مستوطنات على الوجوه / سحر مندور

ترى الإضافات على الوجوه موحّدةً في كيفية بروزها عن الوجوه. تشبه حالها حيثما حلّت، ولا تبذل كثير الجهد للتأقلم مع الوجه الذي يستضيفها. تراها تملأ فراغاً لم يكن يُنظر إليه على أنه فراغٌ قبلها، وإنما كان مرتعاً للخصوصية، رقعة ظهور الملامح الخاصة التي تميّز وجهاً عن آخر. هذه الرقعة هي مستوطنات عمليات التجميل، فيها تحلّ وكأنها أرضٌ بلا بشر. لكن إلغاء الخصوصية ليس هدف عمليات التجميل، فالخصوصية في الشكل ليست حاضرةً على سلّم اهتماماتها. تلك الأراضي الفارغة تحتاج إلى استثمار، ناطحات سحابٍ في نواحي العاصمة، جرعات البوتوكس في نواحي الوجوه. تُنفخ، تُحقن، تُكوى، تتغيّر، ويتبادل الناس الإطراء على أدوارهم المجتمعية، ويتبادلون النظر أيضاً.

الرجال يخضعون لعمليات التجميل، وأعدادهم تتزايد لكن القليل يُحكى عنهم، لا يُعترف تماماً بـ«تجميلٍ» لهم. وذلك بحثٌ آخر، غنيّ بالدلالات، ولا يزال كامناً. أما النساء فهنّ موضوعٌ مفضل في الحديث العام. لهنّ معادلات موحّدة في الأنف، والخدود، والشفتين، التجاعيد، الذقن، … والمجتمع قادرٌ على تضييق الاحتمالات حدّ إلغائها، طالما منحه الفرد سلطة فعل ذلك. من دينامية البيت إلى الوطن، ومن خصوصية النفس إلى المجتمع، تتضافر عوامل كثيرة ليتطبّع المجتمع مع هذا القدر من التدخّل في الوجوه.. بينما تراه يحاكم أشكالاً يكاد ينحصر خروجها على «المألوف» بقصّ الشعر.

طعم العمر

إن حياة لبنان في بعض نواحيها تشبه عمليات التجميل ولربما تحفّزها. فكلاهما يقول للناظر إليه: الحاضر هو الآن، ويا ليت الغد يشبه الأمس. هناك دائماً أمسٌ ما، يشدّ البلد المأزوم نحوه، وتلك حال مفهومة في ظل الحياة هنا، ومفاجآت المستقبل. في بيروت، ربضت عمليات التجميل على سطح الصورة، لم تكتف بتعديل نفور أنفٍ هنا، أو تجميل لهذه الناحية التي تزعج صاحبتها فحسب، وإنما انسحبت على صناعة وجه جديد، تقريباً. وجهٌ يشي بأنه يخفي ما لا تريد أن يظهره، وتلك وشايةٌ مربكةٌ أسيرة. وجوهٌ تبلغك على امتداد ثواني الصحو، بأنها ترفض الحال التي هي عليها حدّ استبدالها. ترفض التقدّم في السنّ، ترفض السنّ الذي تقدّمت نحوه. ترفض الخبرة التي اكتسبتها، ترفض ما جنته من العمر المسجّل عليها.

والحال ليست قمعية، يحق للمرء أن يرفض ما يشاء في نفسه، وأن يتقدّم في السن على قلق. لكن المجتمع هنا يغذّي الرفض بأدوات الهروب، وليس التحليل والصبر. فيتم التركيز مثلاً على أن شباب المرأة هو عمرها المرغوب، ما قبله قابلٌ للانتهاك وما بعده قابلٌ للرمي. مرحلةٌ من الازدهار بين الطفولة واليأس. شيء كهذا يتكرر على ألسنةٍ كثيرة، وفي مواقع كثيرة، يبلغ النساء يومياً بالأدوار المطلوبة منهن، وبالأشكال التي يستقبلهن بها «مجتمع النجاح». وهو في الواقع يبلغهن بضرورة الامتثال أكثر مما يبلغهنّ بمعايير الجمال.

وتحكي نساء كثيرات عن رغباتهن هنّ بامتلاك الوجه الجديد. يحكين بامتلاك القدرة على التغيير، فلمَ «الاستسلام» للحال؟ ويحكين عن بساطة المسألة، وعن المبالغة في نقدها وفي توصيفها. ومنهن من تحكي عن عدم رغبتها برؤية تجاعيد لا تعرف كيفية التآلف معها، لا تظن أنها فعلت ما يستحقها، أنها عاشت حتى بلغتها، تجاعيد لا تأتي من هذا الوجه. سيداتٌ كثيرات يحكين صراحةً عن صعوبة التقدّم في السن داخل مجتمعات ليست أليفة تجاه التقدّم في السنّ. لكل قصة مدخلٌ خاص، وهذا أكيد. ولكل جراحة درجة وعي مختلفة تبديها الخاضعة لها، وهذا أكيد. لكن المسألة برمّتها هي مسألة عامة، وليست مسألة خاصة. ليست مسألة حدودها فردية، وإنما الفرد يفصّل مساحته داخلها. المسألة عامة، فيجد المرء نفسه في صالة انتظارٍ مع أمهات ونساء متحلقات حول سيدةٍ تختصر في شكلها كل فعاليات مهرجان ريو دي جانيرو. هنّ يطلبن منها النصح، والإرشاد، وأرقام هواتف الأطباء. فالمسألة ليست خاصة، هي حراك اجتماعيّ في ساحةٍ ملأى بالوجوه التي تم التدخّل فيها حتى باتت تكشف أكثر مما تخفي من العمر ومن سواه.

الإشهار

أتى الخروج بعمليات التجميل من السرّ إلى العلن كآلية تطبّع وتطبيع في آن. وهو خروج لم يكن فقط من السرّ وإنما أيضاً من السخرية. والسخرية تترافق عادةً مع الإدانة، فكان لا بد من قلب المعادلة بحيث يصبح الوجه الخالي من عمليات التجميل هو «العجيبة» في بلدٍ يحتاج دائماً إلى أن يكون الأجمل. لا بد من قلب المعادلة، بحيث تصبح عمليات التجميل دليل تفوّق اقتصادي، طبقي، عصريّ… دليل تفوّقٍ ما.

ولم تتحرك عجلة الخروج من مأزق السرّ والسخرية إلا لأسباب اقتصادية. إذ إن المرأة ليست عنوان تطوّر في المجتمع، وإنما هي ركن أساسي من أركان المحافظة فيه. فتحرّكت العجلة على إيقاع الحركة التي جعلت عمليات التجميل قطاعاً «منتجاً» في لبنان، إن للبنانيين أو لمن يقصدنا من المحيط العربي. قطاعٌ يتلاقى فيه رجال الأعمال عبر زوجاتهم فيدعّمون الاتحاد المصلحي. يتلاقى فيه المنتمون إلى طبقة أو الراغبون في الانتماء إليها، هذا طبيبنا وذاك طبيبكم، هذا أنفنا وتلك خدودكم. القطاع يحتاج إلى فخرٍ بالذات لتتحرّر حركته المالية من قيود الإدانة والسرّ، ويصبح ملجأ وحلماً في آن. القطاع يحتاج إلى قرضٍ مصرفي اسمه «قرض التجميل»، يؤكد للفتاة أن عملية التجميل هي سبيلها إلى الوظيفة والزوج والحياة الكريمة، يساعدها على دخول عيادات النجوم من أطباء التجميل: رجالٌ أخضعوا الجمال لمعادلات جراحية، يمتلكونه في اليد والعين، أضحت عياداتهم مرافق أثرية، وباتت حساباتهم المصرفية سبباً إضافياً في إعادة إنتاجهم. في المقابل، هن كثرن. نساء عمليات التجميل، بتن قوّة تقدر على فرض الشكل ولجم الألسن. لن ينكرنها ولن يخفينها وليست تهمة. أما الخارجات على هذا الشكل فلسن المرجعية، وربما هنّ غافلات عن طلب الجمال، أو يأتين من أفكارٍ غامضة عنه. وهكذا، مُنحت عمليات التجميل صكّ البراءة من الصيت الاجتماعي الذي رافق بزوغها.

وإذا بات الصيت ماضياً سحيقاً بين فئات مجتمعية دخلها التجميل أولاً بفضل قدراتها الماديّة وسطوتها المجتمعية، فهو صيت يهدأ شيئاً فشيئاً كلما دخل بيتاً لم يعتده سابقاً. إذ زرع «الأقوياء»، عبر الشاشات وسواها، المشهد المجمّل في كل عين. ستألفه في بيتها، وستألفه على صغيرة السن كما على كبيرته. لا ضرورة لأن تمرّ السنوات قبل أن تتبناه الفتاة. شكلٌ ذو دور، يُشتهى حتى قبل حلول التجاعيد، ويدّعي توحيد المتقدّمة في السنّ مع صغيرة السن. لكن الشابة التي اعتمدته لتنتمي إلى العالم ذاته باكراً، أوضحت عبر بقية ملامحها وملابسها وجسمها وتصرفاتها فوارق السن. وبذلك، أضحى «التجميل» شكلاً موازياً للشكل «العادي»، فيه المسنّة وفيه الصبيّة، فيه الجميلة التي سخت عند اختيار الطبيب فأصابت في استثمارها، وفيه التي أخطأت الخيار والميزانية و«ما نجحت عملياتها»، وفيه سواهما. سلّم اجتماعيّ إضافيّ، له أحاديثه، له طبقيته وفوقيته ودونيته وظواهره.

وهو قطاعٌ بديل يمدّ الدورة الاقتصادية ذاتها ومبادئ المحافظة الاجتماعية ذاتها، بكثيرٍ من الدوائر المنتفخة، وبشكلٍ واحد. كأنه معسكر، لكنه «الجمال». كأنه معسكرٌ، بنكهة حرية الاختيار.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق