أسْرار الخيوط.. دونيّة المهنة

ولدنا ونشأنا بين الخيوط، نردّد كلمات مألوفة عن اللّحمة والسِدى والوشيعة والمغزل والمبْرم والمضّراب. كانت حياتنا ملوّنة بطبقات السجّاد وبيوت الشَعر المرصوفة في غرف الدار وبقوافل الأعْراب التي تظّهر بعد موسم الأمطار، حاملة معها الملح والحبوب، ولم نُدرك يومها المعاني الأخرى المخبّأة في الخيوط لحين سماعنا شتيمة أحد وجهاء الحكومة وهو يُعيّرنا بقوله (لقد جمعتم المهانة من أطرافها). يومها انتبهنا نحن الأطفال إلى أنّ شوارعنا، المليئة بالأوتاد المدقوقة في الأرض، لا يدخلها أبناء المدينة ويفضلون عليها الشّوارع البعيدة في مرورهم، وأنّ الحائك وصانع القهوة لا يجلسان في “المُضِيف” مع رجال القبيلة، وحُدّدَ مكانهما عند الباب حيث تُرْبط الحمير وتُخْلع الأحذية. هكذا ولدنا، نجمع العيب من أطرافه، لأمّ حَائِكة وأب صاحب مقهى.

غالبا ما تكون المدن الراكدة عند حوافّ الصحراء ساحة صراع غير معلن بين الرمل والبلل، قد يؤدي إلى استقرار بعض القبائل قرب النهر وإلى استكمال القبائل الآخرى رحلتها القديمة. أمّا المجموعات التي استقرّت فقد بقيت معزولة على أطراف المدينة، تتوارث مهنة الأجداد أكثر ممّا تبحث عن مِهنٍ جديدة، خوفا من قطيعة مع التاريخ تخبّؤها لهم خارطة الماء والهجرات، وخوفا من تهديد محتمل لمهنة الآباء أو إضعاف لمِهن أخرى مجاورة كالرعي والخزن والعتالة، فالمدينة ليست على الدوام رحيمة بالغرباء. نحن الغرباء “أهل الشط” لسْنا أوّل مجموعة استقرّت على الأطراف ولم نأتِ بمهنة الحياكة لمدينة “الديوانية” المنسيّة على نهر الفرات، فلقد سبقتنا إلى ذلك قبائل وبيوتات لها بصمتُها وسجّادتها في الأسْواق، وهناك حكايات يردّدها النّاس عن أولياء ومتصوّفة مارسوا الِمهنة وعاشوا في عزلة. إلا أنّ طبيعة المدن المتاخمة للصحراء درجت على التعامل مع أيّ جديد أو غريب لا ينسجم مع تقاليدها وإيقاع حياتها بقسوة وغرابة، تحدّد له مكانا وتنحتُ له لقبا وتنسج حوله حكايات مشحونة بإيحاءات اجتماعيّة وأخلاقيّة مؤلمة تتضمّن دلالات مرادفة للبدائيّة والتخلّف.. والعهر أحيانا. هكذا استمرّت حياتنا بالمدينة أكثر من مائة عام نحمل فيها إسم الجرف الذي نزلنا قربه: “اهل الشط” ولم نحمل بعد إسم المدينة “الديوانية”. لا يدخل بيوتنا زوّار كثيرون، يكتفي المارة من بعيد بالنظر إلى مظاهر المهنة المتجلّية في سدى الخيوط الممدودة قدام البيوت، وفي هيئة النساء المتلفعات بالسواد وهن يتبادلن وشايع لحمة الخيوط، وفي كثرة أعداد الأعْراب الباحثين بين بيوت الحاكة عن أحسن البضاعة وأرِخصها ثمنا.

بمرور الأعوام تعوّدنا، نحن الحاكة، على العيش في الهامش على الرغم من أنّ المدينة توسّعت وصرْنا نقطن في وسطها. حتّى أنّنا لا ندري متى تحوّل ظنّنا إلى قناعة بأنّ أسماءنا ومهنتنا وشعائرنا قدر لا يمكننا رفضه والتخلي عنه. فلقد وُلدنا “حاكة” نشعر بالدفء لأكوام الخيوط الموزعة في غرف النوم الباردة كجزء من مفردات الحياة اليوميّة. لا نتململ من غبار الخيوط في عيوننا وطعامنا. ألفنا العيش وسط أكوام لا تتشابك ولا تختلط فيها اللّحمة بالسدى، تستطيع والدتنا الحزينة والمجللة بالسواد، في لحظات، جلب ما تعوزه منها. في ليالي الشتاء الطويلة كنّا، نحن الأطفال، نقلّد شيوخنا ونمسك بأطراف الخيوط ونتبارى بمعرفة سنّ الحيوان وطعامه والجهة التي قَدِم منها. لقد علّمتنا مهنة الحياكة الصبر وقول الشّعر وتذوّق الجَمال في انسجام الخيوط، وجعلتنا نعيش الحياة والثقافة والتاريخ سوية. لكلّ عقدةِ خَيْطٍ أو ضربَةِ مضْرابٍ حضورٌ في شكل السجّادة النهائي، يشير تارة إلى العشق مستعيرا شكل قلبٍ بلونٍ حارٍّ أو عصفورةٍ في قفص مائلٍ للعتق، بسبب طبيعة الصبغة الأساسيّة للخيوط. وتارة تضيء الخيوط زوايا الطبيعة وتأخذ من الماء والنخل وخدود الرمان ألوانها، وثالثة ترمز إلى قباب وطقوس دينيّة ووجوه بعمائم متشابهة تشير إلى مكانة آل بيت الرسول(ص) في حياة الحاكة. إلا أننا لم نستطعْ إقناع المدينة بثقافتنا وخصوصيتنا، ففي المدن التي لا تزال نُظُمُها القبليّة ناشطة تكون مصطلحات العزل والاحتقار هي الأخرى ناشطة وتلبس أكثر من ثوب ودلالة ولا تقتصر فقط على المجموعات المهاجرة والحِرَفيين، بل يكاد يكون سلوكا يوميا في حياة العامة وبيْن الشرائح المتعلمة في المقاهي والمنتديات، وكثيرا ما نسمع سياسياً ينعت خصمه بـ“الفلاح وراعي الغنم” لغرض إسكاته وتسفيه رأيه. في حين ذهب بعض المتعلمين إلى جهة أخرى لا تقلّ خطورة تحوّلوا فيها من احتقار المهن إلى التّفضيل فيما بيْنها، وجعلوها مهنة تزدري أخرى، صار بفضلها صاحب المطعم يتعامل بفوقية مع بائع الشّاي، وهذا البائع ينظر بدونيّة إلى البائع المتجوّل، وهذا الأخير يحتقر مهنة التنظيف، ثمّ ينتهي الجميع إلى حالة من النفاق الجماعيّ يرددون فيها أمثالا وأشعارا تؤكد أنّ المِهن كلّها شريفة ما دام شرف الإنسان مصانا.

في نسيج الحياة اليومية للمدن التي تدبّ ببطء تتحدّد كمّية الإقصاء حسب العلاقة بالعُرف الاجتماعي السائد بالمدينة؛ بمعنى أنّ تعدّد خانات ودرجات الإهمال للهوامش والمِهَن “الدونية” تقف خلفه التباينات في المرجعيّات الثقافيّة التي تهيمن في هذه المدن، فاحتقار الحائك وبائع الشَاي تقف خلفه قيم بدويّة في الذكورة والغزو تحتقر الجلوس في البيت والعمل كالنساء، وإنّ مهنة بيع اللّبن (الدبّات) تشكّل فضيحة اجتماعيّة بسبب انتشار النسوة الدبيات في شوارع المدينة لترويج البضاعة، في حين أنّ التعامل مع الغجر يكون هو الأكثر قسوة وجلافة، وتقف خلفه قيم المجتمع الأخلاقيّة التي لا تسمح بخرق ناموسها، ولذلك ليس مصادفة أنّ نجد كلمة السرّ في إذلال الغجَر هي الشرف والأخلاق وقيم المجتمع، وغالبا ما يتم توكيلها لرجال الدين. أيْ أنّ الاختلاف بين المهن، من النواحي الاقتصاديّة والأخلاقيّة والتقنيّة، يترك وبشكل غير محسوس مساحة في الوعي الاجتماعي تحدّد درجات التعامل والتفهم إزاء بعض المهن دون غيرها، لغرض وضعها في سلم متدرج من الاحتقار(الدّعارة، بيع اللّبن، الحياكة)، ستصوغ المدينة وفقه حجم وطبيعة التبادل والتزاوج والتجاور. إبن المدينة بعد أنّ عبّر عن قرفه علانيّة في ذكرِ الغجر، لا يأكل معهم ولا يجلس إليهم ولا يجاورهم، نجده كذلك قد سَخَرَ من رعاة الجاموس وصوّر نساءهم سهلات المنال، ثمّ ألصق كلّ نكات المدينة وحماقاتها بالريفيّين المساكين القادمين من القرى القريبة. اِنتهى إبن المدينة، في رحلة الإقصاء، إلى أن يتوجّس خيفة من رؤية الحاكة “أهل الشط” ككتلة واحدة متراصّة، بفعل الخوف والفقر والتخلّف، يتعذّر اختراقها والتأثير عليها والدخول في شوارعها والتطلع إلى أبوابها وشبابيكها. هذا التوجّس أنتج بدوره حكايات مبالغا فيها عن الحاكة مليئة بالارتياب والاشمئزاز، ساهمت الذاكرة الجمعيّة في إعادة إنتاجها وتفخيمها ودق جرس تنبيه خوفا من أن يتعلم بين الحاكة صبيّ أو تنْبت لأحدهم أظافر. يومها شاعت قصص وحكايات غامزة عن أنّ انتشار البغاء ارتبط في أحد وجوهه بهجرة الريف إلى المدينة وبوجود الغرباء على الأطراف. تجلّى في إطلاق رجال حزب الحكومة، كلما مروا بالقرب من شوارع الفقراء “أهل الشط”، كلمات لا تليق بحقّ النسوة الحائكات الفقيرات الجالسات من الصباح إلى المساء يحكن بوجوه مزرقّة وأصابع متيبّسة ووشم على الكفّ أحال لونه، من الأزرق الشذري إلى الرصاصي الباهت، توالي الفصول وساعات العمل الطويلة. كلمات وشتائم من مثل “شطاوية قحبة، شيوعية منيوكة” تُشْعر سامعها بالمرارة، فكيف تتساوى الشيوعية بالعهر عند النسوة الباحثات عن أزواجهنّ في سجون الديكتاتور؟. الأمر الذي دفع الحائكة العجوز “ظلمة” إلى الردِّ على أحدهم بتلقائيّة تُعرف بها بين صاحباتها فقالت له “النيك إلنا مو إلكم” لتذكّره بأنّ ذلك ثوب النساء وليس الرّجال، ثمّ انقطع مرور رجل الحكومة بالشارع.

فقراء الحاكة يتندرون على خيوطهم بالقول هذا هو(حزننا الممدود قدام البيوت). كانوا كغيرهم من الحِرفيّين وأصحاب المهن اليدويّة لا يخفون تبرمهم من أوضاعهم، وكثيرا ما تُسمع في بيوتهم مرّ الشكوى بسبب انحباس المطر وكساد البضاعة، أو يُلحظ تملْمل الحائكة من الخيوط بسبب عدم متانتها وانقطاعها أثناء العمل ومن ثمّ انقطاع استمرارية الحائكة وسلسلة أفكارها، لكن الحائكة سرعان ما تعود وتسأل عن المرأة التي غزلت أو برمت الخيوط بهذا السوء لغرض إلقاء اللوم عليها، فالخيوط غالبا ما تُغْزل في بيت وتُحاك في بيت آخر، بسبب طبيعة تقسيم العمل. على الرغم من كثرة المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تواجه الحاكة إلا أنّهم لم يلقوا باللّوم على الخيوط وكانوا، بحكمة نهريّة، يلقون اللّوم على من تغزل وتحيك تارة وتارة أخرى على طبيعة المناخ التي تؤثر بالماشية وتارة ثّالثة يلقون اللّوم على الأسواق التي تتلاعب ببضاعتهم، تجلّى ذلك في قصائدهم وأغانيهم التي تتغزل بالخيوط وتذمّها بحبّ وعتب وتنقْيها من العيب. ويروى عن إحدى الحائكات، أمّ الكاتب، قولها شعرا في تبرئة الخيوط (الغزل مابيه صوج صوج الغزل بيه/ ما عكَد راس الخيط واتوجد عليه).

البقاء في الهامش أدى، تلقائيا، إلى تعميق الإحساس بالدونيّة وإلى أن ينكفئ الحاكة لحياتهم الداخليّة. صارت فيها أدوات الحياكة “المغزل، المبرم، الخلال، المضراب، الجاز، الخيوط، الألوان” التي يصنعها رجال القبيلة بأيديهم، تختزن ثقافة إنسانيّة خاصة وعميقة تحوّلت بمرور الأعوام إلى مفردات حكيٍ وعملٍ ووسائل اتصال بين أفراد المجموعة. لكن الرجل، استحياءً، لا يُكثر في الحديث عن دوره ويترك تفاصيل الحكاية للنساء. صحيح أنّ المرأة، الشطاوية، هي سيّدة المهنة ولها الدور الرئيس في سير العمليّة الإنتاجيّة ولكن هذا لا يعني أنها الوحيدة في ذلك فهناك خبرات متراكمة عند المجموعة وهناك الدور الخجول للرجال في عمليات النقل والبيع واستلام الأموال، إضافة إلى مساهمة الأطفال والشيوخ. إنّ طبيعة شرقنا الحزين الّتي اختصرت حياة المرأة الحائكة في البيت، جعلتها قليلة الخروج والتأثر بحياة المدينة، تجلس طوال الأيام والأعوام عند عتبة الدار تحيك وتحكي وتجلي الذاكرة، فشكل المغزل ودربة الأصابع وأعوام العزلة والجلوس في حضرة الألوان أعطى الخيوط روحا وحكايات وخصائص أسّست لبصمة المجموعة وذاكّرتها وثقافتها. باتت فيها اللّحمة والسدى والوشيعة والمضراب مفردات تضيء المعيش وما يبطنه من فقر وصراع ومعاناة، وحركة أياديهن ترتّب أفكارهن وذاكرتهن وهن يحِكْن ويحْكِين عن الثورات والسجون والمنافي، غير عابئات بالمسافة التي تفصل بين اللسان وبين القلم. أجيال من السياسيّين والمنفيّين والسجناء تلمظوا البدايات من أفواه النسوة المتربعات على طرفيّ السجادة أو الواقفات في المطبخ أو المتجمعات عند عتبة دار في حيّ “أهل الشط” قبل أن يتعرفوا على قصائد مظفر النواب النديّة وقوانين كارل ماركس التاريخيّة. لقد جعلتهنّ المهنة المحتقرة اجتماعياً راويات من الطراز الأوّل، صار فيه التداخل المنسجم بين السدى واللّحمة، بين الجمال وشظف العيش، بين الغموض والمعاناة أشبه بمنظومة قيم تسجل فيها أياديهن أنماط حياة المجموعة وأساليب عيشها. ومن جرؤت أقدامه ودخل بيوت الحَاكة يستطيع بسهولة الربط بين حياة المرأة الشطاويّة ومزاجها وثقافتها وبين أسلوبها في الحياكة، فبناءها للتنور واختيارها لملابسها وتوزيعها لأثاث المنزل نجد له حضورا في مناخ السجادة، في انحناء النخلة والْتفاتة الطير وعين الغزال. ومَنْ يقتربْ مِن السجادة أكثر سيشمّ فيها رائحة الخبز والزيت البلدي والحلاوة المحروقة التي تسربت من أصابعها إلى الخيوط، فالحائكة الّتي تعمل في الشارع غالبا ما يشوط طبيخها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق