تونس والثورة المسروقة / سالم سالمين النعيمي

تونس الدولة التي انطلقت منها الشرارة الأولى لـ«الربيع العربي»، الذي أصبح نذير شؤم للدول الأخرى في الشرق الأوسط الكبير، لا تزال تترنح من هول الضربة السياسية القاضية التي وجهت لقلب وعقل الأمة التونسية لإصلاح فوضى محاولات الإصلاح وما تركته تلك الثورة من أثر بالغ في شل الحياة السياسية في الدولة التونسية وانعدام التمثيل السياسي للشعب، وعودة الظلم الاجتماعي وإعادة كل أوجه فساد النظام السابق، وزعزعة الاقتصاد وانهيار المنظومة الأمنية وارتفاع معدلات البطالة لنسب غير مسبوقة، وتفاوت هائل في توزيع وتركيز التنمية الإقليمية.

وتتوالى النكسات منذ ذلك الحين، وأهم جدل مثار هو الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين في الدولة، وتقزيم النقاش الدستوري والاستقطاب المتزايد من النخب السياسية بمختلف أطيافها وتوجيه المتأسلمين المتطرفين المسيّسين رسالة صريحة لكل معارض، فالموت مصير المعارضة، فبعد اغتيال النائب البارز محمد الإبراهمي وزعيم المعارضة شكري بلعيد هناك محاولات خجولة لإقناع الشعب بأن السياسة هي شأن عام يشارك فيه الجميع، وقد أيقن الشارع أن ثورته لم تعد ملكه ولم يعد له الحق بمقتضى قانون عرف العنف السياسي السائد في البلد أن يقرر إلى أين تتجه الحياة الديمقراطية في المجتمع، ومدى انتشال الحياة المدنية من وحل الصراع القائم الذي يتغذى وينمو جراء أجندات النخب السياسية بغض النظر عن انتماءاتها وتأثيرها على مسيرة مضي الدولة قدماً وإعلان سيادة مبدأ ديمقراطية غوغائية الحشود الجماهيرية والترهيب والتهديد من المستقبل الغامض، وهي الديمقراطية الوحيدة التي تمارسها تلك التنظيمات والنخب والأحزاب، بالرغم من خريطة الطريق التي تم الاتفاق عليها السبت المنصرم والتي قدمت من طرف المركزية النقابية في تونس وثلاث منظمات أهلية أخرى، ووقعها حزبان في التحالف الحاكم الذي يضم حركة «النهضة» الإسلامية وحزبي «المؤتمر» و«التكتل» العلمانيين. ويعد الاتحاد العام للشغل في تونس أكبر الوسطاء الذين تدخلوا لإقناع الأطراف المختلفة بأهمية التحاور المباشر. يشار إلى أن جلسة الحوار الوطني التونسي انطلقت الجمعة بمشاركة 21 حزباً.

ويجب أن يبدأ التونسيون التفكير الجدي في تعزيز شراكة تونس والاتحاد الأوروبي وعلاقتهم مع الصين فما وصلت إليه تونس في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على المستوى الإقليمي يجب أن يستثمر على أحسن وجه، واستثمار انفتاح الدبلوماسية التونسية سابقاً على بلدان البريكس (البرازيل والهند وروسيا والصين وجنوب أفريقيا) والتي تمتلك 25% من ثروة العالم. فالتونسينون ليس لديهم خيار غير تحسين صورتهم أمام العالم، لإعادة رؤوس الأموال التي هربت، وإعادة ترميم وتطوير البنية التحتية الحيوية في البلاد وفق خريطة الطريق الجديدة حول المستقبل السياسي في تونس، بعد أن وقع على الاتفاق راشد الغنوشي عن حركة «النهضة» والمولدي الرياحي القيادي في حزب «التكتل»، ولا يعرف بعد إن كان عماد الدايمي ممثل حزب «المؤتمر» قد وقع على نسخة الاتفاق التي تسلمها، في انتظار تشريع قانون للانتخابات وإقرار الدستور الجديد لوضع حد للوضع المتردي على جميع الصعد.

ووقع الاتفاق من المعارضة الباجي قايد السبسي زعيم حزب «نداء الوطن»، وحمه الهمامي ممثل حزب «العمال» والناطق الرسمي للجبهة الشعبية (وهي ائتلاف يضم 10 أحزاب يسارية)، وبعض الأحزاب الصغيرة. وتنص خريطة الطريق على تقديم الحكومة التونسية الحالية استقالتها خلال أجل أقصاه ثلاثة أسابيع، ولكن حتى إن افترضنا جدلاً حدوث كل ذلك فالأمور ستظل كما هي ما لم يشرك الشعب غير المسيس في الحوار، وكبح جماح الحركة «الجهادية» في تونس، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، ووضع الجهات الفاعلة في تونس سياسياً تحت طائلة المساءلة من قبل لجنة وطنية مستقلة تتبع القضاء التونسي ولا تتبع إمرته مباشرة كسلطة تمثل طرفاً ثالثاً، يحق للشعب إقالتها إذا ما رأى تقصيراً منها في استفتاء مباشر، وهو حل إنقاذ للمواجهة المستمرة بين الجهات المتصارعة وتهميش القوى الثورية الحقيقية التي غادرت الشارع لتجد نفسها خارج اللعبة السياسية.

فالتحديات والإمكانيات للتعامل مع ذلك الملف أكبر بكثير من الطموح والعملية الانتقالية لم تعد شأناً تونسياً خالصاً، بل هناك عدة أطراف تلعب دوراً محورياً في النتيجة التي سيؤول إليها الوضع التونسي، فبين مصالح إسلام سياسي يتعاظم في الصعود علنياً وسرياً وقوى إمبريالية سياسية واقتصادية عظمى ومصالح إقليمية وعربية وإسلامية، تقف تونس في مفترق طرق وقد تكون كبش الفداء للصراع الجيو-إسلامي والصراع الدولي بالوكالة، وتقع الدولة التونسية بين فكي انعدام الأمن وعدم الكفاءة وسوء الإدارة من جهة وفشل الإسلام السياسي في تونس من جهة أخرى، والدور الهامشي للشعب بصورة عامة في السياسة وخضوعة لسطوة النخب حتى أضحت تونس من الدول المهددة في أن تصبح دولاً شبه فاشلة باعتماد كل المقاييس السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعيداً عن المزايدات. فعندما لا تستطيع الدولة حماية مواطنيها وما بين إضراب عام وانفلات أمني وانهيار اقتصادي يبدو الوضع في غاية السوء، وخاصة أن الحكومة الائتلافية (الترويكا) المكونة من «النهضة» واثنين من الأحزاب العلمانية، ستستمر في المناورة حتى بعد قبولها تقديم استقالتها.

والاستقالة لن تكون إقالة وستكون مربوطة بشروط وضمانات وهي بمثابة فخ ستقع فيه المعارضة وإجراء انتخابات حرة ستعود بـ«النهضة» بتحالف جديد على رأس الحكومة في ظل انعدام الثقة بين المعارضين العلمانيين والإسلاميين في السلطة، ووجود أزمة ثقة ولكن ثعلب الإسلام السياسي التونسي المحنك راشد الغنوشي بذكاء شديد سوف يرمي المنديل لوقت قصير ليعاود الكرة، بعد أن عمل بذكاء على هيمنة الإسلاميين على مؤسسات الدولة. وهي مسألة وجود وعقيدة ثابتة في نهاية المطاف لحزب «النهضة» الذي يناور لكسب الوقت، للبقاء في السلطة لأطول وقت ممكن لتحقيق أقصى قدر من حظوظه في الانتخابات المقبلة، ناهيك أن التحديات الأمنية الخطيرة التي تواجه البلاد لا يمكن التغلب عليها من قبل حكومة تكنوقراط عديمة خبرة في مواجهة حروب الإرهاب، وفزاعة حدوث فراغ في السلطة التي تلوح بها «الترويكا» وتجبر بها التونسيين في نهاية المطاف على التصويت لها، وإعادتها إلى السلطة لتبقى فيها هذه المرة بعد تحييد المعارضة في تحالف جديد يكفل لها تحويل ماركة الإسلام السياسي لحركة شيوعية إسلامية تعرف من أين تؤكل الكتف، وتقدم التنازلات المناسبة مستفيدة من فشل التجربة المصرية، خاصة أن الجيش التونسي هو مؤسسة محايدة وغير سياسية، وبالتالي فإن خطر انقلاب عسكري منخفض جداً.

وفي مواقف حاسمة أثبت حزب «النهضة» شيئاً من البراعة في ضبط النفس من خلال الهدوء السياسي والمرونة في خفض حدة التوترات، حيث إنه قبل مطالب المعارضة للدستور الجديد و التي تنص على أن الشريعة هي ليست المصدر للقانون التونسي وتعزيز حقوق المرأة، ومن ناحية أخرى أن أحزاب المعارضة لم تلعب دوراً مقنعاً لإظهار نفسها كبديل طبيعي ومنطقي لحزب «النهضة». وأظهرت المعارضة في بعض المناسبات نقصاً في النضج السياسي يحسب ضدها في بعض مواقفها المتعارضة، وعدم توحيد صوت المعارضة ورسالتها ولم تلجأ للخطب السياسية التي تنتقد الإسلاميين وتضع في الوقت نفسه بدائل تتمتع بحلول ناجحة، بل لجأت في بعض الأحيان إلى الإشاعات، بدلاً من تقديم رؤية سياسية خاصة بها، وبديل مجدٍ لقيادة المرحلة الانتقالية.

وتعتمد بعض قوى المعارضة على مؤيدي النظام القديم التي لا يزال يكتنفها انعدام في الثقة من قبل الشارع التونسي. بينما الأطراف الأخرى تفتقر إلى أي شعبية مؤثرة، ومعظم الأحزاب السياسية في الجمعية التأسيسية الجديدة تهمل الجوانب الاجتماعية والديمقراطية للثورة.

وفي المقابل تحتجز عقول كثير من التونسيين كرهائن من قبل هذا النوع من التطرف السياسي وتجاهل تام للخصوصية التونسية وهي قيم الدين الحنيف السمحة والوسطية، ورفض القوالب الجاهزة التي يريد فرضها أنصار الإسلام السياسي أو العلمانيون واليسار. والخصوصية التونسية تتمثل في المدرسة الزيتونية، التي تمازج بين الأصل والعصر، فهل يريد التونسيون التخلي عن ثوابت موروثهم الثقافي الديني وعرفهم الروحي؟

ومن جهة أخرى أن الحديث عن مقومات المجتمع المدني الحداثي في تونس ليست فيه مبالغة ولا شحن للعاطفة ولا تحريض، بل إنه حقيقة واضحة أمام الجميع تستدعي المزيد من اليقظة لعدم تكبيل حرية الإبداع والفكر بنصوص قانونية وربطها بالأخلاق وبالمقدسات، فالبديل الذي طلبه الشعب سلطة عمومية شفافة، وقد انتفض أيضاً ضد منوال تنموي يكرس التبعية والإلحاق، ولذلك طالب المجتمع بسيادة وطنية للشعب التونسي، وبالتالي تأسيس جمهورية مدنية ديمقراطية اجتماعية، ولهذا سرقت الثورة لأن ما يدور في الساحة واقعياً وما يحاك خلف الكواليس واتفاقيات وتنازلات الظل هي من سيحدد ما سيحدث في المستقبل القريب والمتوسط، وهو تكريس للممارسات التي قامت الثورة من أجل القضاء عليها، فمتى ستعود السلطة للشعب؟

عن جريدة الاتحاد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق