«هدية الأقدار».. نظرة إلى الثورة التونسية / عباس بيضون

كنا في الطائرة منذ أكثر من ساعتين وهي لا تزال رابضة في مكانها من مطار اسطمبول وكاد صبرنا ينفد، حينما أعلن على الميكروفون صوت نسائي بفصحى ركيكة أنهم يعتذرون لأن التقنيين يقومون بفحص فني للطائرة. وقت آخر من الانتظار ويعود الصوت على الميكرفون ليعلن بعامية تونسية هذه المرة أن الفحص التقني أنجز لكن عجلة الطائرة «منفّسة»، لم يكن أمامنا سوى الصمت الذي قطعه الصوت نفسه يطلب منا أن نترك الطائرة. احتشدنا ونحن ننزل عن سلم الطائرة، نمشي زرافات في مماشي المطار، نتوقف ثانية عند القاعة التي تقاطعت فيها أشرطة رُسمت في داخلها مماش تنتهي إلى أجهزة للفحص دفعنا لها جاكيتاتنا وأحزمتنا وحقائبنا اليدوية. من هنا عدنا إلى القاعة التي كنا انتظرنا فيها من قبل. كنت وصلت إلى اسطمبول من بيروت لأتابع من هناك سفري في الطائرة التونسية إلى تونس. تأملت في هذا الجمهور العائد إلى تونس من اسطمبول. كان في الأغلب من التجار الذين يتبضعون ملابس تركية لأسواق تونس. كانوا في الغالب متوسطي الأعمار، أغلب النساء ارتدين الحجاب. كنت أمام شريحة من الطبقة المتوسطة التونسية. هذه هي طلتي الاولى على تونس.

 

حينما دعينا في الرابعة صباحاً إلى العودة للطائرة قال لي جاري في المقعد ان أموراً كهذه لم تكن تحدث من قبل. لم يذكر اسم بن علي لكنه كان يشير بالطبع إلى عهده، لم يكن الوحيد في ذلك. السائق الذي نقلني من الفندق أخذ في الطريق يتكلم عن الفوضى الضاربة. قال ان أصحاب البسطات صاروا يحطون أمام المتاجر وينافسونها على الزبائن. هذا هو المثل الذي استدل به السائق على الفوضى. السائق أيضاً لم يذكر بن علي وإن كان يشير إلى عهده. لا يذكر بن علي هنا إلا بقدر من الحرج. الذين يترحمون على الماضي، لا يرونه ممثلاً فيه. يرونه ممثلاً في الدولة التي بدأت تهتز، وما يترحمون عليه هو هذه الدولة.
في تونس حينما يممت من نهاري الأول إلى معرض الكتاب الذي دعيت إليه، رأيت جمهوراً آخر، شاباً في الأغلب. ليس صارماً ولا جامداً، جمهوراً أكثر فتوة وتحرراً. فتيات سافرات في الغالب يتجولن بأكمام قصيرة وربما ديكوليتيه. جمالهن ملحوظ وكذلك حيويتهن. لم تكن تونس أولئك الغارقين في رزانتهم في صالة الانتظار في المطار أو في الطائرة. كانت أيضاً هذا الجيل المنفتح العارم بالحركة. قال لي شاعر انه ما ان ارتفع سعر خروف العيد إلى ألف دينار بعد أن كان من قبل دون المئة حتى صارت الأزمة أمراً واقعاً. الشاعر لا يخفي أن ثمة حنيناً إلى عهد بن علي، يقول هذا مستنكراً ما صارت إليه تونس اليوم: أزمة معيشية وأزمة نظام. جاري في الطائرة لمح إلى أن النظام يحتاج إلى قدر من الاستبداد. قالها بتورية لكنه لم يذكر أسماء. هل هناك حقا حنين إلى ابن علي. الأكيد أن الحنين هو إلى عهد الحبيب بورقيبة. حزب «نداء تونس» الذي أسسه بعد الثورة الباجي قايد السبسي الذي هو من رفاق بورقيبة وكان وزيراً في عهده وترأس وزارة بعد الثورة. هذا الحزب هو الآن بحسب الاستطلاعات هو الأقوى اليوم في تونس ولو فاقته «النهضة» كما يقول مدير تحرير نشرة اوان الالكترونية عادل الحاج سالم في القدرة على التعبئة. الحنين بحسبه هو إلى الأمن والكفاية الاقتصادية، ثمة كلام على أن «نداء تونس» هي ايضا ملجأ لأنصار بن علي لكن الباجي قايد السيسي هو تقريباً ظل بورقيبة. انه من الجيل الذي كبر حول بورقيبة وهو تقريباً شبيهه في خطابته وله إلى حد ما كاريزماه.

 

الخارطة السياسية

 

إذا ألقينا نظرة على الخارطة السياسية لتونس اليوم أمكن تصنيفها بمساعدة عادل الحاج سالم إلى بضعة تحالفات حزبية ففضلاً عن النهضة ونداء تونس هناك الجهة الشعبية التي تضم 12 حزباً يغلب عليها اليسار سواء كان ماركسياً أو قومياً. اغتيل منها بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد وهو بدوره تجميع لمجموعات ما يسمى العائلة الوطنية الديموقراطية ذات الاتجاه الماوي، أما محمد براهيمي الذي اغتيل بعد بلعيد فهو رئيس حزب التيار الشعبي القومي. أهم أحزاب الجبهة الشعبية حزب العمال الماوي الأصل الذي قصر اسمه على العمال بعد أن كان حزب العمال الشيوعي. تضم الجبهة الشعبية أيضا تروتسكيين وناصريين وبعثيين وماويين.
هناك أيضاً المسار الاجتماعي الديموقراطي وهو اشتات من أحزاب قديمة من بينها الحزب الشيوعي الرسمي. أحد وجوهها أحمد ابراهيم الذي ترشح ضد بن علي وسمير الطيب المجادل البارع الذي يواجه حملات يومية. هناك ايضا التحالف الديموقراطي وهو تكتل من اليسار الإسلامي واليسار القومي محركه محمد الحامدي وهو نقابي محبوب وذو مصداقية.
قام الحوار الوطني بمبادرة ورعاية أربع منظمات: الاتحاد التونسي للشغل الاميل إلى اليسار، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الذي يمثل القسم الأهم من البرجوازية وهو أقرب إلى المعارضة، عمادة المحامين التونسيين، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان. اما خارطة الطريق التي اقترحتها ووافقت عليها النهضة فهي استقالة الحكومة، اتمام الدستور، اتمام القانون الانتخابي، انشاء هيئة مستقلة للانتخابات والاتفاق على حكومة انتخابات.

 

الصراع

 

يقول خميِّس العرفاوي الذي يرأس تحرير مجلة البديل الذي يصدرها حزب العمال الحزب الرئيسي في الجبهة الشعبية ان نظام النهضة خطف الثورة باتجاه مضاد للثورة وانه عودة إلى الاستبداد القديم وانه لم يسع إلى تحقيق الحرية والكرامة وأغرق البلاد في مشاكل اقتصادية مستعصية وعمم البطالة وتصدى لحقوق المرأة، بدلا من المساواة التي ينص عليها الدستور البورقيبي اقحمت كلمة التكامل التي قد تعني ان المرأة مكمل للرجل وليست مستقلة أو مساوية له.
غير أن أخطر ما يوجه للنهضة هو تورطها في إنشاء الميليشيات المسلحة مثل «روابط حماية الثورة» وتحالفها مع السلفيين والتكفيريين الذين كانوا وراء اغتيال بلعيد والبراهمي ومحمد المغني من الجهة الشعبية ولطفي نقض الذي سحل في الشارع.
النهضة والسلفيون في نظر العرفاوي من ذات المنظومة وإن تظاهروا بالاختلاف فإن هذا ليس سوى توزيع أدوار. الغنوشي يقول عن السلفيين انهم يذكرونني بشبابي ووزير الداخلية يقول عن معسكراتهم انها تدريب على الرياضة، عمليات التكفيريين تنتهي بإطلاق سراحهم. لم يحاكم جناة لطفي نقض ولا جناة بلعيد والبراهمي و«روابط حماية الثورة» التي أسستها النهضة تجمع مجرمين وتستخدم للترويع. تحالف النهضة رغم انه يضم تنظيماً في الاشتراكية الدولية «التكتل من أجل العمل والحريات» إلا ان التحالف مؤلف في أغلبه من أحزاب مختلفة ومزروعة زرعاً، حزب سليم الرياحي سارق أموال القذافي، وحزب الغوماني الذي أعطته النهضة نائباً في المجلس التأسيسي ليكون احتياطيا لها في مؤتمر الحوار. معظم هذه الأحزاب يتقرب من النهضة طلباً لحمايتها. تقسيم أدوار هذا ما يراه العرفاوي قائماً بين النهضة والسلفليين، الخلاف بين الطرفين مصطنع فالسلفيون يستخدمون من قبل النهضة لترويع الشارع وتخويف الخصوم.


يذهب البعض إلى اعتبار حكومة النهضة مسؤولة عن اغتيال نقض وبلعيد والبراهمي بل هناك من يرى أن للنهضة يداً خفية في هذه الاغتيالات على غرار ما يوجه في مصر من اتهام للإخوان بالتواطؤ مع إرهابيي سيناء. غير أن هذه التهمة لا ترضي عادل الحاج سالم الذي لا يصدق ان ثمة تواطؤاً بين النهضة والارهاب. لا يعتقد أن هيئة في النهضة أو واحداً من مراكزها متورط في الارهاب، قد يكون هناك أفراد متورطون من النهضة لكنه لا يظن ان ثمة قراراً حزبياً بذلك. هادنت النهضة السلفيين لأنها اعتبرتهم احتياطيا لها. هناك فيديو عن اجتماع للغنوشي مع قيادات سلفية يقول فيه الغنوشي ان الجيش غير مضمون والإعلام غير مضمون.


ما هي النهضة؟ تنظيم إسلامي، سياسته المتلونة تجعل الكلام في شأنه متفارقاً متناقضاً. خصومه الذين يتهمهم هو بفوبيا الإسلام يتهمونه بأنه يكذب حين يقول انه لا يسعى (الآن على أقل) إلى حكومة اسلامية. ان الخلافة ليست مطلبه. خصومه لا يفرقونه عن الارهاب اما النهضة فتقول عن نفسها انها حزب مدني لا يسعى إلى تغيير نمط العيش التونسي ولا ينكر ان السلفية الجهادية تنظيم ارهابي، وأن حكم الشريعة غير وارد الآن. بعض خصوم النهضة يذهبون إلى ان بين النهضة والسلفية الجهادية صلات مستورة وان الثانية تقوم بما تقوم به بعلم وموافقة الأولى. هذا البعض يجرم النهضة ولا يجد سبيلاً إلى اتفاق أو صلح معها.


عادل الحاج سالم الذي يقر بأن شعبية النهضة تراجعت إلى 25% يرى ان الحكم يجب ان يبقى مدنيا. الاسلاميون في نظره لا يمكن الغاؤهم بجرة قلم، انهم يمثلون شريحة من السكان. وهم براغماتيون وقابلون للتفاوض، لكن لا يمكن تركهم يحكمون كما يشاؤون. لقد استطاع المجتمع المدني التونسي أن يجبرهم على العودة إلى المربع الأول الذي يجب أن يبقوا فيه. إنهم كما قال الفيلسوف المغربي سعيد ناشيد تمرنوا على افتكاك السلطة مئة عام ولم يتمرنوا على ممارستها يوما واحداً. مع ذلك يقول عادل الحاج سالم ان التوافق هو خيارنا الوحيد.


كيف نقيم الثورة التونسية وما هو المرجو لمستقبلها. يمكن هنا ان أقتطع من كلام عادل الحاج سالم. كانت أولى الثورات العربية المعبرة عن وعي شعبي لحقوق الانسان: خبز، حرية، كرامة وطنية. «كانت التحاماً للمثقف بالعامي الذي كان حتى ذلك الحين، يعتبر احتياطياً للسلطة. مع الثورة تولدت مشاعر غامضة، لكن نبيلة كالتحاب والتعاطف وتعارف الجيران أثناء الحراسة المشتركة للحي. كانت الثورة هدية الأقدار وليست نتيجة المؤامرة أو التخطيط، لم تصاحبها ثورة فكرية». هل كان للتدخل الأجنبي دور، لم تصنع هذه كما يقول عادل في مخابر المخابرات الأميركية، قد يكون هناك إيعاز للجيش. في تونس دولة عريقة، يقول عادل، لهذا لم تنقلب الدولة على الرئيس. ظلت الدولة هي هي. ما من أحد كان مستعداً ليموت في سبيل الرئيس. ظلت مرافق الدولة تعمل، الكهرباء لم تنقطع والمدارس استمرت. هناك تقاليد إدارية في تونس ومصر والمغرب ليست الحال ذاتها في الجزائر وسوريا وليبيا حيث توجد أنظمة مغلقة أو لا أنظمة. الجيش لم يتحرك في تونس كما تحرك في مصر فليست له سابقة في هذا المجال. قد تهدد الحدود الليبية والجزائرية بحرب عصابات جهادية لكن السلم الاجتماعي مع ذلك لن يخترق. هناك أزمة معيشية والطبقة الوسطى الواسعة نسبــياً في تونــس بدأت تتذمر وتتدهور أحوالها لكن الاستبداد لن يعود والعنف الأهلي مســتبعد والمصالحة الوطنية ستكون فعالة ومجدية.

 

عن جريدة السفير

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق