العراق السائر مغمضاً إلى الهاوية / شاكر الأنباري

ما يجري في العراق يستدعي التشاؤم، ويعطي اشارات على مستقبل قلق مفتوح على الاحتمالات جميعا. فتهجير السنة من محافظات شيعية كالبصرة والناصرية والعمارة وغيرها، وغلق جوامعهم، يفتح شهية التطرف المقابل لتهجير الشيعة من مناطق سنية. والجميع يعرف ما لهذا الحدث وتطوراته من نتائج على العراق، حيث معظم المناطق مختلطة، من الموصل شمالا وحتى البصرة جنوبا. وهذا ما يجعل المراقب يخمن أن ثمة قوى واعية تقوم بهذا الفعل وتستدرج المجتمع الى حرب طائفية ودينية تمزق الخارطة الديموغرافية في سياق أجندات يلفها الغموض. هذه الظاهرة، أي ظاهرة التهجير على أساس طائفي مؤشر مقلق جدا على سيطرة المتطرفين سنة وشيعة على مقدرات البلد، سياسيا واجتماعيا وماليا وميليشياويا، اذ سرعان ما تسربت هذه الظاهرة الى حزام بغداد أيضا، والى ديالى، وسامراء، وغيرها من مناطق الاختلاط.

لقد جرب العراقيون وعاشوا حقيقة ان التهجير المذهبي عادة ما يرافقه، او يعقبه، قتل على الهوية، وموجات من الهجرات الخارجية هربا من الموت، وتمزيق للهوية الشاملة. وهم دفعوا في أعوام ألفين وخمسة وستة وسبعة عشرات الآلاف من الأبرياء والضحايا الذين قتلوا على أساس الهوية فقط، ورغم أن ثمة ذرائع وتبريرات لهكذا تصعيد الا أنه ينطلق في الغالب من آيديولوجيات مذهبية وسياسية من دون أن تفسر السبب الحقيقي وراء تصعيد مثل ذاك. كما لوحظ أن تنامي ظاهرة التهجير الطائفي، في الفترة الأخيرة، جاءت مع تصعيد آخر يتناغم مع المخطط، وهو ارتفاع التفجيرات في معظم المحافظات، سنية وشيعية، وشمول بغداد بالحصة الأكبر منها، باعتبارها عصب البلد، والعاصمة التي تضم النسيج الوطني كله، وأكبر مكان مختلط بين الطائفتين، وتتحسس بشكل مباشر ما ينفذ من أجندات على صعيد البلد كله.

ما يجري في بغداد هو مهاجمة مناطق سكانية ذات غالبية شيعية بسيارات مفخخة وأحزمة ناسفة، يقابله بعد فترة قصيرة استهداف لجوامع ومناطق سنية، وهكذا دواليك. والأجهزة الأمنية تقف عاجزة تماما، أي لا دور لها في منع التفجيرات وحماية السكان من هكذا مخططات، رغم العدد الهائل لها، ونقاط التفتيش المزروعة في كل شارع وساحة، ما حدا بالبعض أن راح يشكك في وجود تواطؤات بين من ينفذ التفجيرات والقوى الأمنية تلك، وذلك لتسخير الدمار اليومي من أجل كسب الصراعات القائمة أو لتمرير سيناريوهات محلية او اقليمية. وهؤلاء المتشككون لديهم حجج مقنعة فيما يقولون. على سبيل المثال حادثة هروب مئات من القاعديين الخطرين من سجن أبي غريب في رمضان السابق، ووصولهم كما يقال الى سوريا لم يكن ليتم لولا تواطؤ ما على أعلى المستويات لتنفيذ هذه الخطوة. وسجن ابي غريب كما يقول اولئك المشككون يصعب اختراقه كونه محصنا بأعلى درجات التحصين، فكيف والقائمون على السجن أقاموا في ليلة الهروب وليمة فطور في الساحة الوسطية للسجن ما سهل سيناريو الهروب؟ أو ذلك التصريح الذي أدلى به الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع قبل أشهر حول امساك ارهابيين في المناطق الغربية ينتمون للقاعدة ومعهم كميات كبيرة من المواد الكيمياوية والسامة، بعدها بأسابيع تم ضرب الغوطة الشرقية في دمشق بغاز السارين، فما كان من النظام السوري، والداعمين له، الا ان يستشهدوا بتلك الحادثة العراقية ليقولوا ان من استخدم الغازات الكيمياوية هم المعارضة، أي الإرهابيون، أي القاعدة ربطا مع ذلك التصريح المنسق مع وزارة الدفاع العراقية. الطريف هو تنسيق السلطة العراقية مع حلف الممانعة، ومعروف ان التركيبة الحاكمة جاءت عبر القطار الأميركي في حرب الخليج الأخيرة. وثمة أمثلة كثيرة من الداخل يحيطها الشك والغموض حول ما يجري في العراق. هناك من يقول جازما ان التصعيد له علاقة مباشرة بالوضع في سوريا، وهو رأي قد يكون له بعض المصداقية، لكن هذا العامل يعتبر ثانويا جدا في البيئة العراقية، كون أسباب التدهور تقع في مكان آخر.

ليس جديدا تفجيرات العراق ووضعه القلق الدموي، لكن الانحدار المتسارع يكمن في سياسة الاستفراد التي بدأت تتبلور وتتغول في السنتين الأخيرتين. وهي تبدأ بهيمنة شبه مطلقة لرئيس الوزراء على القرار السياسي، والعسكري، والمالي، والاعلامي، يحيط به ويدعمه حزب يتطلع الى ممارسة هذا الدور هو حزب الدعوة، ثم يحيط بالجميع رؤية مذهبية طائفية تقول بأحقية تسيد طائفة الأكثرية في الحكم، وتهميش الطائفة الأخرى. هذا التوجه قد يفسر، كما يرى المراقبون، كثيرا من الأحداث الدموية. لم يعد هناك رئيس جمهورية، اذ ان مصير جلال الطالباني ظل غامضا، وحكم طارق الهاشمي السني بالاعدام، وحل محلهما في الصلاحيات خضير الخزاعي المنتمي الى ائتلاف دولة القانون. كما همش نائب رئيس الوزراء صالح المطلك ورديفه الكردي وحل محل الجميع حسين الشهرستاني المنتمي الى ائتلاف دولة القانون. اما مسؤولو الهيئات المستقلة فجلهم من هذا الائتلاف ايضاً، فيما يتحكم رئيس الوزراء بالأمانة العامة للمجلس، ومكتب القائد العام للقوات المسلحة، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، والاعلام الحكومي. ويفرض هيمنة واسعة على البنك الوطني. كل ذلك يجعل من رئيس الوزراء وائتلافه، القوة الوحيدة التي تدير شؤون البلد.

ان تهميش القوى المدنية السنية طوال السنتين الماضيتين، وعدم استجابة السلطة لمطالب مئات آلاف المتظاهرين في المحافظات السنية، وتسلط الجيش على مصير أوضاع تلك المحافظات، وسير العراق في ركب الحلف السوري الايراني، كل ذلك ساهم في تصاعد التطرف السني وأعطاه مشروعية لدى أبناء تلك البيئة، خاصة وأن هذا التوجه صاحبته رؤية مذهبية غير معلنة تربط السنة بالارهاب، يمكن قراءتها وراء الكلمات او خلف التصريحات، او يوحى بها، وقد يفسر ذلك موجة التهجير التي نراها في المحافظات الشيعية، وكأن الأمر تطبيق عملي لتلك الشكوك، والايحاءات، والتوجهات المبطنة.

الاحتفاظ بالسلطة المطلقة، هذا هو لب ما يجري في الآونة الأخيرة.

وللاحتفاظ بتلك السلطة تم تهميش عمل رئاسة الجمهورية أولا ثم البرلمان ثانيا والهيمنة على القضاء ثالثا وتحطيم القوى السياسية المنافسة بالوسائل كافة في نهاية الأمر. على سبيل المثال عمدت دولة القانون الى تشجيع عصائب أهل الحق الشيعية، ودعمها وتسهيل حركتها الميليشياوية من أجل ضرب التيار الصدري في الوسط الشيعي، وها هي مدينة الثورة في قلب بغداد تعيش مأساة ذلك الصراع.

ومن أجل ضرب رموز سنية معتدلة كأحمد أبو ريشة قائد صحوات العراق، عمد الى تأسيس صحوات جديدة موالية لرئيس الوزراء، اضافة الى ضرب التيار السني المعتدل ورموزه، وهو ما قاد الى تنامي تأثير شيوخ الدين المتطرفين وعودة الأصوليين، كل ذلك للوصول الى بيئة سنية لا يوجد فيها سوى التطرف. وليس من علاج لذلك التطرف ومواجهته سوى الجيش الذي يعتمد أساسا على العنصر الشيعي، وهكذا، دائرة مغلقة تريد الاحتفاظ بالسلطة عبر عسكرة العراق كله، ووضع مفتاح تلك العسكرة في يد القائد العام للقوات المسلحة.

لاحظ الصحافي عدنان حسين من جريدة “المدى” أن هتافات بالروح بالدم التي كانت تطلق أيام صدام حسين عادت هذه المرة في صالة المسرح الوطني، أثناء اجتماع نقابة المعلمين، لكنها تعالت بطريقة جديدة: بالروح بالدم نفديك يا مالكي، وكأن التاريخ يعيد نفسه بملهاة تبعث على البكاء في تاريخ العراق المعاصر. والاحتفاظ بالسلطة عبر طريقة مثل تلك يدرك العراقيون أبعادها جيدا، فهو يعني تكاثر الفاسدين والمزورين والقتلة والوصوليين، وانتشار البلطجة في دوائر الدولة ومؤسساتها، والاستقطاب الطائفي الحاد، وخلط الأوراق السياسية بما ينشر الشك والريبة بين الأحزاب والحركات والقوى الاجتماعية، وتدهور مريع في الخدمات، حتى لا يبقى ما هو فاعل سوى مورد النفط الذي يدر مالا، ومؤسسة عسكرية متضخمة لقمع المعارضين وتنفيذ المخططات المحاكة في الظلام.

وتظل ذريعة ما يجري في سوريا مسمارا آخر لتعليق التبريرات والذرائع حول ارتباك الوضع في العراق، لكنه مسمار ثانوي بكل الأحوال. هناك آراء عالية تتبنى هذه المقاربة، خصوصاً في وسط الاسلام السياسي الشيعي بتلاوينه كلها. والمعروف أن التطرف الذي تفشى في الثورة السورية لم يكن خيارا شعبيا للثورة. الثورة التي ظلت سلمية أكثر من ستة اشهر وكانت قياداتها الشابة الفاعلة من الليبراليين والناشطين المدنيين.

التطرف اللاحق هو نتيجة من نتائج العنف غير المسبوق من قبل النظام، ودعم دولي مضاد له قادته روسيا، مع تخاذل هائل يثير الشكوك وعلامات الاستفهام للغرب وأميركا والدول العربية وهي ترى شعبا يذبح امام العالم كله دون عمل أي شيء ذي بال. بالتوازي لذلك، يمكن نسبة تنامي التطرف في العراق الى الهوس العارم للاستفراد بالسلطة ومقدرات البلد حتى لو قاد الأمر الى تمزيق نسيج المجتمع بتلك المناورات الفجة والمكشوفة.

عن جريدة المستقبل البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق