أن تكتب يعني أن تكون لا أنت

الكتابة هي قدر، قد يبتدئ بأن يكون مرادف كسرة خبز، ليرتقي لأن يكون طوق نجاة من البله الساكن في هذا الوجود المكتظ بالبشاعة، و أن تكتب بروعة يعني أن تكون بالضرورة شخص يهرب من جنونٍ ما أومن موت ما، و الرائعون هم هكذا كما أعرفهم، كائنات داعبت خيوط الجنون و الموت ما من مرة، كائنات كان الأصل فيها البلاهة و الاعتياد، لكن في لحظة ما يتمزق البعض من وجودهم، فينذرون ما تبقى فيهم لكتابة المفتقد منهم.

في الكتابة شفاءٌ ما، أن تكتب يعني أن تسجل حضورك في هذا العالم.. قل كلمتك قبل أن تموت … هكذا قالها محمد شكري ذات بوح حارق، أن تكتب، لا لأن تكون نجم كتابة، أن تكتب، لا لأن تصير متعهد ثرثرة و أقاويل.. أن تكتب فقط لأن تغتسل من كل الحقارة و البله الذي يتلبسك في كل لحظة تنضاف لك في هذا العالم ، أن تكتب لكي تجيب نفسك عن أشياء تخجل من الوشوشة بها لداخلك، أن تكتب لكي تضفي على إمكانك الضئيل شبر تحقق إضافي..

الحياة هي محض كذبة، كذبة جميلة وهلامية لا حقيقة فيها، محض فقاعة لزجة و منتفخة، تنتفي و تتلاشى مع أول سؤال حارق، كذبة يجب علينا أن نتعايش معها و نتفهمها، أو نصنع لنا سردابا فيها، سرداب يحمل مذخراتنا، تلك التي تعطي لوجودنا في هذاالعالم/الكذبة معنى.. و أنا بعيدا عن كل هذا أفعل ذلك، ولي سردابي الخاص، فيه أشياء عديدة، ولي فيه تراجيع و زاد كزاد العابر . لي صوت السديسي الذي أحبه وهو يتلو القرءان بعين دامعة؛ صلاة الفجر في أول رمضان ؛ لي جلسات أصدقائي الفاسقين و ضحكاتهم المرتفعة، لي نكتهم البذيئة عن الله و العالم، و لي حيرتهم، و حبهم للعدم و الحياة ! لي مكر الأطفال، و ضحكاتهم حبر السلام في العالم، لي لا مبالات العدميين، و هتاف التابعين، و حكاوي الصحراء و الساحات..

و تراجيع الماضي تمتد أيما امتداد، و ما نحن سوى ماضي لا ينفك يكتب نفسه، و به كنت و كان أول ما كان ذاك الصبي الراحل عن عزيب الخيام، التارك ورائه صحراءً تمتد ما بين البحر والرمل، رسولا لوصايا القبائل .. أياك يا آبننا ثلاثا: النهر.. و قصور السلاطين (…) و واحدة أخيرة رفض الانصات لها . يتقلد لثاما مخضبا بعطر صبية سمراء تركها قرب شجر الطلح، و تميمة أمه تقيه من شر الأعين و نساء المدينة. كان طيبا و تتلبسه بداوة و عهد بالوفاء للصحراء لا ينمحي، ففيها أناس يحبهم وينتظرونه، أقصى أمانيهم أن تمطر السماء بانتظام، فيها السماء تهديدهم النجوم، و صوت سدوم ذاك الذي يبكي سكان الصحراء، وما أصعب أن يبكي سكان الصحراء.

رحل و في جعابه بُرد كتابة، يد في روحه تثبت الذكرى ، و أخرى تخط على البُرد ما تحكيه الرحلة، فكان الناس و العِبر، بعضهم يعلق في أهذاب الذاكرة و أخرين لا جديد فيهم كجل سكان الأرض، يولدون و يرحلون، صادف نساء لا كاللواتي يعرف، نساءٌ ينفثون بدخانهم تاريخ الذكورة المتكدس، و أخريات بلباس الأعاجم، لكن روائح بخور الحريم و السبي تنز من أجسادهم، رأى مهووسي الثورة، و اللامبالين، خدام السلاطين، وعجم يستهويهم الإله الشرقي، و عرب يستهويهم الإنسان الغربي، رأى و رأى .. و ما كان منه إلا صار ما رآه أو يكاد..

لتكتب عن الحياة أو تكتب هي عنك يعني أن تصعد قطار ماكندو، و تصلي مع السحرة، وتعتكف في حانة مع قديسٍ عابر، أن تمارس الحب العذري مع عاهرة طيبة، وأن تضاجع بتول مهووسة بالقيامة. لتكتب عليك أن تجلس مع إميل سيوران ليحدثك عن كتبه المكدسة لثلاثين سنة دون أن يقرأها أحد، أن تمر على لوسالومي لتسألها أأحَبك نيتشه ؟ أم كنت شئمه المنذور لنا بسخاء، لتمر بقلب حزين على زنزانة بوئثيوس كاتبا عزائك معه ومنصتا بخنوع لوصايا إلهة الفلسفة، وعند الانتهاء إستأذن إرازموس لتطلب من سقراط أن يصلي من أجلنا جميعا، و قبل هذا لا تنسى نداء الهنود القدامى ، أن لا تثق لا بالحصان و لا بالحداثة .
وللحب حظوة أو يزيد، حمق الحضارة الأقصى، ذاك المتساوي بؤسه بفرحه، لا سطح له و نخاله عمق العمق، هائمين حينا كهيبا الناذر نفسه للرب، اعتكف و ترّحل، في الطريق خذله قلبه فشطره لثلاث، أو كالوقور بافل فلاسوف ذات ثورة نسي قلبه فخذله، و غير بعيد عنه تُخنّق بيلاجيا فيلوفنا التي نذرت نفسها فداءً للعمال بعد أن فقدت أفظعهم .. تاريخ مديد طويلٌ من الطهرانية الفجة، خال الانسان أنه نور مضاء، و لا جسد في الأرجاء، و ما الحب يا مسكين إلا أجساد ترث كبتٌ مزركش بميتافيزيقا الحضارة. و الجسد هو الجسد يمارس البلقنة و يتطاول على أشباهه ليستمر.

و كانت هي في البدء و المنتهى السيدة البهية الجميلة، قدري و الحيارى، شفاءٌ من الموت سيد الأسياد و القابع فوق عرش العدم. أن تكتب يعني أن تنذر نفسك لأعين ما، تأتي بعد دهر أو يزيد، لتراك، لا بالضرورة كأحد الحكماء، أو واحدا من أسياد زمانك، يكفيك أن تُقرء كنص من نصوص أرشيف الحمقى و الفساق، أن تنذر ما تكتب ليمتد كحبل ود مع حمقى المستقبل و أحفادنا سفراء رفض العالم، أن تذكر أحفاد الرفض أننا لم ندخر كلمة في أن نسب العالم و نحبه، أن نكره الحياة و نمارسها بجنون، أن نكون أكبر من وجودنا الضئيل و أهم منه.. أن نكتب يعني أن نكون هم و السابقين .. و السلام السلام على العابثين الطيبين في كل زمنٍ وحين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق