عالم بحجم شاشة الكمبيوتر / ايمان حميدان

هنا، أقرب الى عالمي المشوش المضطرب، اقول لنفسي، حين تهبط الطائرة في المطار الفرنسي آتية من أندونيسيا عبر أمستردام بعد 17 ساعة طيران وانتظار. هنا المكان الاقرب، منه أتابع اخبار مصر وسوريا كما اتابع اخبار لبنان. بلدان كأن حبل سرة لامرئي متصل بينها. مرايا تعكس بعضها من دون ملل.

العالم صغير جداً، يكاد يكون بحجم شاشة الكمبيوتر. نكتشف فجأة اننا لم نعد نحتاج الى اكثر من ذلك. تُقرّب المواقع الاجتماعية من المسافات بين الناس الا انها في الوقت نفسه منبر للخلاف. البراكين المستمرة في العالم العربي اعادت تشكيل المواقف. صفحات الفايسبوك مثال قوي. الفايسبوك بات يشبه تلفزيون الواقع حيث تُجيَّر الحياة الحقيقية لحساب مُفترض يعتقد فيه المرء انه مسموع من العالم…. وأحيانا يشبه «لهاية» الأطفال، نُدمن عليه لتخفيف القلق، فيما نستهلك الحياة بصمت في مكان آخر.

من على صفحات الفايسبوك أقرأ ان بيروت صُنِّفت في الدرجة الـ21 في قائمة أفضل 25 مدينة في العالم بحسب استفتاء مجلة «كوندي ناست ترافيلير».

Condé Nast Traveler

يفرح اللبنانيون بخبر كهذا، ليس لأن مدينتهم في هذه اللائحة فحسب، بل لأنها المدينة العربية… بل المدينة الشرق اوسطية الوحيدة على اللائحة. نستمع ايضاً الى تصريحات جبران باسيل واعتراضه على وجود اطفال لاجئين سوريين في المدارس اللبنانية. لكن المؤشرات التي تعتمد عليها مجلة سياحية كهذه لا ترصد تصريحات المسؤولين، ولا مصادرة سيادة بلد بأكمله وتقسيم قراره بين ولاء لممانعة إقليمية وولاء لموالاة إقليمية أخرى. وجهان لعملة واحدة يتساويان في الإجرام وفي تغييب أي حق من حقوق المواطنين. مؤشرات المجلة لا ترصد أيضاً الجرائم المرتكبة أسبوعياً والموجهة بمعظمها ضد النساء، ولا حالات التعدي على الحرية الفردية، هذا من دون ذكر الفساد والسرقات واستهلاك المواد الغذائية الفاسدة. إزاء كل تلك المفارقات الكارثية يبقى البلد سعيداً بمدينته التي تستقبل العالم في فنادقه ولا يتسع صدر مسؤوليه لأطفال لاجئين. ترتيب سياحي كهذا لبيروت هو هش ويتأرجح على كتف هاوية كبيرة وعميقة… قد يتغير بشكل دراماتيكي في أي لحظة. لا شيء اكيد تماماً لا شيء…. كرفاهية العيش في بيروت، كالسلم، كوقع الحياة اليومية، كأن تستيقظ صباحاً وتجد إشارات السير تعمل وتبتسم لأن بلدك يشبه بلدان العالم، وتقول إنه نهار جديد وجيد…. كأن ترى باصات المدارس تسير وتتأكد ذلك الصباح ان كل شيء على ما يرام وأننا ربحنا يوماً جديداً لا موت ولا حرب فيه. أو كأن ترى في هشاشة المدينة فنّاً ما بعد حداثي يتماشى مع روحك القلقة. سحر بيروت في هشاشة تتجاوز بمفارقاتها جاذبية مطعم وبار وأوتيل. سحر نبض حي يقاوم الموت ويولد مع كل إشراقة شمس.

الساعة الوحيدة التي تفرّق الوقت بين فرنسا ولبنان لا تعني شيئاً في زمننا الذي تملأه حوادث وتغيرات لا قدرة لنا على استيعابها. رغم ذلك نستطيع عبر المواقع الاجتماعية مواكبة حركة الزمن بدقائقه.

أن أكون هنا بعيدة عن بيروت يعني اولاً ان أعتاد على الطقس الرمادي وأن أعتاد على غياب الشمس الدائم. أن اعتاد ان المشي اليومي لن يكون قرب البحر. لكن الاعتياد صعب، أحتال عليه وعلى وقع الحياة هنا. أغذي احتيالي هذا بثيمات تغدو عالماً موازياً. أحملها معي الى حيث أقيم. هي زاد للطريق.

هنا حيث نقيم وحيث لا شمس سوى للحظات. نتجرع فيتامين E من الصيدليات عوضاً عن شمس غائبة. رغم ذلك تبقى باريس مدينة النور. نحن نعيش في قلب المفارقات، ليس فقط في الشمس والنور بل ايضاً في ما يتعرض له «الروم» في فرنسا او ما يسميهم البعض أحياناً بـ«الجيتان». ما زالت قصة ليوناردا تتفاعل في فرنسا نتيجة سلوك السلطات السيئ اتجاه الفتاة، الذي يُعد مخالفاً للقوانين الفرنسية ولقوانين الاتحاد الاوروبي. قصة ليوناردا تملأ صفحات الجرائد وشاشات الاعلام… في الوقت عينه ثمة عشرات على الاقل من الاطفال الفلسطينيين والسوريين ماتوا في عرض البحر اثر غرق السفينة الليبية التي كانوا على متنها قبالة السواحل الايطالية.

رغم زحمة المواقع الاجتماعية ورغم مواكبة الجميع لأي حدث… لم يسأل أحد لماذا كان هناك اكثر من 100 طفل عربي على متن سفينة ليبية!

كأن تلك المواقع تلقمنا الخبر لكن قبل ذلك تنزع منه فتيل السؤال! فتيل التفكير بما نقرأ ونرى.

كأننا نغدو في مهرجان سياحي للمعرفة، من دون سؤال، من دون شعور، سوى خدر يشبه لحظات ما قبل النوم.

[

لم ازر باريس يوماً كسائحة. لم ازر برج إيفل ولا رأيت ضفتي السين وأنا في مركب. أجد نفسي في الغالب في صالة من صالات السينما الصغيرة التي لا تتسع لأكثر من 50 كرسياً والتي تعرض افلاما قديمة لا نراها حتى في صالات نيويوركية. أمشي في الحدائق وطرقها الترابية وجوانبها التي تنتشر عليها الكراسي بإهمال أخّاذ، أجوب الشوارع الصغيرة في روائحها وأصواتها ومقاهيها، والأرصفة التي تمتلئ وتفرغ كل لحظة، وجنون الطقس يفاجئ ويستدعي شهقتنا كل مرة.

نرى هذه المدينة ليس فقط بعينين اثنتين بل بعيون كثيرة وبأمزجة مختلفة تتأرجح بين بطء نعتمده ونحن نمشي في شوارعها ونشعر ان الزمن يتمطى ويمشي الهوينا كخطواتنا، وبين إلحاح يبدأ ذات صباح باكر يقذفنا خارج أسرتنا الى فضاء لم يمتلئ بنور الصباح بعد.. لنتابع مقتضيات سكننا هنا في مدينة ما زالت تحب الورق والرسائل الادارية. نحن الأهل والغرباء… علينا إتقان رموز التواصل في مكان لسنا منه. هل يروننا كغرباء او نحن نرى انفسنا هكذا. هل هي اللغة التي تزيد من الغربة ام أنها مسائل أكثر تعقيداً وعمقاً. تكتب الروائية العراقية عالية ممدوح في روايتها الاخيرة «الأجنبية»، التي قرأتها بحب، لتصف لغتنا على لسان المعلمة الفرنسية «ألا ترين كم هو الاختلاف في كل شيء. لغتك من شجرة لغوية لا علاقة لها بأشجارنا اللاتينية».

لكن الكاتبة عالية ممدوح تعلم جيداً ان هناك ما هو أبعد من اللغة، فتكتب في مكان آخر من روايتها «هناك نظام قائم وهو يتشكل من الرموز والشيفرات والتأويلات ولا علاقة له بمعرفة او إتقان اللغات(……). إن اللغة في تلك اللحظة، اللحظات لا تعود ما تتفوه به وتنطقه أو تكتب به الخ.. إنه العيش بحياتين مختلفتين وربما متناقضتين تماماً. والأمثلة لا تحصى وهي مريرة جداً».

الاختلاف هو أبعد من لغة، وقد يكون أكثر من حياة. لكي نضيّق الهوة بين تلك الحياتين المختلفتين، او بين الحيوات الممتدة على مدى هجراتنا نُعيد بيتنا اينما ذهبنا، نصنع مثيلا له. نستعيد ما كان لنا في مكان آخر، وفي زمن آخر، رغم يقين عميق ان الاستعادة مشروع حياة فاشل منذ بدايته. نستعيد لنؤكد بالنهاية غياباً ما، نقصاناُ من الصعب ملء فراغه. وأنا هنا، أحاول أيضاً ان أقترب مما كان لي في مكان آخر. لكن مع الاقتراب أجد ثمة امراً جديداً يولد ويكبر. يكبر في الكلام وفي الوجدان وفي المكان الجديد. في العلاقة مع الناس والطقس وحركة الوقت. بهذا المعنى لم تكن ابداً حيواتنا منقطعة نهائياً عن حيوات اهل البلد الذي يستقبلنا. يكون بيتنا غريباً في البدء، ثم يغافلنا الوقت ويتحوّل البيت إلى جزء من «نحن»، جزء من «هم».

لا أنفكّ احاول الاقتراب. قد تكون طبيعة ثانية تلك. كما في أي سفر طويل أبدأ بصناعة مكاننا الصغير. أبدأ بالشرفة التي أملأ جوانبها بأصص من الورد والزنبق والغردينيا. هي نفس الازهار الموجودة على شرفة بيتنا في بيروت. ثمة محاولة يومية لتدجين المكان وصبغه بألواننا، إدخاله في عالمنا، ووقع حركتنا خارج وداخل الغرف. السجاد وأغطية السرير والتكايات واللوحات وكتب الأدب والشعر باللغة العربية وصور الأحباء الغائبين والأصدقاء وروائح الأطعمة التي نعود اليها، حتى الوصفات التي لم أهتم بها. يوماً. الموسيقى والأغاني والكتب الصادرة حديثاً في بيروت والقاهرة والروائح والزهور وكراسي الشرفات وفناجين القهوة الآتية من بيروت والركوة وأغطية السرير «الصايي» الآتية من دمشق وسجادة العائلة…… وصورة أمي التي رحلت منذ اربعين عاماً الموضوعة في إطار فضي من خان الخليلي. ثم أروح أفتش في الاسواق الواقعة في اطراف المدينة عن مواد لا تدخل مطابخ الفرنسيين، عن تلك التي من الصعب توافرها… أفتش عن مواد أولية أتذكرها فجأة لأرفعها فوق رفوف مطبخي الصغير جداً.

كل هذا جزء من عائلة تفرّقت، من مكان اول، من صداقات أعطتنا ما نحمله الآن، من حب انتهى رغماً عنا، من أخطاء اولى، من فرح غير معلن، ومن قناعة ان غداً أجمل. كل هذا هو بعض صغير من «نحن».

مع الذكريات التي تملأ أمكنتنا الحديثة، ثمة إصرار على ترك زوايا البيت فارغة… إيماناً بروح تحبّذ فضاءات يعبر منها النور والهواء. زوايا فارغة توحي بكثير من التخلّي. لكن التخلّي يحتاج الى شجاعة كبيرة نفتقدها، كذلك النسيان.

عن ملحق السفير الثقافي
=======

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق