أيّام

تتلاطم الأفكار في رأس جليلة الحلبية. اهتزت رقبتها إلى الأمام بطريقة عفوية. ينحنى ظهرها حتى لا ينكسر. شعرت أن أحدًا يراقبها. غرست ساقيها في بطن الحمار الذي لا يتحرك. لم تلتفت جليلة وراءها وفكرت في أسوأ الاحتمالات. بلعت ريقها ثم أفرغت صدرها من هلاوس نجع الواحاتي.

على مشارف النجع امتلأ صدر جليلة برائحة كل مرّة. يبرد قلبها وينسحب عرق جبهتها. الرعشة التي ورثتها عن الجيلانية، تتحرش بأعلى كتفها اليسرى، ثم تنزل إلى مفصل ركبتها اليسرى. تتماسك الحلبية وتضرب النّشْو على رقبة حمارها. كان متعرقًا ومُرهقًا، لدرجة أنه استغرب الضربة. أنزل الحمولة على الأرض مغتاظًا، ورقد على جانبه الأيمن، يتأمل أول طريق الجبل.

الحافة الغربية للنيل جمّدت جليلة لخمس دقائق متصلة. لا يفهم الحمار الراقد وراءها ماذا يجري. تُحرك قدميها فلا تستجيبان. تبحث عن الحمار كأنها لا تراه. دارت حول نفسها فارتفع صوت أذان الظهر من مسجد النجع. نهق الحمار ووقف. امتطته جليلة فمشى ببطء. كانت صاحبته تتمتم بعبارات غريبة وتبكي.

لا أحد في نجع الواحاتي يعرف أن جليلة هي أيام، وريثة عرش الحلب، وابنة الجيلانية، الملكة المُحاربة التي حكمت الحلب ثلاثين عامًا. جليلة اسم غير شائع في الأسر التي حكمت الحلب، ولا خطر منه أبدًا.

في نجوع الجبل، تتداول الناس أن أيام ماتت من الحُمى قبل وفاة الجيلانية بشهرين. بكاها الحلب، ورقصوا حول سريرها الخشبي يوماً كاملاً. غسّلتها الجيلانية بالماء المخلوط بحبّات الملح والنعناع. عطرتها وزينتها بأساور من الفضة، ودفنت معها خصلة من شعرها لحفظ روحها من القلق. ألبستها ملكة الحلب جلبابًا من الحرير الناعم، طرزته بالأزرق والأحمر.

حلب النجوع يرفضون هذه الرواية. يقولون فيما بينهم إن الملكة أيام حيّة، وستظهر يومًا. اختفت بعد استسلام الحلب مباشرة لبركات الواحاتي. فتش عنها الواحاتي في بيت الجيلانية، فلم يجد سوى أوانٍ فخارية ومشغولات من العاج والصوف. أحرقها كلها في الحال. عندما لم يجد أثرًا لأيام، نادى في رجاله أن الحرب انتهت.

تشتم جليلة روح الجيلانية كلما اقتربت من أول النجع. حوّل الواحاتي بيت الجيلانية إلى زاوية للصلاة. اختار أضعف رجاله إمامًا على الناس، وعين له مقدارًا وفيرًا من الغلال. في إحدى الجُمع التي تلت هروب الحلب قال الإمام إن الله اختار الواحاتي فاتحًا ليُطهر النجع من نجاسة الحلب، أبناء الجان. صدّق الواحاتي واحمّر وجهه، ثم هلّل رجال النجع. زاد الشيخ أن الحلب يُقدّمون المرأة على الرجل ويرتضونها حكَمًا، ويدعونها ترقص، وتشارك في الحرب، وتركب الخيل والحمير، وتلبس الملابس المُلونة، وتمشي في الشوارع بدون بُردة.

تسمع جليلة أصواتًا وزغاريد متشابكة. قبل عشرة أعوام من هزيمة الحلب قادت الجيلانية ملكة الحلب حربًا في الحقول ضد عصابة الواحاتي. أرسل الواحاتي صبيًا برسالة شفهية إلى ملكة الحلب يطلب منها الاستسلام مقابل عودتهم إلى الجبال آمنين.

أبلغت الجيلانية الصبي أن الحلب سيقاتلون حتى آخر قتال دفاعًا عن أرضهم المقدسة. بعد أسبوع قتل الواحاتي صبيين حلبيين كانا يستحمان وسحبهما الموج إلى غرب النيل. فصل الواحاتي رأسيهما قبل أن يرميهما على حافة الحلب.

ترأست الجيلانية مجلس حرب عقب وصول النبأ. حضرت النسوة والرجال. تكلمت الجيلانية بصرامة شديدة، وقررت ترك الجثتين مكانهما. لمّا ملأت الرائحة العفنة حماس الحلب أعلنت الجيلانية الحرب على غرب النيل. تسلح الحلب بالسيوف والدروع التي مسّتها الجيلانية بخدها الأيسر. قرأت عليهم الجيلانية تعويذة سامان جدة الحلب وصرفتهم في أربعة مراكب بعد الفجر. النسوة المتزوجات تركن أطفالهن عند بيت الجيلانية وتزودن بالملح والطبول وركبن مركبًا خامسًا. احتمين فوق جزيرة صغيرة. كن يراقبن المعركة ويصدرن إشارات وزغاريد، إذا رأين أحد رجال الواحاتي يتسلل وراء رجالهن.

الفتيات العذراوات بقيت ترقص أمام بيت الجيلانية وتدبدب فوق الأرض. باغت الحلب خيمة كان ينام فيها عدد من رجال الواحاتي. قتلوهم جميعًا وأسروا صبيًا كاد يهرب بكيس مملوء بالسكاكين. هرب الواحاتي وابنه وعشرون رجلاً، تاركين راية سوداء في خيمة كبيرة هدمها الحلب. توافد الحلب على بيت الجيلانية يقبّلون يديها. رقصوا ساعتين على ربابة حلبي عجوز. خطبت فيهم الجيلانية، ومسحت بيديها على رؤوسهم ثم رشتهم بمسحوق المَحْلَب والملح والماء المخلوط بحجارة بيضاء. بعدها قامت مع خمسة رجال ودفنت الصبيين في قبر واحد، وأشعلت نارًا ورقصت حولهما.

في غير أيام الحصاد تقتات جليلة على بيع الحكايات والملابس الداخلية للنسوة. تشتري بضاعتها من سوق الأحد وتقايضها بقروش وخُبز شمسي وسمن. تسرح ببضاعتها خمسة أيام وترتاح يوم الخميس لتخمير حكايات النجوع. صباح كل جمعة تطهو حصيلتها فيتجمع معها كوم كبير من الحكايات.

بمجرد دخول جليلة حدود النجع ترجّلت عن حمارها. ليس مسموحًا في نجوع الجبل أن تركب الحلبية دابة، لأنها ستكون أعلى من رجال النجع المترجلين أو الجالسين فوق المصاطب. ضمّت جليلة رقبة الحمار إلى صدرها وطرقت باب زبونتها الأولى. فتحت زوجة حصاوي وأدخلتها إلى غرفة جوانية قُرب مكبّة كبيرة. من بين ثلاثة اختارت الزوجة قميصًا أحمر ودسّت عشرين قرشًا في جيب جليلة. همست لها عن النار التي اشتعلت في قضيب زوجها حينما رآها بقميص النوم الأسود.

قابل حصاوي حمار جليلة في مدخل بيته. قبل أن تنتهي جليلة من كبس قطعتي جُبن ورغيفي خبز في كيس صغير. سلّم عليها الرجل وطلب منها أن ترتاح وتشرب معه الشاي. أخفقت الحلبية في إنهاء مهمتها بسرعة كما خططت. ناولتها المرأة الشاي، فسندته جليلة إلى جوارها وبدأت تحكي سيرة سراج الماسخ بسرعة.

أوقفها حصاوي، وقرقع كلوح خشب. قبل أن تدمع عيناه طار في الهواء، فكشف جلبابه عن سروال مخروق كليًّا. اهتز جيش الميكروبات في فكيه المقوسين. كاد قلبه ينفجر. فاجأته حكاية جده التي سمعها مرّات. الماسخ هو الذي أسس النجع وبنى البيوت وروض البهائم وعلم النجوع الكلام. تلتقط جليلة أنفاسها.

تناولها فتاة غائرة العينين كوبًا من اللبن الصافي، لتغيير ريقها بدل الشاي الذي سُكب على الأرض. أعطاها حصاوي قرشين ولم يغلق فمه. طلب منها المزيد عن جده. كتمت جليلة ضحكة ساخرة ثم أغلقت جفنيها لارتجال الباقي. ساد الصمت في أرجاء السقيفة عندما سألها: “وقتل كام واحد من الحلب يا جليلة؟”. تخشب وجه جليلة وحدّقت في حصاوي كأنها ستبلعه. لولا شقوق الباب الخشبي، كانت السقيفة انفجرت من غيظ الحلبية.

“دم كتير ياحصاوي”. تنفست جليلة العبارة كأنها تحتضر. تدخّل حمارها ورفس حصاوي في بطنه. نهق الحمار كأنه غير راضٍ عن رفسة واحدة. مسحت جليلة على رأسه ثم طيّبت بخاطر حصاوي الذي كان يعوي من الألم.

فازت جليلة بخبز شمسي وغُموس يكفيها يومين. لا يخبز حلب نجوع الجبل إلا بعد موسم الحصاد ثم ينفد منهم الخبز بعد أيام. عوّدوا مِعَدهم على غيابه. حلب الجبال لا يأكلون الخبز. يطبخون اللحم باللبن في أوانٍ فخارية. يشوونه في كوانين تقف على حجارة. في الصباح يفطر الحلب الشاي المخلوط بلبن الماعز. يضيفون إليه المَحْلَب لتقوية أجسادهم.

قبل ثلاثين عامًا كان الحلب يتجمعون مرة سنويًا عند قبر الجيلانية. يتوافدون من كل النجوع والسهول في نهاية الأسبوع الأول من فصل الصيف. تلبس النسوة الجلابيب المزركشة الجديدة، ويرتدي الذكور ملابس سوداء. تزغرد النسوة وتلف حول قبر الملكة المحاربة. يرقصون حتى التعب. يعزف أكبر الحاضرين سنًا على ربابة، ويرتجل الجميع أغاني حلبية تتوافق مع الإيقاع.

يرشون حبّات الملح فوق قبر الجيلانية ثم يأكل الأطفال الحلوى. تشاركهم جليلة الطقوس وتلاعب الأطفال. قبل أن يتفرقوا يتلاصقون في دائرة كبيرة ويحكون عن فضائل سامان الملكة الأم. تتوالى الحكايات عن وريثاتها الملكات الراحلات: سميعة ووهيبة ثم أزمان وصولاً إلى الجيلانية ذات البأس الشديد. عندما يأتي الدور على جليلة تقص كلمات بسيطة عن الجيلانية، ثم تعود لبيتها وحيدة، دون أن تكشف سرها لأحد.

لم تغادر جليلة نجع الواحاتي. هزّت رقبتها ثم هرشت فروة رأسها. جرّت نفسها أمام الحمار من التعب. المسافة بينهما وبين بيت يوسف الطناني عشرة أمتار. طرقة واحدة كانت كافية لنشر رائحتها. انفتح الباب الضيق على مصراعيه، فصرخ رجل ضخم البنية وزوجته. سحبا جليلة إلى سقيفة البيت. “يادي الحّزون!. المَرَة كنّها ماتت؟”. عندما أفاقت جليلة غسلت وجهها من التراب، ثم أركبها الطناني حمارتها وأوصلها لأول الطريق المؤدي إلى الجبل.

في منتصف الطريق إلى بيتها أفاقت جليلة كليًّا، عندما وقعت من فوق الحمار. انجرحت جبهتها. يسكت الحمار الذي لا يعرف سبب اختلال الحلبية. رغم حرارة الشمس وصلت جليلة مُبتلة كأن أمطارًا غزيرة غمرتها. أثقلت الخطى وراحت تبحث عن تفسير لسقوطها على الأرض. الألم الذي يضرب كتفها أبقى صدرها مشحونًا بخفقان وسخونة. حينما أبصرت المصطبة الحجرية جف قلقها ثم ارتفع معدل أنفاسها.

رغم التعب الشديد الذي يجتاح رقبة جليلة تتحرك نحو غرفتها بثبات. تنظر إلى عُقد أمها الفضي في شقّ عميق في الحائط. قبل موت الجيلانية بيومين وشوشت لابنتها أن تُبقي اسمها الأول سرًا بينها وبين خالها الميرازي. قالت لها الجيلانية إن الأرواح يجب أن تظل بعيدة عن أيام حتى تبلغ العشرين. ساعتها تحكم الحلب بالعُقد وتفصح عن اسمها الأول.

عندما ماتت الجيلانية لم يصدق الحلب الخبر. توافدوا على بيت الملكة وظلوا يبكون ويرقصون حتى تورمت أقدامهم. كان عمر أيام أربع سنوات. غسّلت النسوة جسد الجيلانية بالمَحْلَب والنعناع والملح. ألبسنها جلبابها الكبير ومشطن شعرها بعد أن غسلنه بالماء الدافئ. لفها شقيقها الميرازي في شال صوف كبير وأخرجها في سقيفة بيتها ليلقي الحلب عليها النظرة الأخيرة. قبل كل سكان النجع خدها الأيسر. قبل خروج جنازتها إلى الجبل تقسم الحلب إلى مجموعات. كل مجموعة دارت حولها ورقصت لتوديع الجيلانية. جلست جليلة إلى جوار كفن أمها ولامست سيفها الذي دُفن معها ثم قامت ورقصت مع أطفال النجع.
استمرت مراسم الحداد على الجيلانية شهرًا كاملاً. غادر غالبيتهم النجع التعيس الذي قتل ملكتهم ورفض الباقون الحكم المؤقت للميرازي. كان وصيًّا على الطفلة زبيدة ابنة الجيلانية والملكة المقبلة على الحلب. توقفت مظاهر الحياة في النجع وهُجرت البيوت. مشى الميرازي في الجبال يقنعهم بالعودة إلى النجع، لكنهم واجهوه بالرفض.

بعد شهرين هاجم الواحاتي نجع الحلب الفارغ من سكانه. لم تتبق إلا أربعة بيوت وبيت الجيلانية. قتل الواحاتي أطفال البيوت الأربعة واستعبد الرجال والنساء. هربت زبيدة مع خالها بأعجوبة حتى وصلا إلى نقطة وراء الجبل. اختار الميرازي لزبيدة اسم جليلة حتى لا ينكشف أمرها، لكنه لم يخف الوشم المرسوم على كتفها اليسرى.

اختفى الميرازي في كهف صغير خمسة أعوام حتى توقف بحث الواحاتي عن الحلب. استقر الميرازي وجليلة في خيمة قريبة من قبر شقيقته، وبعيدة عن النجوع بمسافة آمنة. كانا يفككانها في وقت الخطر، ثم يعودان إلى نفس المكان. علمها الخال طهو الحكايات. كان ينزل في وقت مبكر يبحث في الجبال عن المَحْلَب.

ورث الميرازي عن شقيقته الجيلانية قراءة الطالع وطريقتها في الحكي والجدل. عندما بلغت جليلة الحادية عشرة من عمرها علمها كيف تنسج حكاية وتغنيها. قص لها حكاية جداتها الملكات الحلبيات. ظهرت مواهب جليلة العفوية مبكرًا. كانت تجادل خالها وتسأله أسئلة صعبة وترتجل حكايات متماسكة.

أوصاها الميرازي بالبحث عن حلب الجبال إذا وقع له مكروه. أهداها سيفه وربابته ولفافة صوف من رائحة الجيلانية. ضربته حُمى شديدة ومات عندما بلغت جليلة عامها العشرين. بكت حتى احترق قلبها. رقصت حوله يومين، وغسلت جسده بماء مخلوط بالنعناع وإكليل الجبل. حرقت جليلة المَحْلَب والنعناع فزال عنها الصداع وقويت عزيمتها. بالقرب من قبر الجيلانية، دفنت الميرازي مع جلابيبه الخمسة وعصا من الخيزران وحجر أحمر وبذور محلب.

تخلع جليلة طرحتها وتمسح الدم الذي يلطخ وجهها. تدعك أنفها في صحن البيت فيخرج طرف حكاية. ابتسم خداها لأنها بدت حكاية كبيرة. بحثت عن منديلها الأخضر ومسحوق المحلب. قررت جليلة أن تجلس على فخذيها تحت الشمس. كتبت بأصابعها في الهواء وأبعدت راحة يدها عن سطح المنديل. أغلقت عينيها وفرحت. ضحكت فاهتز صدرها. رأت الجيلانية الشابة ترمي البلح فوق رؤوس أطفال الحلب، الذين اصطفوا لتحية موكب الملكة أزمان.

كان الموكب متجها من الجبل لرمي الملح في النيل. تمسح جليلة عينيها.غرقت أزمان واختفت جثتها عندما نزلت وحدها تبارك أبناء الحلب، الذين بلعهم النيل في الشهرين الأخيرين. عامت الملكة حتى وصلت منتصف النيل. جرفها موج شديد وغرقت. توقف الحلب عن الرقص عند حافة النيل. عام الرجال ولم يجدوا أثرًا للملكة الشجاعة. أشعلوا النار فوق أرض سمّوها نجع الحلب. بكوا ورقصت النسوة ملكتها. في صباح اليوم التالي نصّب الحلب الجيلانية ملكة عليهم. صنعوا لها عُقدًا يشبه عُقد أزمان واستقروا في نجع الحلب.

أفاقت جليلة على صدى صوت يضرب الجبل. ضربه مرتين واختفى. بدا كشخص يصرخ. أخرجت جليلة بندقيتها من الخزانة الحديدية وخرجت. مشّطت محيط البيت فلم تعثر على شيء. كان الحمار نائمًا من الإرهاق.

في صحن البيت جمعت ما رسمته وطبقته في منديلها. سحبته إلى مستوى صدرها واحتضنته كرضيع. تنظر الآن في الأرض وتتراجع خطوتين. كانت سحلية ذهبية تهرب بسرعة من حرارة الشمس. فردت جليلة منديلها ثانية. من صندوق خشبي تُخرج جليلة أدواتها: عنبراً ومنديلاً مزركشاً بالأحمر والأخضر وحجارة سوداء.

تلف المنديل حول رقبتها وتشد طرفه السفلي على صدرها. التوتر ظاهر في جبهتها التي تؤلمها. بدت جليلة كقابلة في ولادة متعثرة. صبت الشمس أشعتها عند الطُبّاعة، ثم تحركت باتجاه الحمار. كانت الأمور على وشك الانتهاء. تركز الشمس خطوطها العمودية على أقدام الحلبية. لم تُخزن جليلة تفاصيل طبختها واكتفت بالمفاتيح الكبيرة. تحرك جسدها الثقيل وتنتظر بشغف غربلة حكاياتها صباح الغد.

عندما يعود صدى الصوت ويختفى تُشعل جليلة نارًا في سقيفة البيت وترمي فيها المَحْلَب وحجارة. لا يغيب الميرازي عن بالها. أحبته وشربت روحه أكثر من الجيلانية. كان يخلط الكلام بالمحلب والعنبر ويرميهم في النار، ثم يرمي حجارة سوداء عندما تشتد النار ثم يتركها تتحول إلى رماد.

في اليوم التالي يُخرج الحجارة ويفرشها تحت الشمس. خبّرها أن الشمس هي روح الحلب. حكى لها أن الجيلانية ورثت طهو الحكايات من أمها وباقي الملكات. كانت تختار الجيلانية يومًا مُشمسًا كل عام لتخطب في بقايا حلب الجبال الذين يرفضون حياة الاستقرار في النجع.
تجادل خالها الميرازي كأنه يجلس إلى جوارها. الحلب يعيشون في الجبال لأنهم يخافون من النيل الذي لا يحبهم. النيل الذي قتل الملكة أزمان. يعيشون في الجبال خوفًا من النقمة. لم تقابل جليلة حلب الجبال إلا نادرًا. عندما تمر على حلب نجوع الجبل الخمسة تكتشف تناقص أعدادهم. تقص لهم حكايات عن تاريخهم. تقبل أولادهم وتوزع عليهم حلوى. تُخفي عنهم اسمها الملكي. يحكي عواجيز الحلب معها عن ابنة الجيلانية التي قتلها بركات الواحاتي. تقول لهم إنها هربت وستظهر لو تجمع الحلب. يضحكون على كلامها فتتوقف عن الحكي حتى لا يشي بها أحد.

تشك جليلة في أن الحلب سيتجمعون يومًا، رغم أن الواحاتي مات منذ عشرين عامًا، وضعف النجع من بعده. يعيش الحلب وسط الفلاحين كأقلية منسحقة على أطراف النجوع. يبيتون في خيام من الصوف. المحظوظون منهم يعيشون في بيوت صغيرة مؤقتة تغطيها عيدان الذرة اليابسة. لا يحملون أوراقًا ثبوتية كباقي الفلاحين ويمتهنون الحدادة والرقص في الأفراح واصطياد الثعابين. تغرس جليلة سيخًا في النار وتنظر إلى حمارها الذي يتابع الحركة.

ترقد جليلة إلى جوار الحمار وتنظر إلى السماء. غاب الميرازي عن نظرها سريعًا. كان يقود شباب من الحلب يمسكون سيوفًا ذهبية. يغير الميرازي على نجع الواحاتي. سبقته سيوف كثيرة وكلاب وخناجر مسمومة. قتل الحلب شابين من النجع وسرقوا بهائم ورموا ثعابين فوق البيوت. لم يتمكنوا من الوصول إلى العمدة حوّاس ابن الواحاتي لأن الخفر قاوموهم. رمى الميرازي كيسًا من البلاستيك فوق عتبة بيت العمدة. لمّا فتحه خفير بلعه ثعبان كبير. تبحلق جليلة ويخفق قلبها. صعد الثعبان إلى غرفة كبيرة في بيت العمدة.

تصرخ جليلة. تتصارع أنفاسها للخروج من صدرها. كانت الجيلانية ترقد في الغرفة بدلاً من العمدة. اختفى الميرازي واحتمت جليلة بالنافذة. التف الثعبان حول الجيلانية فقفزت جليلة في الهواء. استردت جليلة أنفاسها وضربت بطن الحمار فرفسها.

قبل أن تستكين دقات قلب جليلة سمعت من يطرق بابها بعنف. كانت الشمس على وشك الغروب. لم تأخذ جليلة حذرها رغم انتشار عصابات الملثمين الذين يسكنون وراء الجبل. كان مرعي الحلبي يرتجف كبهيمة. استأذنته جليلة لدقائق ودخلت غرفتها. استيقظ الحمار المرهق وأفسح لعازف الربابة مكانًا. يتلفت مرعي حوله فيجد جوال البضائع مرميًّا على الأرض. يرفعه ويسنده إلى جدار. تلف جليلة حول نفسها في الغرفة ولا تعرف سببًا لزيارة مرعي.
عندما عادت حكى لها مرعي عن الذئب الذي طارده بين الصخور. كان أبوه يقتل الذئاب وينشف جلدها ثم يضيف للربابة وترين من شجر الخيزران فيخرج صوتها حادًا. كان أبو مرعي من سكان نجع الحلب الذين هجروه بعد موت الملكة الجيلانية. يخيّم مرعي بالقرب من جليلة الحلبية قبل أسبوعين من موسم الحصاد. يرتب معها مواعيد زيارة حقول نجوع الجبل ويلف على حلب النجوع لتقسيم الحقول بينهم وبين جليلة.

قابلت جليلة مرعي منذ خمس سنوات. نزل النجوع بعدما مات قطيعه بسبب قلة الأمطار. رأته جليلة في أحد حقول نجع الحاجر. أعجبها عزفه وأعجب الفلاحين. يجهزان حكايات طازجة للفلاحين ترويها جليلة بطريقة تناسب أنغام الربابة. لكل عائلة حكاية في رأس جليلة ولكل حكاية إيقاع عند مرعي. تأخذ جليلة ثلاثة أرباع الفلوس الفضية وتترك له كل القّت.
تظن الحلبية أن مرعي ضيع ربابته القديمة ويريد صُنع أخرى. تغيرت ملامح الضيف عندما رأى منديل جليلة والحجارة تتوزع فوقه بإتقان. لم تكشف جليلة سر حكاياتها لأحد. يراقب مرعي المنديل ويستأذنها. يغلق الباب دون أن يرفع وجهه حتّى في الحمار الذي يبتعد مسافة كافية عن مقادير جليلة.

أربكها سلوك مرعي. تشعر جليلة بقلق وتحاول أن تفهم. نفس الصوت الذي سبق زيارة مرعي يرنّ الآن في الجبل. عندما يتوقف الصدى لا تخرج جليلة من غرفتها مباشرة. سبقها الحذر إلى صحن البيت. تأكدت أن سيف الميرازي في يدها. وقفت ثم تسّحبّت وراء أذنيها ولم تسمع شيئًا. قلّبت جليلة كلام مرعي في رأسها. لم يقل شيئًا. لم يسألها عن حكايات موسم الحصاد. لم يخبرها عن حلب الجبال الذين يعيش معهم معظم شهور السنة.

يخيّم بالقرب من قبر الجيلانية قبل الحصاد بأسبوعين تقريبًا. يُلحن ما يناسب حكايات جليلة ويتفق معها على طريقة ونصيب الربابة في كل حكاية. يبني جُرنه قبل أن يعود من حيث أتى. ترفع جليلة حاجبيها ولا تُنزلهما. لم ترَه يمسك سيفًا ولا حتى عصا عندما دخل عليها. قال إنه أفلت من ذئب. كيف يفلت ويداه فارغتان؟. لم تسمع جليلة صوت ذئاب في المرة الأولى والثانية. الصوت الذي تكرر لا يمكن أن يكون صدى لصوت مرعي لأنه كان رفيعًا كالحرير. دخلت جليلة غرفتها ثم خرجت تفكر في الهواء إلى جوار منديلها الذي لا يقول شيئًا.

تتلفت جليلة ناحية الباب. تشعر بضربات قلق متوالية في كتفها. يحفر الحمار في الأرض كأنه يفتش عن شيء. تسحب ريقًا ناشفًا يصل مداه إلى رأسها. تعرف أن لكل ملكة حلبية فأل شؤم يسبق موتها. ماتت سامان بعد يومين من ضربات برق ورعد. كانت أول ملكة وأكثرهن عافية ودهاء لكن قتلتها كمية زائدة من المَحْلَب. الملكة سميعة جافاها النوم ثلاثة أسابيع فماتت من الإرهاق. وهيبة ماتت غرقًا في النيل كابنتها أزمان.

تجاهلت جليلة غبار الحمار ونامت حتى الصباح. سمعت حركة أنفها. كان الميرازي يُشعل نارًا ويضيف إليها نعناعًا وخشبًا. هدّأ من روع أيام التي كانت ترتعش من برد الجبل عقب الهروب. عضّت أيام لسانها ثم فتحت فمها للهواء فضحك الميرازي. أشعل لها حكاية الجدة سامان التي كانت تخلط زيت الياسمين بالنار وتحكي للحلب حكاية العائلة الحلبية التي تحولت إلى ماعز سمين أكله الحلب في أيام مجاعة شديدة.

تتقلب جليلة على جنبيها وتتنفس كأنها ستموت بعد دقيقة. يُقلب الميرازي الحجارة في النار. أمسكت جليلة بسيفه وخرجت على نهيق الحمار. وضعت له ماءً وشكرت السماء التي أضاءت الجبل. بعدما ردمت جليلة حُفرة الحمار فوجئت باليوم التالي يدخل غرفتها.

بعد طلوع الفجر تزينت جليلة كملكة حلبية. غسلت وجهها ودهنت رقبتها ووجهها بزيت له رائحة الورد والمَحْلَب. ارتدت جلبابها الأزرق المنقوش بهلال أحمر في الصدر. وقفت ونظرت إلى قدميها. شعرت أنها أطول من المُعتاد. استغربت وأنزلت مؤخرتها على المصطبة. فشلت في غلق عينيها ثم شعرت بتورم في قدميها. خفق قلبها وهاجمها الصداع فاستيقظ الحمار.

نظرت جليلة إلى باب غرفتها الذي يبتعد. لم تفتحه وراقبت شمس الجمعة من فتحة الباب. لم تطلع الشمس بعد والحكايات لا تتوهج. لمّعت سيف خالها وأخرجت مسحوق المَحْلَب. لبست عُقد الجيلانية فراح الصداع. عَرَق الجيلانية شدّ رقبة الابنة فأشرَقت الشمس. من فوق حذائها الأسود حوطت جليلة صحن البيت ثلاث مرات. رفعت يدها اليسرى فوق كتفها كأنها تحملها. تمتمت بكلمات قصيرة حفظتها عن الميرازي، ثم جلست.

يراقب الحمار جليلة في خشوع. قامت ورقصت للشمس كي تُنضج حكاياتها. تلونت الحجارة بألوان خضراء. رشّت المحلب فوق الحجارة فتحولت إلى اللون الأزرق. لا تخرج الحكاية إلا من الحجارة الحمراء. رمت جليلة مسحوقًا من إكليل الجبل وبقدونسًا ونعناعًا. الرائحة جمّدت جليلة كتمثال. كانت الحجارة تتحرك فوق المنديل وتتفحم واحدًا تلو الآخر، حتى أنه احترق بسرعة.

هربت جليلة إلى غرفتها. الخيبة خلطت دموعها بالكُحل، ومنعتها من التفكير. شعرت بحركة غريبة في أمعائها. عندما زاد الألم خرجت لقضاء حاجتها في الجبل. بدّلت جلبابها، وخرجت بسيفها. سمعت صرخات متقطعة ناحية قبر الجيلانية. عندما اقتربت أبلغها مُبيض النحاس، حرزاوي، أن حلب النجوع يتجهون إلى النيل لإغراق صبية حلبية ، اغتصبها رجل مُلثم، ناحية الجبل، ليلة أمس.

عندما عادت جليلة إلى بيتها، دفنت الحجارة المنحوسة في التراب. كوّمت ملابسها وحاجياتها في جوال البضائع، وحوّطت البيت بأقوال حلبية، تحفظه من السرقة في غيابها. ركبت حمارها وسلكت دروبًا وعرة في الجبال. مرت على سهول ونباتات جبلية وكهوف. هاجمتها ذئاب لكنها أشعلت في وجوههم نارًا ولوحت بسيفها الطويل. لم تعثر جليلة على مرعي أبدًا. كل الحلب الذين قابلتهم جليلة كانوا عجائز. قابلت حلبًا لا يضعون لفّة الحلب حول رقابهم. قابلت نسوة يلبسن ملابس سوداء غريبة، ولا يضعن الحِلقان. استمرت في بحثها عن مرعي، ولم يدلها أحد على مكانه.

بعد أربعة أيام، مات حمارها من العطش، وغابت هي عن الوعي فسقطت فوق جوالها. وجدها عجوز من الزوامل. سحبها إلى خيمته ودهن بطنها ووجهها بزيت إكليل الجبل. لمّا أفاقت جليلة رأت وجوهًا كثيرة تُحّدق فيها. توافد عليها حلب الجبال وقبلوا يديها ومسوا بأيديهم عُقد الجيلانية. لم يفارقها الوهن وضيق التنفس وغابت عن الوعي مُجددًا. طحن لها العجوز مَحْلَبًا، أوقف خفقان قلبها وأنعش روحها.

لم تختم الملكة أيام حكايتها. غرقت العجوز في دموعها عندما أتت على ذكر جيش الحلب الذي دكّ المستوطنين وحررّ النجع. بينما يسود السكون رؤوس الحلب، تقوم أيّام وترقص وسط دائرة من النسوة والرجال. رشّت الملح على رؤوس الأطفال الذين يرقصون على طريقتها.

تقهقه أيّام وتلمع عيناها في ضوء الشمس. هللّ الصغار عندما مسّت رؤوسهم ووزعت عليهم حلوى. تتحسس أيام جبهتها وتجلس من التعب. تلحقها ابنتها، شهْربان، ببذور مَحْلَب، لإنعاش فُتات الحكايات.

رضوان آدم : قاص وصحفي مصري.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق