تلاقي العباقرة؛ الطيب صالح و Robert Musil

تمهيد
ليست الكتابة عن “الطيب صالح” بالشيء الهين أو اليسير، هذي قلعة عالية الأسوار، منيعة الجدارن. لا يبرز لها المغامر برماح قصار أو أسياف عقار، إلا أن يكون رأس الغنم عنده، تقريض الخصم، قَعيرُ الرأي أحسنه – كما هو حالنا هنا- أما الكسب فهذا أبعد من أن تهذي به أقلامنا.


من “كرمكول” بل من دبة “الفقراء” برزت عبقرية عربية – أفريقية فذة، بزت الأقران، وبلغت في عتبات الرّواية والأقصوصة وفن السير حد الجمال والإتقان، فحازت بذلك الامتنان والعرفان من كل منصف وعارف بأصول الحرفة، وأغراض المهنة.
“الطيب صالح”: (1928- 2009) ذلك السّوداني النّموذجي في هيئته وتواضعه ولباسه وثقافته الواسعة، والإستثنائي في عبقريته وإبداعه وشخصه. إنّ الحديثَ عن “الطّيب صالح” .. ليس حديثًا عن شخص بعينه .. ولكنه ذلك التّوصيف لنتاج تمازج مذاهب الثّقافة الإنسانيّة بشرقها وغربها، شمالها وجنوبها. وإذا كان من غير الممكن أن نبدأ مقالة ما، عن “الطيب” من غير هذا التّمهيد المتواضع عنه .. كذلك يكون الأمر عند الحديث عن الكاتب النّمساوي – الألماني الكبير “روبرت موزيل”: (1880- 1942)، الذي ولد بمدينة “كلاكنفورت” النّمساويّة.


غادر “الطيب” مسقط رأسه إلى العاصمة لندن، وكذلك فعل “موزيل” بسفره إلى العاصمة “برلين”، بدأ الطيب حياته كدارس للعلوم، ثم انتقل للعمل في الإعلام، ثم شق طريقه في عالم الأدب والإبداع، وكذلك كان الحال عند “موزيل”، حيث بدأ مشواره الدّراسي في التخصصات الهندسية والعلمية، ثم انتقل للعمل في الإعلام بعد دراسته للفلسفة وعلم النفس، وما لبث أن شق طريقه في عالم الأدب والإبداع. لم يشتهر “الطيب” إلا بعد صدور روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” وهي ليست عمله الأدبي الأول، وكذلك “موزيل” اشتهر بعد روايته “إضطرابات الربيب تورلس”، وهي كذلك لم تكن عمله الأول وإن كانت روايته الأولى. تميز “الطيب” بتواضعه الشديد وبعزوفه عن الشهرة وكذلك “موزيل” الذي لخص سيرته بسطرين فقط عندما طلب منه أن يتحدث عن حياته وأعماله. عانى “موزيل” من تسلط الدكتاتورية النّازية، وكذلك عانى “الطيب” من دكتاتوريات بعض أنظمة السودان. عرف “موزيل” طعم الغربة في منفاه بـ“جنيف”، وكذلك قاسى “الطيب” من غربته في “لندن”. عاش “موزيل” وتفاعل وانفعل بأحداث الحرب العالمية الأولى، وكذلك عاش وتفاعل وانفعل “الطيب” مع أحداث الحرب العالمية الثانية. وقد تركت الحرب والتبدلات السياسية التي أعقبتها أثراً واضح في أدبي الرجلين. اعتبرت رواية “الطيب صالح” “موسم الهجرة إلى الشمال” حالة خاصة ومتميزة في تاريخ الرواية العربية من حيث البناء الفني التصويري والمضمون الفكري والسياسي، فقد رصدت مرحلة ما بعد الاستعمار أي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعالجت التبدلات السياسية والاجتماعية في البلدان المُسْتَعمَرة من جهة والبلدان المُسْتَعمِرَة من جهة ثانية، كما أنها صورت بعض جوانب الصراع السياسي والثقافي بين كلا الطرفين. وقد صنفت – إلى جانب روايته “عرس الزين”- على أنها محاولة لإعادة إحياء الواقعية السحرية في كتابة الرواية العربية. كذلك الحال مع رواية “موزيل” “إضطرابات الربيب تورلس” التي جاءت بمثابة احتجاج صارخ في وجه قيم البرجوازية “الاستاتيكية”، وانتصاراً لقيم الرأسمالية “الديناميكية” المتنامية في أوربة وأمريكا. وقد دهشت الأوساط الأدبية الألمانية بعمق الأفكار الفلسفية التي بثها “موزيل” في ثنايها فقد عرف بتأثره الشديد بـ “نتشه”، وكذلك بتطبيقه الأسلوب الهندسي- الرياضي على الجملة اللغوية فجاءت عبارته وصوره محسوبة بدقة، أو كما قال “الطيب” في وصف “ساميول بكت” – في كتابه “منسي” – “يزن الكلمات بميزان”(1).

 وقد اعتبرت بمثابة تأسيس “للنزعة التعبيرية في النثر”. على أن “موزيل” عاد ليتخذ موقفاً مخالفاً في روايته الأشهر “رجل بلا صفات” من حيث طرحه جملة من الأسئلة التشكيكية في مصداقية القيم والشعارات التي رفعتها الرأسمالية آنذاك. وإذا كانت شهرة “الطيب” و“موزيل” تمثلت في هذه الأعمال الروأية التي أشرنا إليها أعلاه، إلا أن اللقاء الحقيقي بينهما – كما نفترض هنا- حدث في عمل آخر لـ “موزيل”؛ هو: مجموعتة القصصية “ثلاث نساء”، التي نقلها إلى اللغة العربية، الأستاذ “حسين الموزاني” عام (1997م). ونحن نعتمد –هنا- ترجمته العربية، وعلى ما أورده في مقدمتها حول سيرة الكاتب(2).


وعلى الرغم من أننا لا نملك دليلًا قاطعًا على اطلاع “الطيب” على أعمال “موزيل” – الذي تأخرت شهرته إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية على المستوى العالمي- إلا أن إقامة “الطيب” في “لندن” من عام (1952) وإجادته للغة الإنكليزية واطلاعه الواسع على الأعمال الأدبية المكتوبة بها أو المترجمة إليها، تجعل احتمالية تعرفه إلى أعمال “موزيل” أو بعضها -على الأقل- قبل صدور روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” في عام (1966)، أمرًا مرجّح، خاصّة وأن بعض أعمال “موزيل” قد حولت إلى أفلام سينمائيّة شوهدت في السّتينيّات على نطاق واسع في العواصم الغربيّة، التي كان “الطيب” يعيش بين ظهرانيها.


ثمّ إنه من المؤكد أن قصص “موزيل” “نساء ثلاث” كانت قد صدرت باللغة الألمانية في عام (1924)، في عمل واحد، بعد أن كانت قد نشرت متفرقة قبل ذلك بسنوات، أي قبل صدور “موسم الهجرة” بـ (42) عام على الأقل. وليس من المستبعد أبدًا أن “الطيب” سنحت له فرصة الاطلاع على هذا العمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة.


علمًا أنه قد عُرف في تاريخ الفكر الإنساني، الكثير من حالات الإبداع المتماثلة بين مبدعين لم يسبق لهما التواصل المباشر. إلا أن الصفحات المقبلة ستحمل الدهشة للقارئ الكريم، وذلك عندما نعرض، بعض الصور التعبيرية، والصيغ اللغوية، والاتفاقات الوقائعية، التي تكاد تكون شبه تخاطرات حرفيّة، ترد في “موسم الهجرة إلى الشمال”، ولها مقابلات – قد تقترب وقد تبتعد- موجودة من قبل (42) عام على الأقل، في “ثلاث نساء”!.

العرض
سنبدأ هذه الدراسة مع “تونكا”، وهي الشّخصية الأبرز من بين نساء “موزيل” – في مجموعته القصصية “نساء ثلاث”- حيث تصاب بمرض “خبيث”(3) ، والصراع المرير يعتمل في نفس “موزيل” روائيًا وواقعيًا فيما إذا كانت الإصابة قد انتقلت إليها عن طريق عدوى الاتصال الجنسي – كما أكد الأطباء- مع رجل آخر أم لا ؟!(4) 


ذلك الشعور البغيض بأن الشريك قد نقض العهد الذي أُحكم رباطه .. ثم تجري الأحداث بشكل “دراميتيك” تفارق فيه “تونكا” حدود الجسد في رحلة مشرعة إلى العوالم المجهولة(5) .. ثم لتخلف في قلب “موزيل” غصصًا عالقة في الخلجات، فيتخذ وضع الإرتداد إلى النفس في حالةٍ تطهيرية تتبع أُسلوب جلد الذات على تقصيرها تجاه الشريكة وهي على فراش الموت(6).


الخيانة الزوجية حاضرة بقوة- كذلك- في قصة السّيّدة “جرجيا”، حيث تأتي النهاية المتسرعة بقرار “موزيل” بالحكم على “هومو” بأن يستسلم بشكل طوعي لموت كان يمكنه أن يتجنبه؛ لو أنه سعى في اقتفاء النّور المنبعث من الشق الكائن في أعلى جدار المنجم(7) .. والحال يقترب أو يبتعد عندما نتكلم عن قصة “الأميرة البرتغالية”، فقد أصابت حمى الشك قلب النبيل “فون كيتن” عندما حضر قريب الأميرة من بلادها البعيدة ..(8) فلم تهدأ ثائرة النّار في أثافي روحه العليلة إلا بعد أن تسلل عبر الصخرة الخطرة إلى الشرفة العالية، ليجد أن غريمه قد غادر القصر بالفعل (9)..


ولو أننا -الآن- نظرنا إلى الطرف الآخر من الجبل؛ نقصد إلى “الطيب” وذلك بشرط أن ننظر من أعلى القمة لا من أسفلها، لوجدنا أن البطل في “موسم الهجرة” يتفق في بعض الوجوه مع ملامح، وأحوال البطل في “تونكا”، من غير أن نزعم أنهما متشابهين أو متطابقين؛ فمثلًا كان “مصطفى سعيد” شخصًا أكاديمي بدرجة “دكتور” وفيما بعد أستاذ .. وكذلك حال بطل “تونكا” كان كذلك أكاديميًا وعلى وشك الحصول على لقبه العلمي.


من جهة ثانية كان الحب – بمفهومه الجنسي- والغيرة هما القدران اللذان نسجا خيوط اللعبة الأساسية في حياتيهما، وإذا ما جمعنا إليهما “مرض خبيث”(10) كسرطان الدّم، فإننا سنحظى برؤية أوضح للموقف .. ففي الوقت الّذي تُعاقبُ فيه “تونكا” على العذاب الّذي جلبته إلى قلب “موزيل” بأن تلقى الهلاك بحربة “مرض خبيث” كنوع من الجزاء على جريمة الخيانة، الّتي لم تتوفر الأدلة الكافية للجزم بتورطها فيها .. فإن “الطّيب” يحرك – بالمقابل- دميته “مصطفى سعيد” الذي نقل العدوى القاتلة إلى محظياته، لأن ينهي الموقف بالحربة التي تقبض عليها يده لا تلك التي تسري في دمه .. فيشفي عذاب صدره بأن يغرس النّصل في صدر المرأة التي حطمت حياته(11) .. ثم إننا نرى “مصطفى سعيد” يجلس في قفص الاتهام بهدوءٍ ووداعة وكأن الأمر لا يعنيه أو كأن المجرم الذي يحاكم إنما هو شخص آخر(12) .. وسيحتاج إيقاظ ضميره إلى سنوات تالية حينما يظهر مصادفة مرة أخرى في قرية سودانيّة على ضفاف النّيل، وهو يخفي بين جوانحه أسرار جرائمه(13). ثم ما أن يحين الوقت لكشف السّر، حتى يحين الوقت للتطهير الذاتي، الذي يحاول “الطيب” أن يوهمنا بأن المذنب قد أختاره بإرادته(14) . فعلى سبيل المثال عندما جاء حكم المحكمة مخفف جدًا؛ عبارة عن حبس لمدة قصيرة نسبيًا مقارنة بجرمه، قال: “(..) حكموا عليه بالسجن، سبع سنوات فقط، ورفضوا أن يتخذوا القرار الذي كان عليه هو أن يتخذه بمحض إرادته”(15). وأيضًا ورد في موضع آخر قول الراوي: “(…) وتكون النهاية بعد ذلك في قرية مغمورة الذكر على النيل، ولا يستطيع المرء أن يجزم هل كانت اعتباطًا أو أنه أسدل الستار بمحض إرادته”(16).


إلا أن الواقع، يقول أن “مصطفى سعيد” كان مساق إلى التطهير الذاتي قسرًا بالقدر الذي قيده إليه صانع الأحداث الحقيقي؛ الكاتب “الطيب”(17). ونحن نحس بهذا المعنى المستتر في الخطاب الذي ضمّنه “مصطفى” لوصيته، التي تركها للراوي، عندما أشار إلى أنه كان يرغب برؤية أولاده يشبون أمام ناظريه أو كما قال: “وكم كنت أتمنى أن أظل معهما، أراقبهما يكبران أمام عيني ويكونان على الأقل مبررًا لوجودي. إنني لا أدري أي العملين أكثر أنانية، بقائي أم ذهابي. ومهما يكن فإنه لا حيلة لي، ولعلك تدرك قصدي إذا عدت بذاكرتك إلى ما قلته لك تلك الليلة. لا جدوى من خداع النفس. ذلك النداء البعيد لا يزال يتردد في أذني (…)”(18). 


وهكذا بقي مصير “مصطفى” لغزاً مجهولًا أو محيرًا ما بين “الانتحار” أو “الغرق”(19) .. ذلك أن “الطيب” نفسه كان يدرك أن بطله قد دفع – بالفعل- جزءً من العقوبة حينما سجن لمدة سبع سنين في “لندن”(20).


أما “موزيل” فلأن جرمه أقل، ولا يقارن بجرم الأول – بل ربما كان هو نفسه ضحيّة- فإن آلامه وعذابه التّطهيري كان يأتي مُساقًا بنوعين متناقضين من الاحتجاج؛ الأول: احتجاج على القدر الواقعي الذي رسم معالم قصته. والثاني: احتجاج يتجه إلى ذات نفسه وإلى ما كانت عليه من قسوة وأنانية في استخدام “تونكا” سلمًا لتحقيق مستقبله الخاص.


الحبّ والكراهية، الشّك والغيرة، الشّفقة والانتقام، الاعتراف والتّطهير .. كانت متناقضات أو ثيميات رئيسية في حياة البطلين. وسنسمح بفتح الستار قدرًا أكبر لننظر إلى الأحداث في “ثلاث نساء” على أنها كيان متصل أو على أنها رواية كبيرة، كما هو الحال في “موسم الهجرة” وقصص النساء التي تتضمنها .. حيث نجد أن مصير “هومو” يقترب أكثر إلى مصير “مصطفى” من بطل “تونكا”؛ في مسألة الثواب والعقاب العامة، ذلك أن علاقته مع “جريجيا” بما تنطوي عليه من خيانة لزوجته، وابنه الصّغير المريض(21) من جهة، ولزوج “جريجيا” – بالدرجة الأولى- من جهة ثانية، فإن الجرم فيها واضح، وبالتالي فإن الكاتب دفع “هومو” ليقبل عقوبة الموت بإرادته – على نحو غامض- أو بالتسليم به من غير مقاومة أو اعتراض، بل أراد “موزيل” أن يزيد في فضائل “هومو” حينما ترك له فسحة ليرفض العقوبة، وذلك باتباع سبيل النور من الكوة التي خرجت منها “جريجيا”، إلا أنه اختار أن يمضي في الحالة التطهيرية من غير تراجع كنوع من الندم غير المعلن عنه(22). ولم يكن “مصطفى سعيد” بأقل تردد أو اصرار في قبول قدره الذي حدده له الكاتب، فعندما خرج من بيته في ذلك اليوم العاصف كان يعلم تمامًا ما ينتظره في الخارج .. فقد عهد بماله وزوجه وأولاده “للطيب” ليكون عليهم من بعده مؤتمن(23) .. وكذلك سوى شؤونه المالية مع أهل البلدة(24) .. وعندما حان وقت خروجه لم يلقِ بالًا لنصائح زوجته “حسنة”؛ حينما ذكّرته بثورة ماء النيل، وطغيانه على الحقول .. أما قوله: “إنه يجيد السّباحة”(25) .. فلم يكن ظنًا منه بالنجاة أو بالاحتراز من قدره، بل يجب أن يفهم على أنه نوع من التّسكين والمواساة لخاطر الزوجة الجزعة على مصير زوجها، فقد مضى إلى قدره بخطًا ثابتة، وهو مصمم على أن ينال التطهير الذاتي، وأن يبلغ فيه المراتب العُلا؛ وذلك حين قرر أن يرجع إلى الماء الّذي كان منه خرج(26).


ولنعد قليلاً إلى الوراء، ولنتتبع خطوات “الطّيب”، وهو يقتفي آثر “موزيل” عندما كان يتحدث عن أصل أو طبيعة السّيّد النّبيل “كيتن”، فقد كان السّادة “الكيتيون من ذوي الفطنة واليقظة (…) إنهم أيضًا أشرار مثل سكين ماضية تقطع فورًا في العمق (…)”(27). أما “الطيب” فقد جعل قوة “مصطفى” في ذكائه الخارق، حيث ساق على لسانه قوله: “كان عقلي كأنه مُدية حادة (…)”(28). وعند بلوغ الذّروة في حبكة الأحداث، فإن النّبيل “كيتن” نهض من فراش مرضه كالنمر الجريح بسهام الشّك والغيرة(29). ومثله تمامًا أظهر “مصطفى” الجانب الوحشي من طبيعيته الإنسانية فوق الفراش في الليلة الأخيرة مع معذبته(30) .. وعندما تعمشق “كيتن” على الصّخور الحادة وهو يرتقي الجدار الشّاهق عبورًا إلى نافذة القصر لم ينسَ أن يشد على خصره تلك “السّكينة” القاطعة، التي تفعل فعلها في العمق عندما تُستدعى الطّبيعة الشّريرة(31). وقد فعل “مصطفى” ما فعله “كيتن”؛ فعندما استنفرته القوة الهادمة تحولت “المدية الحادة” من عقله إلى يده لتفعل فعلها الممزق فوق ذلك الفراش الذي سيغرق في حمى الأحداث بدماء معذبته(32). ولك أن تتخيل كيف كان على“الطيب” أن ينقل متابعة “الخنجر” من صاحب الثأر إلى المغدور بها، كما نقل “المرض الخبيث” من الضحية إلى الجاني، أي بالشكل الذي تجري فيه الأحداث على عكس ما هي عند “موزيل”، فها هو- على لسان بطله- يقول: “رفعت الخنجر ببطء فتابعت حده بعينيها”(33). أما “موزيل” فقد جعل النبيل “كيتن” يقوم بهذه المهمة، عندما أورد في وصف حالة الضعف التي أصابته: “وتراءى له حتى طريق الخنجر الصغير دربًا طولًا لا نهاية له (…)(34).” بل إننا نلاحظ هذا التنويع المشابه في استخدام المرادفات عند كلا الكاتبين في أسماء الأداة القاطعة، فــــ“الطبيعة الشريرة” للـ“كيتي” التي كانت تشبه “السكين” أخذت صورتها الرمزية عندما شد على خصره “الخنجر”. وكذلك “المدية الحادة” في عقل “مصطفى” تحولت في يده إلى “خنجر” باتر .. ثم إن أشد ما يُحيِّرُنا هو ذلك الإتفاق في وصف تلك الإبتسامة السحرية على ثغر “الأميرة البرتغالية”، وكذلك على شفتي “جين مورس” .. وحتى في تلك الأوقات التي أتى بها “كتين” و“مصطفى” بأفعال تفزع قلب السيدات، فإنهما لم يجدا إلا الإبتسامة على وجهيهيما؛ فعندما جرح النبيل “كيتن” لاحظ “إبتسامة البرتغالية العذبة (…)”(35). وعندما فتك بجرو الذئب، الذي كانت البرتغالية شديدة التعلق به، فإنه توقع منها الغضب، ولكن وبشكل غير متوقع حدث العكس، عندما “حدّق في عينيها للمرة الأولى، فضحكت ثم قالت: سأخيط قلنسوة من فراء الذئب وأمتص دمك في الليل (…)”(36). فعلم النبيل الجرمني أنه قد خسر معركته مع أميرته البرتغالية، بل فشل حتى في إثارة غضبها تجاه فعله. أما “الطيب” فلم يستطع مقاومة الروح “الموزيلية” الجرمنية تلك .. فنقل بطله “مصطفى” إلى أرض معارك “السادة الكيتين”، ولم ينسَ أن يصطحب معه “جين مورس”؛ وذلك حتى تتضح معالم إبتسامتها بين جنبات الحصن “الكيتي” الشاهق .. فإن كان السيد “كيتن” قد جعل “موسيقى حياته كلها عبارة عن صليل السيوف وتثبيت الدروع وسرج الجياد، لكنها تحولت الآن إلى نشاز منفر”(37). فكذلك لما لا تكون حياة “مصطفى” مع “جين” تجري على نفس الموسيقى أو كما قال “الطيب”: “أُمسكها فكأنني أمسك سحابًا، كأنني أضاجع شهابًا، كأنني أمتطي صهوة نشيد عسكري بروسي (…) وتفتأ تلك الإبتسامة المريرة على فمها. أمضي الليل ساهرًا، أخوض المعركة بالقوس والسيف والرمح والنشاب، وفي الصباح أرى الإبتسامة ما فتئت على حالها، فأعلم أنني خسرت الحرب مرة أخرى (…)”(38).


ولكن أيضًا للإبتسامة شأن مشابه مع “تونكا”، حينما يراها “موزيل” في أحلام يقظته تعترف بخيانتها وهي تبتسم، ولكن ترى لماذا كانت تبتسم، لنترك “موزيل” يرصد لنا هذا المشهد، بقوله: “(…) كانت العمّة تعنف (…) تونكا لأنها لم تبك في جنازة الجدة، أو التي إعترف فيها رجل بشع بأنه والد طفل تونكا التي كانت تقف متساءلة بنظراتها، حيث لم تنكر للمرة الأولى، إنما وقفت بلا حراك وبإبتسامة لامتناهية”(39). ويصف كذلك هذه الإبتسامة في حلم آخر، بقوله: “كان عذاب الحلم الرهيب ليس في الإبتسامة القاطعة كحد السكين، إنما لعدم قدرته على مواجهة النهاية السطحية المتحمسة (…)”(40). 


ولو أننا الآن تأملنا ذلك التخاطر المذهل بين “الطيب” و“موزيل” في إيراد مفردات من نوع: “القوس، السيف، وتر، إرتخاء، سهم، خيل، جعبة .. إلخ” أو ما يرادفها لأصابتنا الدهشة لتشابه الخيوط الحريرية البديعة التي غزل كلاً منهما صوره منها. ودعنا نسوق بعض هذه الشواهد على سبيل المثال لا الحصر عند “الطيب”:
– “(…) وأرخيت أذني للريح”(41).
– “القربة زادت انتفاخًا، وتوتر وتر القوس وسينطلق السهم نحو آفاق أخرى مجهولة”(42). 
– “كل يوم يزداد وتر القوس توتراً (…)”(43). 
– “(…) في نظرها مخلوقًا بدائيًا عاريًا، يمسك بيده رمحًا، وبالأخرى نشابًا (…)”(44). 
– “(…) سيستحيل العطف إلى رغبة أعزف على أوتارها المشدودة كما يحلو لي”(45). 
– “(…) وتسرح الجيوش”(46). 
– “وأغرس البيرق”(47).
– “وتخيلت برهة لقاء الجنود (…)”(48).
– “والتوتر في العصب”(49).
– “مع كل قبلة أحس أن عضلة في جسدها ترتخي (…)”(50). 
– “واستسلمت أنا إلى نومٍ متوتر محموم”(51).
– “(…) ورمت ذراعيها في تراخ”(52).
– “كل يوم يشتد توتر وتر القوس”(53).

ولنلاحظ – الآن- تلاقي بعض هذه الاستعمالات عند “موزيل”:

– “كان مشدودًا متوترًا توتر القوس”(54).
– “تركت يده ترتخي بين فخذيها”(55).
– “متوترة من فرط اللذة”(56).
– “بينها منحينات مقعرة مشدودة بتوتر مثل ملاءات هائلة مليئة بالحجر (…)”(57). 
– “كانت تتوقع بلدًا غنيًا بالمفاجآت مثل وتر القوس المشدود (…)”(58).
– “مثل أمرء وترته الأحلام”(59).
– “حين نقل إلى فراشه الجديد أمر بإحضار القوس، لكنه كان ضعيفًا عاجزًا عن شد الوتر، فتعجّب من حالته”(60).
– “(…) والمتوتر كتوتر القوس (…)”(61).
– “وبفعل التوتر أصبحت شفتا تونكا خشنتين متصلبتين”(62).
– “أصبح مضطربًا بسبب تردد الأحلام التي كانت خالية من توتر اليقظة، هذا التوتر الذي ينزع دومًا وأبدًا إلى التصعيد”(63). 
– “(…) حالة من التوتر والإنفعال أمام المستحيل (…)”(64).
– “لقد سكنت توترات الأسابيع الأخيرة”(65). 

وغيرها الكثير من التخاطرات والتشابه في استخدام العبارات والصيغ اللغوية .. ثم إننا لوعدنا إلى قصة “جريجيا” مجددًا لوجدنا “موزيل” يفطن إلى تصوير حال النّسوة الإيطاليات من أصل جرمني، اللواتي ينتظرنا عودة الأزواج المفقودين .. الذين سافروا في طلب الرزق في البلاد الجديدة خلف “الأطلنطي”، بعد أن تعودَّ البؤس والفقر أن يحطا رحالهما في بيوتهن، “(…) ولأنهم جميعًا فقراء فقد دأب عدد كبير من الرجال على ترك نسائهم بعد فترة وجيزة من الزواج لكي يهاجروا إلى أمريكا(…)”(66). وبالمقابل فإننا نجد أن “الطيب” قد صور حال النسوة الإنجليزيات – في “موسم الهجرة”- اللواتي وصفهن بذوات “الوجوه الميته (وهن) ينتظرن الضائعين”(67) ، من أزواجهن الجنود بعد الحرب العالمية الاولى .. وبالطبع في مثل حال هؤلاء النسوة الإنجليزيات كان “مصطفى سعيد” يتصيد فرائسه في حانات لندن(68). وكذلك في مثل حال تلك النسوة الإيطاليات – من أصل جرمني- كان “هومو” يترصد محظياته في زرائب المدينة(69). التي رمز إليها “موزيل” بالمدينة “ب”(70). 


في موضع آخر نجد “موزيل” يصور حالة “هومو” وهو جالس في الحانة يعاني الوحدة والبعد عن زوجته فيتبع أسلوب مراوغ ورمزي ليشير إلى حالة الهياج الجنسي التي يولدها في غرائزه سماع صوت المغنية “جيرالدين فيرار” في إسطوانة “أوبريت توسكا”، حيث يقول: “(…) هذا الصوت النسائي الذي حطم قلوب الرجال السكارى إعجابًا وإجلالًا. كان ينطلق بكل رعونة وجنون إلى الأعلى وعندما لم يجد هدفًا معينًا فإنه يهبط ثانية ويفرش ريشاته في الهواء فتنتفخ السراويل بفعل الحركة، حركة الإقلاع والهبوط هذه، بفعل القرار والجواب والإصغاء الآني المتوتر هذا الذي يأتي متزامنًا مع رجفة تأخذ بكيانك وتغمرك من جديد. لهو شبق حسي عارم”(71).


مثل هذا الأسلوب المراوغ في وصف اعتمال الشهوة في نفس الرجل وتوتر جسده أو على نحو أدق أعضائه الجنسية .. والإشارة إلى ذلك بلغة رمزية تغلف المعنى المقصود بتورية فيها الكثير من الإحياءات الشهوانية .. نجده عند “الطيب” كذلك في عدة مواضع، ومنها قوله: “لبثت أطاردها ثلاثة أعوام. كل يوم يزداد وتر القوس توترًا، قربي مملوءة هواء، وقوافلي ظمأى، والسراب يلمع أمامي في متاهة الشوق، وقد تحدد مرمى السهم، ولا مفر من وقوع المأساة”(72). 


في موضوع آخر يلفت انتباهنا وصف “موزيل” لقلعة السادة “الكيتين” وقربها من النّهر، حيث يقول: “وعلى مسافة خمسمائة قدم أسفل القلعة يهدر نهر صغير صاخب لدرجة أن المرء، إذا ما أطل برأسه من النافذة، لا يكاد يسمع ناقوس الكنيسة يقرع في المكان ذاته”(73).


ولنتأمل الآن وصف “الطيب” لبعض أكاذيب “مصطفى سعيد” حول منزله المزعوم الواقع على ضفة النيل، وهو ينسج شباكه للإيقاع بالسيدة “إيزابيلا سيمور” في حبائله: “أجل، بيتنا على ضفة النيل تمامًا بيحث كنت، إذا استيقظت على فراشي ليلًا، أخرج يدي من النافذة وأداعب ماء النيل حتى يغلبني النوم”(74).

ثمة إحساس يخالج المرء أن هذين التعبيرين يجمع بينهما جامع، بل الأمر الذي أدهشنا أن كلا الأقتباسين قد ورد في الصفحة رقم (43) من طبعتي عملي المؤلفين اللتين أعتمدنا عليهما في الأقتباس!. لكن لم ينتهِ الأمر هنا، بل دعونا نتأمل قول “موزيل” الثاني في وصف مسكن “الكيتي”: “ذات يوم أطل برأسه من الشباك فترة طويلة، يتأمل المياه الهادرة، ثم أخذ يفعل ذلك دائمًا وكأنه يتسلى بلعبة (…)”(75).

في سياق آخر يتردد اسم الذئب في “نساء ثلاث” أكثر من عشرة مرات، ولكن يستوقفنا المشهد الذي يصور فيه “موزيل” رجل الدين المعادي للنبيل “كيتن”، وكيف أن هذا الأخير يتخيله آمنًا في مجلسه الوثير، وهو يتقلب في دعة بين ملذات الحياة ونعيمها، في حين أنه يحوم من حوله كالذئب، وذلك بقوله: “(…) يبدأ بالتفكير حينئذ في أسقف ترينت الذي يتلفع في ملاءات من القطن الخالص، يحيط به رجال الاكليروس المتعلمون ويقف الرسامون على خدمته، بينما يحوم هو حوله كالذئب”(76).


ولكن بالمقابل فإن “الطيب” لا يفرط في استعمل مفردة “الذئب”، بل لعله لم يستخدمها أكثر من مرتين، ولكن دعونا نتأمل أحد استخداماته، الذي ربما تربطه بوصف “موزيل” السابق بعض الوشائج غير المباشرة؛ وقد أورد ذلك وهو يصف محاولة المدعي العمومي “سير آرثر هغنز” أن يلف “حبل المشنقة” حول عنق “مصطفى سعيد” أثناء محاكمته عن جرائمه في لندن، فقال: “ومضى الرجل يرسم بحذق صورة مريعة لرجل ذئب، (…) رجل أناني انصبت حياته كلها على طلب اللذة”(77). 


لا شك أن من أجمل المشاهد في “موسم الهجرة”، ذلك المشهد الذي يصف فيه “الطيب” منزل الجد في الوحدة الخامسة من روايته، والحقيقة أننا نريد أن نقارن منزل الجد بقلعة “كيتن” من خلال عرض بعض الاقتباسات من كلا العملين، ولكن نحن نعتقد على نحوٍ ما بأن ثمة صلة – غير مباشر- تربط الوصفين بمشهد ثالث يرد في الوحدة الثانية من “موسم الهجرة” في إطار وصف “مصطفى” توزع الشَّعر في جسد “إيزابيلا”. فلننظر الآن في المقاطع الثلاثة التالية بإمعان، ولنرى إن كان ثمة شيء مشترك بينهم أم لا ؟!
المقطع الأول، نص “موزيل” في وصف قصر “كيتن” عند وصل “الأميرة البرتغالية”:
“أثناء ذلك وصلت الخيول إلى أطراف الجدار الذي قامت عليه القلعة. (…) كان القصر ينتصب على الجبل عنيفًا متمردًا، وعلى وجه الصخور نبتت بضع شجيرات مائلة تشبه الشَّعر المتفرق. (…) كانت القلعة مثل قنان الدجاج المتراصة. حجر كُوّم فوق صخرة. حيطان متأرجحة نما فيها العفن. أخشاب متآكلة أو جذوع أشجار غليظة رطبة. معدات فلاحين وآلات حرب. سلاسل للزرائب وعربات من الخشب”(78).
المقطع الثاني، حيث يصف “الطيب” على لسان بطله توزع الشَّعر في جسد “إيزابيلا”:
“وتركزت الفكرة الأخيرة في رأسي، بشعيرات على ذراعها الأيمن، قريبًا من الرسغ، ولاحظت أن شعر ذراعها أكثف مما هو عند النساء عادة، وقادني هذا إلى شعر آخر، لا بد أنه ناعم غزير مثل نبات السعدة على حافة الجدول”(79). 
ثم المقطع الثالث، في وصف “دار الجد”:
“هذه الدار الكبيرة ليست من الحجر ولا الطوب الأحمر، ولكنها من الطين الذي يزرع فيه القمح، قائمة على أطراف الحقل تمامًا، تكون امتدادًا له. وهذا واضح من شجيرات الطلح والسنط النامية في فناء الدار والنباتات التي نمت في الحيطان نفسها (…). وهي دار فوضى قائمة من دون نظام (…) غرف كثيرة مختلفة الأحجام، بنيت بعضها لصق بعض (…) السطوح، والأسقف من جذع النخيل وخشب السنط وجريدة النخيل. (…) دخلت من باب الحوش (…) هناك تمر (…) وهناك أكياس قمح وفول (…) وفي ركن عنزة (…) هذه الدار مصيرها مرتبط بمصير الحقل (…)”(80). 


نحن نعتقد أن فهم الترابط بين هذه المقاطع يكون من خلال ملاحظة أن النص عند “الطيب” قد يأتي مخالف لترتيب الأحداث أو لمدلولها كما هو عليه عند “موزيل” – كما سبق وأشرنا أعلاه- أو ربما أحيانًا يأتي بالتوافق معها، ولكن مع إعادة ترتيب في استخدام العبارات أو الكلمات .. فدار “الجدّ” لم تكن من الحجارة، بل هي من طين الحقل الذي شيدت فوقه وعند أطرافه .. كما أن القلعة “الكيتية” كانت تقوم أيضًا عند طرف الجبل كأنها حجر فوق صخرة .. حجرات كثيرة في كليهما تلاصقت أو تراصت .. العفن والشجيرات نمت في فناء كليهما وعلى الجدران الصخرية أو الطينية ثم إن الشجيرات التي توزعت بين حواف الصخور كأنها “شَعر متفرق” عند “موزيل”، قد تكون كذلك تشبه شعَر الأماكن الأخرى المخفية في جسد “إيزابيلا”، والذي ظن “مصطفى” أنه قد يشبه “نبات السعد” وهذا النبات لن ينمو بين الصخور في الجبل المرتفع، بل عند “حافة الجدول” في الأرض الطينية الوطئة.

نريد كذلك العودة مجددًا إلى وصف “موزيل” السابق لطبيعة “الكيتيين” على:
– “إنهم أشرار مثل سكين ماضية تقطع فورًا في العمق”(81).
ونعارضها بما جاء عند “الطيب” في وصف إحدى أهم خصائص بطله “مصطفى”، كما في العبارات الأربع التالية:
– “كان عقلي كأنه مدية حادة”(82).
– “فمضى عقلي يعض ويقطع كأسنان محراث”(83).
– “كل سلاحي هذه المدية الحادة في جمجمتي”(84).
– “عقلي كأنه مدية حادة، تقطع في برودة وفعالية”(85). 
لا ندري .. ترى هل يجد القارئ شيء مشترك بين هذه التعابير عند كلا الكاتبين؟!.
هناك ملحوظة عامة؛ وهي أن الفترة التي تكلم عنها “الطيب”، أو الّتي عاشها بطله “مصطفى” تكاد تكون هي الفترة الزّمنيّة التي عاشها وتحدث عنها “موزيل”، علمًا أن عمله “ثلاث نساء” نشر كذلك عام (1924م) كما ذكرنا في موضع سابق من هذا المقال. ونورد لكم هنا بعض التواريخ التي أوثقتها محكمة “لندن” التي كلفها “الطيب” بمحاكمة السّيّد “سعيد”، وبعض المعلومات التي وثقها المتهم بنفسه، وهو يروي تاريخه، أو ما رواه تلميذه السابق وزميله في جمعية “الكفاح لتحرير أفريقيا”:
– “أليس صحيحًا أنك في الفترة ما بين أكتوبر 1922 وفبراير 1923، في هذه الفترة وحدها على سبيل المثال، كنت تعيش مع خمس نساء في آن واحد؟”(86).
– “قضيت عيد الميلاد سنة 1925 في بيته في سافرون ولدن”(87). 
– “كان أستاذي عام 1928”(88). 
ولعلنا نرغب بالسؤال؛ فيما إذا كان “الطيب” يسقط عالم “موزيل” الواقعي- الألماني، على عالم “مصطفى” الروائي؛ البريطاني- السوداني ؟ أو بكلام آخر أنه تحدث عن مرحلة زمنية متقاربة عاشها “موزيل” واقعيًا بين (1880- 1942)، وعاشها “مصطفى سعيد” روائيًا.
فنحن نملك معلومات مؤكدة عن مولد بطل “الطيب”، حيث وردة المعلومة على الشكل التالي: “مصطفى سعيد، من مواليد الخرطوم، 16 أغسطس عام 1898 (…)”(89). ولكننا بالمقابل لا نستطيع تحديد تاريخ “غرقه” أو “انتحاره”(90) إلا بشكل تقريبي؛ من خلال محادثة الراوي مع “المأمور المتقاعد”؛ التي يفهم المرء بأنها كانت بعد استقلال السودان بفترة ليست ببعيدة، والتي صدَّرها الرّاوي بقوله: “مات مصطفى سعيد منذ عامين ولكنني ما أفتأ أقابله من حين لآخر”(91).


ثم نحن نعلم أن السودان حصل على استقلاله في “1 يناير من عام 1956م”. وكذلك نجد مثل هذه الإشارة في الحوار الذي دار في الخرطوم في بيت أحد زملاء الراوي السابقين، أثناء الدراسة في “انكلترا”، وكان ذلك بعد المحادثة “مع المأمور المتقاعد بأقل من شهر، (…)”(92). وقد تمّ هذا اللقاء بحضور “رجل انكليزي يعمل في وزراة المالية”(93). ثم إن السياق العام للحديث حول أن “مصطفى سعيد كان أول سوداني تزوج انكليزية، بل أنه كان أول سوداني تزوج أوربية اطلاقًا (…)”(94). ثم عن كونه “من سكرتيري المؤتمر الذي انعقد في لندن سنة 1936”(95). ثم يأتي تدخل الموظف الانكليزي “رتشارد” بالحوار، ليؤكد أن هذا اللقاء جرى بعد فترة الاستقلال، وربما بأمد قريب جدًا، ومن ذلك قول الموظف الإنكليزي: “كل هذا يدل على أنكم لا تستطيعون الحياة بدوننا. كنتم تشكون من الاستعمار، ولما خرجنا خلقتم أسطورة الاستعمار المستتر. يبدوا أن وجودنا، بشكل واضح أو مستتر، ضروري لكم كالماء والهواء”(96).


وعلى ذلك فيجب أن يكون “مصطفى سعيد” قد لقي حتفه بصورة تقريبية حوالي عام (1956)؛ وبصورة أدق تكون وفاته قبل مرور “عامين وشهر” على (أقرب وجه) منذ استقلال السودان عن بريطانية.
– ثم إن المؤلف، يقول على لسان “المأمور” المتقاعد، ما يلي: “نعم، مصطفى سعيد كان أنبغ تلميذ في أيامنا. كنا في فصل واحد. كان يجلس في الصف الذي أمام صفنا مباشرة. ناحية اليسار. (…)”(97).
– وقبل ذلك يقول الرواي في وصف عمر “المأمور المتقاعد”: “حين رأيت وجهه أول مرة، قدرت أنه في منتصف الستين”(98). 
– وهو قبل ذلك صور لنا على لسان “مستر سعيد” المشهد الذي يأتي فيه عامل الحكومة الخيّال أو “الفارس”، ليأخذ الأولاد إلى المدرسة، فقال: “سألني عن اسمي فأخبرته. قال لي كم عمرك، فقلت له لا أدري”(99).
– لكنه بعدها يذكر المدة التي قطع بها المرحلتين الدراسيتين الأولى والثانية: “طويت المرحلة الأولى في عامين (…) كانت المرحلة الوسطى أقصى غاية يصل إليها المرء في التعليم تلك الأيام. وبعد ثلاثة أعوام، قال لي ناظر المدرسة، وكان انكليزي: ،هذه البلد لا تتسع لذهنك، فسافر. إذهب إلى مصر أو لبنان أو انكلترا (…)،”(100).
– ثم وهو مسافر بالقطار إلى مصر لمتابعة الدراسة الثانوية – وعند حديثه مع الكاهن- يصرح بعمره بشكل واضح: “وقال لي: ‘كم سنك؟’ فقلت له خمسة عشر. كنت في الواقع في الثانية عشرة، لكنني خفت أن يستخف بي”(101).
– ثم يسافر من مصر بعد إنهاء الثانوية إلى لندن، فكم كان عمره؟ لنرى: “كان كل همي أن أصل لندن، (…) كنت في الخامسة عشرة (…)”(102).
– في تلك الفترة لم يكن يحتاج السوداني –كما نعتقد- لجواز سفر من بلده إلى مصر، ولكن عندما حان موعد سفر “مصطفى” إلى “لندن” كان عليه أن يستصدر جواز سفر، وهذا ما حدث بالفعل، كما أخبرنا الراوي، فقال: “فتحت بعد ذلك جواز سفره، (…). تاريخ صدور الجواز عام 1916 في القاهرة وجدده في لندن عام 1926. كان ثمة جواز سفر آخر، انكيزي، صدر في لندن عام 1929”(103). 
– ونحن قد علمنا أنه حين سفره إلى “لندن”، كان عمره – كما ذكر- “خمسة عشر” عام، أي أنه – بشكل تقريبي- عندما استصدر جوازه عام (1916) كان عمره (18) سنة، ثم جدد جوازه بعد ذلك بعشرة سنوات؛ أي أنه عام (1926) كان عمره (28) سنة. ثم – ربما- حصل على المواطنة الإنكليزية مع حصوله على الجواز الانكليزي عام (1929) أي عندما كان عمره (31) عام. لكن هنا في الحقيقية يتبادر لنا سؤال، وهو: كيف أنه استصدر جوازه عام (1916) من القاهرة، حيث كان عمره (18) عام، في حين أنه سافر بالفعل إلى “لندن” وهو في عمر“الخامسة عشر”؟! فهل يا ترى كان آنذاك يمكن السفر لمن هو دون الثامنة عشر من غير جواز سفر، ثم يمكنه بعد بلوغ سن الرشد استصدر جواز سفر؟ أم كان له وضع استثنائي لأنه ابن بلد مُستعمَر يتبع “انكلترا” ؟ أم كان هذا مجرد خطأ فنيًا أو سهوًا من المؤلف “الطيب صالح” ؟!.
– ثم في بداية الرواية، يتحدث “الطيب” عن تقديره لعمر “مصطفى”، بحوالي الخمسين أو يزيد قليلًا، أو كما قال: “فجأة تذكرت وجها رأيته بين المستقبلين لم أعرفه. سألتهم عنه، ووصفته لهم. رجل ربعة القامة، في نحو الخمسين أو يزيد قليلًا، شعر رأسه كثيف مبيض، ليست له لحية وشاربه أصغر قليلًا من شوارب الرجال في البلد. رجل وسيم. وقال أبي: ‘هذا مصطفى’”(104).
– ولا تلبث أيام قليلة على عودة المسافر، وسؤاله لجده عن “الغريب”(105) .. حتى تبدأ قصته معه، وذلك عندما يأتي “مصطفى” ليدعوه للعشاء(106). ثم بعدها “بأسبوع” واحد فقط يلتقيه عند “محجوب” ويسمع شعره الانكليزي، وهو في حالة السكر(107). ثم بعدها “بيوم واحد” فقط يذهب إليه في الحقل ويطلب منه أن يفصح عن حقيقته(108). ثم في نفس اليوم مساءً يأتيه “مصطفى” ويطلب منه أن يوافيه في مساء اليوم الثاني ليخبره خبره(109). ثم بعدها بقليل يختفي “مصطفى” مع قدوم الفيضان(110). أي أن كل هذه الأحداث جرت – ربما- في بضعة أسابيع أو أشهر .. وهذا واضح من سياق الأحداث ومن الوصية، التي تركها “مصطفى”، حيث يشير فيها إلى أنه لم يتاح له بعد التعرف إلى “الراوي” بشكل جيد أي بسبب قصر مدة التعارف، ومن ذلك قوله: “(…) أطلب منك أن تؤدي هذه الخدمة لرجل لم يسعد بالتعرف إليك كما ينبغي (…)”(111). 
– في موضع آخر يشير الراوي إلى أن “مستر سعيد” أمضى في “انكلترا” حوالي (30) عام بما فيها مدة سجنه لـ (7) سنوات، فهو يقول: “ثلاثون عامًا. كان شجر الصفصاف يبيض ويخضر ويصفر في الحدائق، (…). الجزيرة مثل لحن عذب (…). ثلاثون عامًا وأنا جزء من كل هذا، أعيش فيه، ولا أحس جماله الحقيقي، ولا يعنيني منه إلا ما يملأ فراشي كل ليلة”(112).


ونحن نعلم – كما هو مذكور أعلاه- أنه سافر إلى “انكلترا” عندما كان عمره (15) عامًا، فإذا أضفنا لها (30) عام نستنتج أنه غادر “انكلترا” وعمره حوالي (45) عام!.
– ثم إن الراوي ذكر أن جده أخبره بأن الغريب جاء إلى القرية من حوالي خمسة أعوام أو كما قال: “(…) لكن جدي هز رأسه وقال أنه لا يعلم عنه سوى أنه من نواحي الخرطوم، وأنه جاء إلى البلد منذ نحو خمسة أعوام (…)”(113). وعلى ذلك فإن الراوي يضيف هذه السنوات الخمس التي قضاها الغريب في بلدته إلى افتراضه أن عمره عندما غادر “انكلترا” كان فقط (45) عام، وبالتالي هو قدر عمره عندما رأه بـ (50) سنة أو أكثر بقليل كما ذكرنا أعلاه. ولكن هذا غير واضح وقد يخلق مشكلة “عويصة” للقارئ ؟!
فإذا كان مولده عام (1898)، ثم أضفنا لها – بشكل تقريبي- (50) سنة؛ فهذا يعني أن الراوي كان يجب أن يلتقي بـ “مصطفى سعيد” في عام (1948) تقريبًا، وهي السنة التي مات فيها كما رأينا، ثم هو يقول أنه بعد موت “سعيد” بسنتين فقط تحاور مع زميل دراسته السابق، وكذلك مع الموظف الانكليزي في وزارة المالية “ريتشارد”، أي يجب أن يكون ذلك في عام (1950) حسب مواليد “مستر سعيد” كما بينا لكم أعلاه، أي قبل استقلال السودان بحوالي (6) أعوام!.


ولكننا نجد في سياق ذلك الحوار أنهم كانوا يتحدثون عن مرحلة ما بعد استقلال السودان .. من ذلك قول “ريتشارد”، السابق: “كل هذا يدل على أنكم لا تستطيعون الحياة بدوننا. كنتم تشكون من الاستعمار، ولما خرجنا خلقتم أسطورة الاستعمار المستتر(…)”(114). وبطبيعة الحال، كان واضح أن المُناخ العام للرواية كان يجري بعد استقلال السودان، ومن ذلك المحاورات السياسية الكثيرة مع “محجوب” حول الأحزاب الوطنية في الحكومة التي جاءت بعد الاستقلال(115).


إذًا يوجد إشارة استفهام حول عمر السيد “مصطفى سعيد” والمرحلة الزمنية التي عاشها، فكيف إذًا يمكن تغطية بقية السنوات المفقودة من عمر بطل “موسم الهجرة” ؟!
في الحقيقة هذا ممكن إذا لم يفتنا أن الراوي زعم أن “مصطفى” بعد مغادرة “الجزيرة” الانكليزية قد ارتحل إلى دول أخرى: “(…) ويخرج من السجن، ويتشرد في أصقاع الأرض؛ من باريس إلى كوبنهاجن إلى دلهي إلى بانكوك، وهو يحاول التسويف. وتكون النهاية بعد ذلك في قرية مغمورة الذكر على النيل، ولا يستطيع المرء أن يجزم هل كانت اعتباطًا أو أنه أسدل الستار بمحض إرادته”(116).


أي أن هناك فترة زمنية أخرى علينا أن نضيفها إلى عمر بطل “موسم الهجرة”، وهي تلك المدة التي تشرد فيها بين تلك البلدان بعد مغادرة “انكلترا”، وقبل الوصول إلى القرية السودانية “المغمورة”؛ وبالتالي فإن “مستر سعيد” كان عمره عندما وصل القرية “المغمورة ليس (45) عام تقريبًا – كما افترضنا سابقًا- بل حوالي (53) عام، ثم عاش فيها حوالي (5) سنوات، أي أنه كان أصغر بحوالي (12) سنة فقط من”ود الريس“، الذي سوف يخلفه – من بعده- على زوجه”حسنة“، حيث يبدأ زواجهما بمأساة دامية تودي بحتفيهما معًا(117). وفي ضوء ذلك سوف نحاول – الآن- وضع”بيوغرافيا“لبطل”موسم الهجرة“، على الشكل التالي:

– ولد في السودان / الخرطوم، عام (1898).
– التحق بالمدرسة سنة (1905).
– انهى المرحلة الإبتدائية سنة (1907).
– انهى المرحلة المتوسطة سنة (1910).
– سافر إلى مصر عام (1910).
– انهى المرحلة الثانوية سنة (1913).
– سافر إلى”انكلترا“عام (1913).
– استصدر جواز من القاهرة عام (1916) !.
– تعرف إلى”إيزابيلا سيمور“عام (1923)(118).
– حضر حفل الميلاد في”سافرون ولدن“عند”سير آرثر هغنز“عام (1925).
– جدد جوازه عام (1926).
– رئيس لجمعية”الكفاح لتحرير أفريقيا“عام (1928).
– حصل على الجواز”الانكليزي“عام (1929).
– من”سكرتيري المؤتمر المنعقد في لندن“عام (1936).
– حوكم وسجن في”لندن“عام (1936).
– غادر”انكلترا“عام (1943).
– تنقل بين باريس، وكوبنهاجن، ودلهي، وبانكوك، بين (1943- 1950).
– عاد إلى السودان عام (1950).
– انتقل من الخرطوم إلى”القرية المغمورة“حوالي عام (1951).
– توفي في القرية عام (1956).

أي أننا نستطيع القول – بصورة نسبية- أن”مستر سعيد“قد عاش بين (1898- 1956) تقريبًا. وهذه المدة هي الفترة الزمنية التي تمّ فيها استعمار السودان على يد”الانكليز“وبشراكة مصرية. وهذا أحد أشكال عبقرية”الطيب“، حيث جعل من حياة”الغريب“رمزًا لفترة وجود الاحتلال الأجنبي الغريب لبلاده!. وعلى ذلك ربما يمكننا بصورة نسبية أن نقول أن عمر”مصطفى سعيد“عندما توفي كان حوالي (58) سنة. لكن بالمقابل ثمة إحساس يشي بأن”الطيب“قد جعل”حسنة“رمز للأرض أو الوطن السوداني، وبالتالي فإن”ود الريس“قد يصح أن يكون رمز للحاكم من أبناء البلد؛ الذي أراد بعد خروج المحتل أو”الغريب“تملك السلطة من بعده أو خلافته بالقسر والعنف، وللأسف هذا يشبه حال الحكومات الإنقلابية التي دأبت على اغتصاب أو احتكار حكم السلطة في السودان بعد المرحلة الاستعمارية – كما هو معلوم- وهذا بالطبع لا يختلف عما حدث في بقية البلدان العربية أو في أكثرها على أقل تقدير. أما تعلق”حسنة“بـ”مصطفى سعيد“ورفضها لـ”ود الريس“، فيمكن تأويله رمزيًا؛ بأن الوطن – مرمزًا بالمرأة”حسنة“- صار يحن أو يترحم على أيام المُستعمِر، بعدما رأى من صلف ورعونة سلوكيات الحاكم من أبناء البلد، والذي غالبًا ما أودت ساسيته الاحتكارية والإقصائية في إدارة الدولة، إلى تدمير بنية النسيج الاجتماعي المتشابك، وإلى تبديد موارد الثروة البشرية والمادية الهائلة، وذلك في خضم صّرعات”دون كيشوتية“، تعتمد فلسفة”البلطجة“أو”الزّعرنة“السّياسيّة.

ولوعدنا الآن إلى موضوعنا الأساسي، لوجدنا وكأن”الطيب“يكمل مهمة”موزيل“أو يتسلم الرّاية منه؛ فهذا الأخير كتب عن ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها. أما”الطيب“فكتب عن ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها .. فإذا انتقلنا إلى العالم الروائي لنقارن الفترة الزمنية التي عاشها بطل”تونكا“الذي هو – كما نرجح-”موزيل“نفسه بين (1880- 1942)، سنجد أنها توافق جزء كبير من الفترة الزمنية التي عاشها بطل”موسم الهجرة“؛”مصطفى سعيد“؛ بين (1898- 1956)، فقد تعاصرا بحوالي (44) سنة تقريبًا.

في سياق آخر من التقارب في سرد الأحداث، واستعمال المفردات والصور، نجد أن”موسم الهجرة“تبدأ بالحديث عن عودة الراوي من سفره في بلد الدراسة. ومن ثمة يبدأ مباشرة بالحديث عن منزله وأهله وقريته، ويؤكد شعوره بالتجذر والانتماء إلى موطنه، فهو يقول:
-”(…) لكن الضباب راح، واستيقظت ثاني يوم وصولي، في فراشي الذي أعرفه في الغرفة (…)“(119).
-”صوت الريح وهي تمر بالنخل غيره وهي تمر بحقول القمح. وسمعت هديل القمري، ونظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت أن الحياة لا تزال بخير، أنظر إلى جذعها القوي المعتدل، وإلى عروقها الضاربة في الأرض، وإلى الجريد الأخضر المنهدل فوق هامتها فأحس بالطمائنينة. أحس أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور له هدف“(120).

ولو ذهبنا الآن نتأمل الترتيب الذي تبدأ به قصة”تونكا“لوجدنا شيء يشبه في خطوطهِ العامة ما هو عليه الأمر في مقدمة”موسم الهجرة“، فلننظر في المقدمة التي يصدر بها”موزيل“عمله”تونكا“:
-”على سور. غنّى طير. وبعد حين توارت الشمس في مكان ما وراء الأحراش. صمت الطير. حدث ذلك في المساء. أقبلت الفتيات الفلاحات يغنين عبر الحقول. أي تفاصيل. فهل من التفاهة أن تعلق تفاصيل كهذه في أعماق الإنسان كالنبات الشائك كانت هذه هي تونكا“(121). 
-”(…) إذ تقتلع قوة مجهولة كل شيء من الضلوع، فيصبح المرء أعزل وحيدًا أكثر من أي وقتٍ آخر“(122).
-”(…) تونكا تعيش في بيت عمتها (…) على المرء أن لا ينسى المنزل الذي كانت له خمس نوافذ تطل على الشارع – كانت النوافذ قائمة بين البنايات الشاهقة المشيدة حديثًا- وثمة بيت في بناية خلفية كانت تونكا تقيم فيه (…) الريح تهب رقيقة عبر الجذور التي أبقاها الحصاد (…)“(123).

والآن عندما يتأمل المرء في الاقتباسات السابقة، فهو يشعر بنوع من التشابه، ولكن كما حدث في مواضع أخرى نجد أن الأحداث عند”الطيب“تأتي بترتيب مغاير لما تجري عليه عند”موزيل“، مع اتفاق عام في مضمونها، فمثلًا نحن نجد أن”الطيب“يرتب الأحداث في بداية”موسم الهجرة“، على النحو التالي:
1- تحدث عن نفسه أو عن الراوي العائد من السفر(124).
2- عن منزل أهله(125).
3- عن الطبيعة في قريته(126). 
4- عن ثبات الجذور والطمأنينة(127). 
5- ثم ينتقل للحديث عن بطله”مصطفى سعيد“(128).
ونحن نعلم أن المسافة بين”الطيب“و”الراوي“و”الغريب“ليست واضحة تمامًا، فهي تقترب حينًا، وتبتعد حينًا آخر.
أما عند”موزيل“فيأتي ترتيب الأحداث – كما ذكرنا- مغاير لما هو عليه عند”الطيب“، فهو بدلاً من أن يتحدث عن نفسه في البداية، نجده يتحدث عن بطلته”تونكا“، بحيث جاء ترتيب المقدمة على النحو التالي:
1- تحدث عن الطبيعة(129).
2- تحدث عن بطلتة”تونكا“(130).
3- عن عدم الطمأنينة وهشاشة الجذور(131). 
4- عن أهل”تونكا“(132).
5- عن منزل”تونكا“(133). 

والآن نريد أن نعزل المفردات والتعابير الأساسية التي وردت في الأقتباسات التي استشهدنا بها – أعلاه- من كلا مقدمتي الكاتبين، ثم لنحكم إن كان ثمة أي تقارب أو تشابه بينهما أم لا .

أولًا: المفردات أو التعابير الأساسية الواردة في الاقتباسات من مقدمة”موسم الهجرة“عند”الطيب“:
( الضباب راح – صوت الريح – مهب الريح – حقول القمح – هديل القمري – النافذة – جذعها القوي – الطمأنينة – لست ريشة – جذور – هدف – عروقها ضاربة في الأرض ).

ثانيًا: المفردات أو التعابير الأساسية الواردة في الاقتباسات من مقدمة”تونكا“عند”موزيل“:
( توارت الشمس – الريح تهب – عبر الحقول – غنّى طير – نوافذ – أعماق الإنسان – أعزل – الجذور – وحيد – رقيقة – تقتلع قوة مجهولة – الأحراش ).

 

خلاصة
حقًا هذا التخاطر في بعض السياقات العامة أحيانًا، والتفاصيل الدقيقة أحيانًا أخرى، بين كلا الكاتبين يثير الدهشة والروعة في تلاق العبقرية الروائية عند كليهما .. وسنكتفي بهذا القدر، ولكننا قبل أن ننهي هذه المقالة، نريد أن نقدم الفروض الممكنة لمثل هذه التوافقات اللّغويّة أو التّعبيريّة أو الحدَثيِّة، ونحصرها في الآتي:
1- ليس ثمة أية ترابط أو اتفاق بين كلا الكاتبين أو بين أعمالهم؛ وأن كل ما سقناه لا يصل إلى درجة الإقناع فيما زعمناه من توافق بينهما.
2- ما قدمناه هنا يثبت بشكل واضح أن بينهما أشياء مشترك على المستوى الواقعي والروائي.
3- حدث بينهما تأثير مباشر من خلال اطلاع”الطيب“على تركت”موزيل“الأدبية أو بعض أجزائها وعلى الأقل عمله”ثلاث نساء“.
4- حدث تأثير غير مباشر؛ من خلال اطلاع”الطيب“وتأثره بأعمال كتّاب تأثروا هم بدورهم بأعمال”موزيل“، فليس من المستبعد أن يكون أحد كتّاب”الإنكليز“أو”الفرنسيين“قد تأثر بـ”موزيل“، ومن ثمة تأثر به”الطيب“.
5- أن يكون كلًا منهما، أي”موزيل“و”الطيب“قد تأثر بأعمال كاتب أقدم منهما اطلع كلاً منهما على أعماله.
ونحن – شخصيًا- نميل إلى ترجيح الفرض رقم (3) لأن الفترة التي كتب ونشر بها”الطيب“”موسم الهجرة إلى الشمال“– أي حوالي (1966)، كما بينا أعلاه- كانت هي الفترة التي ذاعت فيها شهرة أعمال”موزيل“عالميًا أو على الأقل أوربيًا، بل توافق أن أُخرجت بعض أعماله سينمائيًا، وشوهدت في معظم دور السينما الأوربية، وبطبيعة الحال في”انكلترا“، حيث كان”الطيب“في أوج نشاطه وعطائه، وإقباله على الحياة الثقافية والأدبية في”لندن“، بل إن احترام وتقدير”الطيب“للأدب الألماني كان شيء معروف، وقد صرح به في الكثير من لقاءاته المسجلة أو المكتوبة. ثم إن تأثر”الطيب“بـ”موزيل” أو أي كاتب آخر ممن سبقه لا ينقص بأي حالٍ من الأحوال من شأن عبقريته الروائية، ومن رتبته الإبداعية، بل هذا التأثر إنما يكون من نواميس التثاقف عبر الأجيال المتعاقبة من المبدعين.

الهوامش:

1-  الطيب صالح:  منسي: إنسان نادر على طريقته!، ط1، دار الريس، بيروت، 2005، ص 54
 2- ملاحظة: على الرغم من إجادة الألمانية، إلا أننا فضلنا الاعتماد – هنا- على ترجمة الأستاذ الموزاني لـ “نساء ثلاث”، وكذلك على المقدمة التي رصد بها أهم المحطات الأساسية في حياة “موزيل”. ونرغب هنا بتوجيه الشكر للجهد الكبير الذي بذله الأستاذ الموزاني في نقل هذا العمل المهم إلى العربية.
 3-  انظر “روبرت موزيل” (1924): ثلاث نساء، ترجمة حسين الموزاني، دار الجمل، ط1، ألمانية، كولن، 1997  ص 99
 4- انظر ثلاث نساء ص 98- 101
 5- انظر ثلاث نساء ص 124
 6- انظر قصة “تونكا” ص  71- 127
7-  انظر نساء ثلاث ص 42
8-  انظر ثلاث نساء ص 59 – 70
9-  انظر ثلاث نساء ص 69
10-  انظر ثلاث نساء ص 99
 11- انظر الطيب صالح (1966): موسم الهجرة إلى الشمال، ط 14، دار العودة، بيروت، 1987، ص 167
 12- انظر موسم الهجرة  ص 35 – 37
 13- انظر موسم الهجرة ص 22 و ص 73
 14- انظر موسم الهجرة ص 50
 15- موسم الهجرة ص 72
16-  موسم الهجرة ص 73
17-  انظر موسم الهجرة ص 71
 18- موسم الهجرة ص 70
 19- انظر موسم الهجرة ص 50
 20- انظر موسم الهجرة ص 72
 21- انظر نساء ثلاث ص 13
 22- انظر ثلاث نساء ص 42
 23-  انظر موسم الهجرة ص 69
 24- انظر موسم الهجرة ص 95
 25- انظر موسم الهجرة ص 95 وأيضًا ص 49
 26- انظر موسم الهجرة ص 71
 27- “ثلاث نساء” ص43
 28- “موسم الهجرة” ص33
 29- انظر نساء ثلاث ص 68
 30- انظر موسم الهجرة ص 165-167
31-  انظر ثلاث نساء ص 69
32-  انظر موسم الهجرة ص 167
 33- موسم الهجرة ص 166
 34- “ثلاث نساء” ص 67
 35- ثلاث نساء ص 58
 36- ثلاث نساء ص 59
37-  ثلاث نساء ص 67
38-  موسم الهجرة ص37
 39- ثلاث نساء ص 116
 40- انظر ثلاث نساء ص 122
 41- موسم الهجرة ص 5
 42- موسم الهجرة ص 32
 43- موسم الهجرة ص 37
 44- موسم الهجرة ص 41
45-  موسم الهجرة ص 42
 46- موسم الهجرة ص 45
 47- موسم الهجرة ص 45
 48- موسم الهجرة ص 46
 49- موسم الهجرة ص 46
 50- موسم الهجرة ص 47
 51- موسم الهجرة ص 48
 52- موسم الهجرة ص 166
 53- موسم الهجرة ص 95
 54- نساء ثلاث ص 32
55-  نساء ثلاث ص 32
56-  نساء ثلاث ص 40
57-  نساء ثلاث ص 47
 58- نساء ثلاث 47
 59- نساء ثلاث ص 54
 60- نساء ثلاث ص 59
 61- نساء ثلاث ص 92
62-  نساء ثلاث ص 95
63-  نساء ثلاث ص 116- 117
64-  نساء ثلاث ص 117
 65- نساء ثلاث ص 126
 66- نساء ثلاث ص 19
 67- موسم الهجرة ص 17
 68- انظر موسم الهجرة ص 34
 69- انظر نساء ثلاث ص21 وص 34
 70- نساء ثلاث ص 14
 71- نساء ثلاث ص 29
 72- موسم الهجرة ص 37
 73- ثلاث نساء ص 43
 74- موسم الهجرة ص 43
 75- ثلاث نساء ص 61
 76- نساء ثلاث ص 51
 77- موسم الهجرة ص 36
 78- نساء ثلاث ص 46- 47
 79- موسم الهجرة ص 45
 80- موسم الهجرة ص 75 – 76
 81- ثلاث نساء ص 43
 82- موسم الهجرة ص 33
 83- موسم الهجرة ص 26
 84- موسم الهجرة ص 30
 85- موسم الهجرة  ص 26
 86- موسم الهجرة ص 38
 87- موسم الهجرة ص 97
88-  موسم الهجرة ص 122
 89- موسم الهجرة ص 22
 90- انظر موسم الهجرة ص 56
 91- موسم الهجرة ص 53-54
 92- موسم الهجرة ص 58
93-  موسم الهجرة ص 58
 94- موسم الهجرة ص 59
 95- موسم الهجرة ص 59
 96- انظر موسم الهجرة ص 64
 97- موسم الهجرة ص 55
98-  موسم الهجرة ص 55
 99- موسم الهجرة ص 24
100-  موسم الهجرة ص 26
101-  موسم الهجرة ص 28
 102- موسم الهجرة ص 30
 103- موسم الهجرة ص 22
 104- موسم الهجرة ص 6
 105- انظر موسم الهجرة ص 10
 106- انظر موسم الهجرة ص 10 -11
 107- انظر موسم الهجرة ص 17- 18
 108- انظر موسم الهجرة ص 18- 19
109-  انظر موسم الهجرة ص 20 – 21
110-  انظر موسم الهجرة ص 49- 50
 111- موسم الهجرة ص 69
 112- موسم الهجرة ص 39- 40
113-  موسم الهجرة ص 10
 114- انظر موسم الهجرة ص 64
 115- انظر موسم الهجرة ص 101
 116- موسم الهجرة ص 72- 73
 117- انظر موسم الهجرة  ص 128 – 130
 118- انظر موسم الهجرة ص 44
 119- موسم الهجرة ص 6
 120- موسم الهجرة ص 6
 121- نساء ثلاث ص 70
 122- نساء ثلاث ص 71
 123- انظر نساء ثلاث ص 71- 74
124-  انظر موسم الهجرة ص 5
125-  انظر موسم الهجرة ص 5
 126- انظر موسم الهجرة ص 6
 127- انظر موسم الهجرة ص 6
 128- انظر موسم الهجرة ص 6
 129- انظر ثلاث نساء ص 71
 130- انظر ثلاث نساء ص 71
 131- انظر ثلاث نساء ص 71
 132- انظر ثلاث نساء ص 71- 72
 133 انظر ثلاث نساء ص 73

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق