ نصوصها أُخِذتْ من مناهل الشريعة الفيّاضة ومختلف مصادرها، بدون تقيّد بمذهب دون آخر وبرأي طائفة من الفقهاء دون أخرى. وقد عقّب شيخ الإسلام المالكي، وقتها، بأن الذي يهمّ في الواقع هو المحافظة على الجواهر لا على الأعراض، وإنما يقع التكيّف بما يُقرّب الحقوق للمتقاضين مما يُعَبَّر عنه بالإجراءات الشرعية، التي تتغيّر بتغيّر العصور والعادات والبيئة.وبما أن المجلة تكتنفها الروح الإسلامية، فلا يسع المسلم الحقيقيّ إلا الابتهاج بما يُحقّق مزية الإسلام على بقية الأديان في انسجامه مع كل عصر(37).


 فمن القرآن الكريم، والسّنة النبويّة المطهّرة، أُخِذ فصْل الوعْد بالزواج والمواعدة به، ومتعلقات الخِطبة، وشرط الرضا بين الزوجيْن، وشرط الوليّ، وتسمية المهر، وموانع الزواج المؤبّدة بالنسب أو المصاهرة والطلاق ثلاثًا، والموانع المؤقّتة، والعلاقة بين الزوجيْن، ووجوب نفقة الزوج على زوجته وأولاده، وتعيين المستحقّ للنفقة بالقرابة، وتعيين ضوابط النفقة على الغير، وتشريعات الطلاق بأنواعه، والعدّة، وحقوق المطلَّقة وأولادها، وفصلُ ثبوت النسب، وتشريعات الميراث، وفصل حق الدائن من التركة، وفصلُ الوصيّة الواجبة، وغير ذلك من القوانين والتشريعات. وقد تطوّرت هذه التشريعات والقوانين صلب المجلة بالأفهام الواسعة في فهم النص الدينيّ، وبالتطبيقات المعاصرة للمتغيّرات في العقليّات والمعاملات . فاستلهامًا لقوله تعالى:”ومِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُم أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إليْهَا وجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً ورَحْمةً“(الروم، 30/21) يُوجِب الفصل23 من مجلة الأحوال الشخْصيّة على الزوج”أن يعامل زوْجتَه بالمعروف، ويُحْسِنُ عشرتها ويتجنّب إلْحاق الضرر بها، وأن يُنفق عليها وعلى أولاده منها على قدر حاله وحالها في عامة الشؤون المشمولة في حقيقة النفقة، والزوجة تساهم في الإنفاق على العائلة، وتطيعه فيما يأمره بها في هذه الحقوق، وتقوم بواجباتها الزوجية حسبما يقتضيه العرف والعادة“، ثمّ بعد سبع وثلاثين سنة يُنَقَّح هذا الفصل بما يلي :”على كلِّ واحد من الزوجيْن أن يُعامل الآخر بالمعروف ويُحْسن عشرته ويتجنّب إلحاق الضرر به، ويقوم الزوجان بالواجبات الزوجية حسبما يقتضيه العرف والعادة، ويتعاونان على تسيير شؤون الأسرة وحسن تربية الأبناء وتصريف شؤونهم بما في ذلك التعليم والسفر والمعاملات المالية.وعلى الزوج بصفته رئيس العائلة أن ينفق على الزوجة والأبناء على قدر حاله وحالهم في نطاق مشمولات النفقة، وعلى الزوجة أن تساهم في الإنفاق على الأسرة إن كان لها مال“(38).


أمّا موضوع تعدّد الزوجات فقد فُصل فيه بالمنع الباتّ، بناءً على قراءة اجتهادية للنصّ القرآنيّ الذي ورد فيه:”فإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدةً (النساء، 4/3)، ووَرد:“ولن تَسْتَطِيعُوا أن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسآءِ ولَوْ حَرَصْتُم”(4/129)، واعتبارًا لثبوت إخلالات انعكست آثارها السّيّئة على الأسرة والمجتمع.

خاتمة:
صفوة القول، إنّه لَمن حقّنا أن نعتزّ بأصالة الإسلام في تونس، وأن نفتخر بأنّ لنا تراثًا دينيًّا خِصْبًا طبَعه علماء جِلّة، وفقهاء نُخْبة، ومستنيرون مجتهدون عِلْيَة، تشبّعوا بمعاني النصّ الأصْل، وتحرّروا بالفهْم الراجح، والنظر الواسع، في انسجام تامّ مع خصوصيّات البيئة، ومتطلّبات اللحظة، فكان الإسلام في القلوب، وفي العقول، وفي العادات وفي التقاليد، وفي القوانين، عاملَ تقدّم ورقيّ، ومقوّم شخصية وطنيّة متوازنة، ومؤلّفَ هويّة قُطْريّة ذاتِ ميزة بيّنة، ورافدَ محبّة وأخوّة ومواطنة، لا خطرًا على الفكر، والحياة، والوجود . 
 

الهوامش:

1- راجع: عبد الوهاب(حسن حسني):خلاصة تاريخ تونس .تقديم وتحقيق:حمادي الساحلي ط. تونس2001.صص35-105 راضي دغفوس :عصر القيروان، ضمن كتاب:تونس عبر التاريخ ط1تونس2007 صص9-32 سيف الدين الماجدي: دور المدرسة الكلامية في مواجهة الغلوّ والتطرّف. ضمن كتاب:السند التونسي في ممارسة الشعائر. وزارة الشؤون الدينية تونس2008، صص52-62 
2- راجع: محمد الشاذلي النيفر:تقديم كتاب :“المُعْلِم بفوائد مسلم” للمازري. ط.تونس1988 دور القيروان في تأصيل المذهب المالكي ونشره. وزارة الشؤون الدينية تونس2010 صص3-6 
3- ابن عاشور(محمد الفاضل):محاضرات. تقديم:كمال الدين جعيط ط.تونس1999 صص….
4- ابن أبي دينار(محمد ):المونس في أخبار إفريقية وتونس. ط1تونس1870 صص290-297/300-303 
5- ابن خلدون(ولي الدين عبد الرحمان):ديوان العبر .تحقيق:أبو صهيب الكرمي .ط.بيت الأفكار الدولية د.ت.صص222-224
6- المصدر السابق ص211 
7- الثعالبي(عبد العزيز ):روح التحرر في القرآن. تعريب وتقديم:حمادي الساحلي . ط1دار الغرب الإسلامي1985 ص117 
8- المرجع السابق صص117-118 
9- م.س.ص110
10- م.س.صص117-119
11- انظر:الطاهر المناعي:الثعالبي من الإسلامية إلى الكونية في روح التحرّر في القرآن. مجلة الحياة الثقافية العدد130 ديسمبر2001/ شحرور(محمد):الكتاب والقرآن.سلسلة دراسات إسلامية معاصرة 1990 
12- روح التحرّر ص29
13- م.س.ص24
14- ابن عاشور(محمد الطاهر):تفسير التحرير والتنوير ط.تونس-ليبيا (د.ت.) ج1ص7
15- ابن عاشور(محمد الطاهر):أليس الصبح بقريب. ط2 تونس1988 صص186-188 /التحريروالتنويرج1صص28-46. 
16- المازري(أبو عبد الله محمد) : المُعْلِم بفوائد مسلم“.تقديم وتحقيق:محمد الشاذلي النيفر ط2تونس- الجزائر1988 ص6 
17- أليس الصبح بقريب صص191-196

18- التحرير والتنوير ج26 صص228-229

19- الحداد(الطاهر): امرأتنا في الشريعة والمجتمع ط الدار التونسية 1980، ص22 
20- م.س.ص68.
21- الشرفي(عبد المجيد):الإسلام بين الرسالة والتاريخ. ط1بيروت2001صص163-166 /الأجهوري(محمد رضا):الجذور التاريخية لمجلة الأحوال الشخصيّة.ط1تونس1999 ص67 .
22- انظر:النويهي(محمد):نحو ثورة في الفكر الديني. ط1بيروت1983صص126-130
23- امرأتنا في الشريعة والمجتمع ص122
24- الدرعي(أحمد):حياة الطاهر الحدّاد. تحقيق وتقديم:محمد أنور بوسنينة.ط.الدار العربية للكتاب1975 صص47-48 
25- امرأتنا ص48
26- م.س.صص28-29/ وانظر:الطالبي(محمد):أمة الوسط الإسلام وتحدّيات المعاصرة .ط.سراس للنشر1996، صص118-121”منهجية فهم النص“، يقول :”من الضروري أن يصغي متلقي الخطاب الإلاهي إلى هذا الخطاب في آنه وكأنه أُنزِل عليه في زمانه ومكانه وحدَثِ محيطه. لكن من دون قطيعة مع حاضر زمن التنزيل المتميّز.إنّ حاضر خطاب “الحيّ القيّوم” الذي “لا تأخذه سنة ولا نوم” حاضر كلّيّ مطلق يجمع بين الآن الذي سبق، والآن الآني، والآن المستقبلي، ومعنى ذلك أنه يجب أن نفهم دائما خطاب الله فيما أراده وهو مريده الآن إرادة مفتوحة على المقبل“ 
27- الحداد(الطاهر):خواطر . تحقيق وتقديم:محمد أنور بوسنينة ط.الدار العربية للكتاب1975 ص23/ص99 
28- امرأتنا ص21
29- م.س.صص117-118
30- م.س.ص39
31- م.س.ص43
32- مَيْ(محمد):حفلة تكريم كتاب”امرأتنا في الشريعة والمجتمع“.(تقديم وتحقيق).ط1تونس 1999 ص133
33- بوعشبة(توفيق): تونس والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ط1تونس2008، ص137

 34- م.س.صص140-144

 35- م.س.صص29-31/148-149

36- انظر:محمد بوزغيبة:السّنّة النبويّة من مصادر مجلة الأحوال الشخصيّة ضمن كتاب:مجلة الأحوال الشخصيّة:تأصّل في المنظومة الإسلامية ونموذج في الشراكة الفعلية .وزارة الشؤون الدينية.تونس2006 ص127.
37- م.س. صص122-123 
38- م.س .صص155-157، وانظر ضمن المرجع نفسه:منجية السوايحي:القرآن الكريم من مصادر مجلة الأحوال الشخصيّة صص75-116

المصادر والمراجع 
القرآن الكريم 

أ-الكتب ابن أبي دينار(محمد بن أبي قاسم الرعيني)
 *المونس في أخبار إفريقية وتونس ط1تونس1870. ابن خلدون(ولي الدين عبد الرحمان):ديوان العبر .تحقيق:أبو صهيب الكرمي .ط.بيت الأفكار الدولية د.ت.
ابن عاشور(محمد الطاهر)
 *أليس الصبح بقريب ط2 تونس1988
 *النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح. ط.تونس-ليبيا1979 
 *تفسير التحرير والتنوير ط.تونس-ليبيا (د.ت.) .
 *كشف المغطّى في الألفاظ والمعاني الواقعة في الموطّا. ط.الشركة التونسية للتوزيع د.ت.
ابن عاشور(محمد الفاضل)
 *أركان النهضة الأدبية والفكرية بتونس ط .تونس * الحركة الأدبية والفكرية في تونس ط الدار التونسية للنشر1972
 *محاضرات. تقديم:كمال الدين جعيط. ط.تونس1999 ابن عذارِي(أبو العباس أحمد)
 *البيان المُغْرِب في أخبار الأندلس والمغرب. تحقيق ومراجعة:ج.س.كولان -إ.ليفي بروفنسال ط3بيروت1983 ابن فرحون (أبو إسحاق إبراهيم)
 *الديباج المُذْهَب في أعيان المذهب .تحقيق:محمد الأحمدي أبو النور. ط.القاهرة د.ت. 
الأجهوري(محمد رضا)
 *الجذور التاريخية لمجلة الأحوال الشخصيّة.ط1تونس1999 بوعشبة (توفيق )
 *تونس والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ط1تونس2008 التونسي (خير الدين)
 *أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ط2 الدار العربية للكتاب2004 الثعالبي (عبد العزيز)
 *تاريخ شمال إفريقيا ط1دار الغرب الإسلامي 1987
 *روح التحرّر في القرآن تعريب وتقديم:حمادي الساحلي . ط1دار الغرب الإسلامي1985 الحداد (الطاهر)
 * امرأتنا في الشريعة والمجتمع ط الدار التونسية 1980 * خواطر جمع وتقديم محمد أنور بوسنينة ط الدار العربية للكتاب 1975 الدباغ (عبد الرحمان محمد)
 *معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان. أكمله وعلق عليه:أبو الفضل بن ناجي التنوخي. تصحيح وتعليق:إبراهيم شبوح. ط2مصر1968 الدرعي(أحمد)
 *حياة الطاهر الحدّاد. تحقيق وتقديم:محمد أنور بوسنينة.ط.الدار العربية للكتاب1975 الشرفي(عبد المجيد)
 *الإسلام بين الرسالة والتاريخ. ط1بيروت2001 الطالبي(محمد)
 *أمة الوسط الإسلام وتحدّيات المعاصرة .ط.سراس للنشر1996 طه (محمود محمد )
 *الرسالة الثانية من الإسلام ط.السودان1967 *الإسلام في رسالته الأولى لا يصلح للقرن العشرينط.السودان1969 عبد الوهاب (حسن حسني)
 *خلاصة تاريخ تونس ط تونس2001 عمامو (حياة)
 *أسلمة بلاد المغرب:إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل ط تونس2004 الكعاك (عثمان)
 * المجتمع التونسي على عهد الأغالبة ط1تونس 2009 المازري(أبو عبد الله محمد)
 *المُعْلِم بفوائد مسلم”.تقديم محمد الشاذلي النيفر: ط2تونس- الجزائر1988 المالكي (أبوبكر)
 *رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم. تحقيق:بشير البكوش-محمد العروسي المطوي ط.دار الغرب الإسلامي مخلوف(محمد بن محمد)
 * شجرة النور الزكية في طبقات المالكية .ط.القاهرة1349ه/1931 .
المصباحي (حسونة)
 *ثلاث منارات تونسية ط1تونس2008 مَيْ(محمد)
 *حفلة تكريم كتاب“امرأتنا في الشريعة والمجتمع”.(تقديم وتحقيق).ط1تونس 1999 مؤلِّفون *الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي وتجديد الفكر الديني وزارة الشؤون الدينية تونس1993 * السند التونسي في ممارسة الشعائر.وزارة الشؤون الدينية تونس2008.
 * تونس عبر التاريخ” ط1تونس 2007 . *دور القيروان في تأصيل المذهب المالكي ونشرة. وزارة الشؤون الدينية تونس2010.
 * مجلة الأحوال الشخصية :تأصل في المنظومة الإسلامية ونموذج في الشراكة الفعلية.وزارة الشؤون الدينية تونس2006 
النويهي(محمد):نحو ثورة في الفكر الديني. ط1بيروت1983 

ب-المجلاّت

الحياة الثقافية(التونسية) العدد ان 130- 205 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق