الفن المعاصر بوصفه حقلاً اجتماعياً سعد القصاب

في زمن ظهور الفنون المعاصرة أو اتجاهات ما بعد الحداثة، أصبحت العملية الفنية تتجاوز ثلاثية الفنان والعمل الفني والجمهور. ثمة وسط آخر أكثر واقعية، ونفوذاً، وغموضاً، غدا يمتلك الدور في إسباغ المزيد من الشرعية، والأهمية، والتميّز، على العمل الفني وتعزيز ظواهره في عالم الفن. وسط يصفه البعض بالأكاديمية غير المرئية، متشكلاً من خبراء واداريين ومؤسسات، يفترضون طبيعة معينة للفن وحضوره.

المؤسسات الفنية، متاحف الفن، قاعات العرض، دور المزادات، مديرو المعارض، نقاد الفن، مثمّنو الأعمال الفنية، خبراء العلاقات العامة، الوسطاء، والمقتنون، اختصاصات ضمن منظومات فرعية في عالم الفن الراهن، تديم طبيعة بناء القيم الفنية في المجتمعات المعاصرة، وتشارك في تثمين النتاج الفني وتقدير العملية الفنية. على رغم ذلك لم تأخذ النظريات الجمالية والنقدية التقليدية المعنية في الفن، هذه القطاعات بالجديّة المطلوبة.

هناك قراءات أخرى كانت قد كرست حضورها ما بعد العقد السادس من القرن المنصرم، جاءت على شكل دراسات وبحوث معنية بالفن، متوافقة مع طبيعة التحولات غير المسبوقة والصادمة التي لحقت بآلية الحراك في المجال الفني المعاصر وفضاءاته. مثل هذه الدراسات لم تكن من صميم أطروحات النظرية الجمالية التقليدية، لكنها تغذّت من أفكارها ومفاهيمها كما استعانت باختصاصات نظرية أخرى في العلوم الانسانية، حتى تحوّلت الى أن تندرج كفرع علمي نتلمس حدوده ضمن مجال معرفي شديد الدقة.

ذلك ما سمّي بعلم اجتماع الفن كأحد الفروع أو العلوم المعاصرة، الذي تجري دراسته عبر الافادة من تخصصات وعلوم أخرى، مثل السوسيولوجيا، والتاريخ، والانثروبولوجيا، والاقتصاد، وعلم الجمال، والنقد الفني. لقد استطاع هذا الفرع العلمي، الحديث نسبياً، أن يفرض أهميته ووظيفته من خلال دراسات بحثية ذات طابع نظري وإجرائي.

اختصاص كهذا يقترح من خلال أطروحاته ذات المنهج التجريبي، التي تعتمد الجانب الاحصائي ومهارات البحث الميداني واستعمال المقابلات والمشاهدات العيانية، التأثير في سلّم القيم للمنتج الفني وتوجيه السياسات الثقافية الخاصة بالعملية الفنية، عدا تأكيده أسئلة معاصرة، معنية بالصلة بين الفن والمجتمع، وفق طبيعة تفكير ينظر من خلالها الى الفن بوصفه حقلاً اجتماعياً.

* * *

انتقلت ثنائية الفن والمجتمع عبر قراءات تجاوزت القرن من الزمن. كانت في البدء تتمحور على العلاقة “ما بين” الفن والمجتمع، التي بحثتها كثيراً التعليلات الماركسية في الفن. ومن ثم ثنائية الفن “داخل” المجتمع، كما بيّنتها الدراسات النقدية لمدرسة فرانكفورت. بدت أهمية علم اجتماع الفن في انتباهه لعلاقة ثالثة تتمثل الفن في وصفه “مجتمعاً” قائماً على الاندماج مع ما يسمّى الصناعة الثقافية وليس باعتباره مجالاً إبداعياً مستقلا. سؤال رسّخه مفهوم الوساطة، أو العلاقات غير المباشرة التي تكتنف الفنون المعاصرة. تصورٌ غدا، من دون شك، تحدّياً لسلسة الافكار البديهية عن الفن ونظرياته الجمالية.

صور ارتباط الفن بالمجتمع، وتأثير طبيعة الاخير فيه، ومزايا الانتاج والاستهلاك الفني، وتوسطات المؤسسة الفنية والدعاية والتسويق والتمويل والمنتجين، وكل ما يشير الى اثر السياقات والقوى الاجتماعية الفرعية الملازمة للعملية الفنية التي يتطور او يتبدل من خلالها الفن راهنا، هي أهداف مبيّنة وأساسية لهذا العلم الذي لا يكفّ عن البحث فيها ومساءلتها.

على الرغم من ان الفن والفنانين في نظر البحث السوسيولوجي، ادوات متميزة لازدهار المجتمعات، ومرآة يتضح فيها كيف تخلق هذه المجتمعات الحاجات الجمالية لنفسها، وكشفها عن نوع من التمثيلات أثناء علاقتها مع العالم الخارجي، لكنها دراسات ستبقي المسألة المعيارية والقيمية التي تنطوي عليها حقيقة الفن، مسألة ملتبسة ومقلقة.

* * *

يمكن اعتبار أطروحات هذا التخصص هي الأكثر قرباً الى دراسة الفن في المجتمع على ضوء السياقات الاقتصادية والثقافية والمؤسساتية بكونها عوامل تساعد في انتاج العمل الفني وتلقيه. كان مدخله الشديد الانتباه، بدأ من الرعاية التي يوليها المجتمع للفن، واثر العلاقة القائمة بين الفنان والعالم المحيط به، وقراءة تاريخ المؤسسات الفنية التي باتت بدورها موضوعاً للمناقشة والتحليل، وتبيان أهمية الطلب والاتفاقات والتأثير في مزايا الانتاج الفني وخصائصه. اي بجعل عالم الفن من صلب التاريخ الاجتماعي.

أكدت هذه الدراسات العلاقة بين الذوق والحكم الجمالي والابعاد الطبقية، اثناء دراسة التاريخ الاجتماعي لمقتني الاعمال الفنية والجمهور اللذين باتا يحتلان مكانة بارزة فيها، كاشفة عن الذائقة وتطورها، من الهيمنة الرسمية للموضوعات الفنية التاريخية واهتمامها برسم الحياة اليومية الى دراسة العوامل المكوّنة لذوق الطبقة الاجتماعية، ووسائل الرعاية المحيطة بالعمل الفني، وطبيعة الاهتمام والتداول الفعلي له. عدا قراءتها الاهتمام الاساسي والوظيفي الذي يؤديه الوسط المحيط بالفن واثره في بنيته الداخلية وتفاعلاتها. لقد ذهبت الى تقديمها الاستعدادات الثقافية كحزمة متماسكة من القدرات والمؤثرات التي تساعد على الاستجابة لمطالب الجمهور ومساهمتها في بلورة تلك المطالب.

أهم تحديات هذا الاختصاص تكمن في اجتهاده لفكرتي الفن والفنان، بطريقة تتجاوز فيها ضروب التفسير والتقدير الجمالي والفكري العتيدة لهما. فهو يتقرب الى مفهوم الفن بحذر شديد، حينما ينظر اليه بكونه ممارسة خضعت لتوصيفات منحازة وتمييزية بأثر تفسير ماضيها على ضوء اهتمامات خاصة لم تخل من الهيمنة. فالفن لا ينطوي على غايات خاصة في حد ذاتها وقائمة على طبيعة دائمة، بل هو صفة تطلقها مجموعة اجتماعية، مهيمنة، مهتمة به، تسعى الى إضفاء ذائقة وتفضيل اشكال من النتاج الثقافي دون غيرها، كما الامر في الفروق التي يمكن تميزها بين الفن الرفيع والفن الشعبي. مثل هذا التفضيل هو بدوره ذو طبيعة نسبية قائمة على شكل من التمايز الاجتماعي والطبقي.

فيما الفنان، ليس ذلك الكائن الاستثنائي والمتفرد ذا المزايا الذاتية، “المتمرد الذي تقاس أصالته الفذّة بكونه ضحية لاستعصائه على الفهم” (بورديو)، بل هو حامل لصفة منتج اشكال، ومطوّر لها، جاءت على أثر استعداده لتمثيل فكرة الذات خارج أطار الجماعة، بدواعي استقلاله عن نظام الرعاية الطبقية منذ القرن التاسع عشر وخصوصاً في الغرب، ودوره الذي تعزز بأثر الموقف الاحتجاجي والمعارض بالضد من طبقات اجتماعية كانت شديدة الترف.

يتهم السوسيولوجيون ان الافكار المكرسة عن الفن والفنانين هي جراء هيمنة الرؤية الرومنطيقية غير الواقعية وغير المحايدة، الحاشدة بالتصورات المثالية والمعايير الجمالية المطلقة، التي لا تعدو كونها اختراعا اجتماعيا، ابقت الحقل الفني غامضا ولا يدل على طبيعته الاصيلة الذي هو في حقيقته نتاج جماعي. طبيعة تكشفها طرائق الانتاج والتوزيع والاستهلاك، ذلك الذي تقوم به مجموعات اخرى، من غير المبدعين، كي تظهره الى الوجود.

* * *

يتعين مفهوم الحقل بوصفه فضاء يتمتع ببنية خصوصية في المجتمع، وموقعاً تحدده علاقات وقواعد وقوانين مستقلة نسبيا وذات أهدف مبينة. وهو غالبا في وضع تنافسي وصراعي على التسميات والادوار من اجل الهيمنة والحصول على الحد الاقصى من الاعتراف، بل يساوي نظاما من علاقات تقوم على القوة والاختلاف ما بين “هراطقة” جدد و“عقيدة” مكرّسة، وحيث تتعايش فيه التراتبية وفق مكاسب الربح والمكانة.

كان نشوء الحقل الفني قد بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر، ومن خلال تحدّي قواعد الاكاديمية الفرنسية في تحديدها العمل الفني. في العام 1863، رفض محكّمو هذه الاكاديمية في معرض “الصالون” السنوي بباريس لوحة “غداء على العشب” للفنان الفرنسي ادوار مانيه (1832- 1883)، كما رفضوا المئات من الاعمال الفنية لفنانين آخرين. لكن سمح لهم بتنظيم معرض خاص بأعمالهم، بعد طلب الالتماس من الامبراطور نابوليون الثالث، أطلق عليه “صالون المرفوضات”. يزعم نقاد الفن ان هذه اللحظة كانت تأسيسية لجهة ولادة الفن الحديث، اذ تغيرت حال الفن وواقعه بعدها، فاتخذ مواقف جديدة تجاه نفسه، كشفتها مسارات الحداثة أثناء تحولاتها المختلفة.

منذ ذلك التاريخ، بدأ نشوء مؤسسة تخصصية اسمها عالم الفن، بوصفها منظومة اجتماعية مستقلة عن المؤسسات الاخرى ضمن الكيان الاجتماعي العام، لها تاريخها الخاص واهتماماتها وتشريعاتها لقوانين تنظم آليات حقل الانتاج الفني وضبطه.

في كتابه “قواعد الفن” يبين عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930 –2002)، ان بدايات نشوء هذا الفضاء كحقل فني، تميّز بحضور تعارضي ومقاوم لجعل الفن تابعا لقواعد المؤسسة. ترسخت من خلال هذه العملية آليات واستعدادات وطرق انتاج وتقدير وتقويم بصورة مركبة لعالم الفن. اذ بعد انحلال عنصر رعاية الفنان من المؤسسة الاجتماعية، كان عليه ان ينتج لاغراض العرض، وان يتوسط تجار الفن لاقتناء الجمهور المحتمل لمنتجه، حيث ستتم الاستعانة بالنقد، واستثمار سمعة الفنان وإحداث تأثيرات في القيمة المادية والرمزية للعمل الفني ضمن مجال المضاربة المالية لقصد الربح، في ظل اقتراح مرجعية وحيدة، هي الفنان ذاته وخصوصيته التي يسعى ان تكون لافتة ومغايرة.

لم تعد الاعمال الفنية الكبيرة ذات الابعاد الكبيرة بموضوعاتها التاريخية هي أفضل الانواع، بل الاعمال الصغيرة بأبعاد اقل وبصفات مبهجة ومختلفة، تلك التي يمكن أن تقتنيها فئات المجتمع الحديث والناشئ. في ذلك العصر بدأ، أيضا، دور النقاد في تأشيرهم إلى الاعمال الفنية الجديدة التي تستحق التقدير لأسلوبيتها المتميزة. ولكي يكون العمل الفني اشدّ استثناء كان على الفنان تأليفه وفق اسلوب شخصي وفريد، وهذا ما يسعى إليه المقتنون. ان تنفيذ أعمال ابداعية خاصة قائمة على القطيعة مع التجارب الفنية السابقة، هو الذي يعزز حالة النجاح الفني والشهرة.

لقد أصبح الحقل الفني الذي تتم فيه عملية الانتاج والتلقي قادراً على صناعة حس مشترك وميول واستعدادات لانماط تقبل وتقدير وتثمين ما هو استثنائي في عالم الفن، وهي الضرورات التي لا تولدها الاعمال الفنية بمفردها.

* * *

هكذا صار كل تحّول واختلاف في الاتجاه الفني هو فعل تميّز داخل هذا الحقل وتكريس لاستقلاليته، لكونه المؤهل لامتلاك الشفرة السرية في تقدير العمل الفني وتفسيره واضفاء الشرعية عليه، وتحديد الفارق باعتباره التجربة الاهم. لنأخذ أعمال مارسيل دوشان الجاهزة الصنع، وعمله الينبوع “المبولة” الذي عرض في أميركا عام 1917. حينما تم افتراض تفسيرات واجتهادات لتنقيته وتقديمه كعمل فني طلائعي ينطوي على قيمة فنية متقدمة. لقد بات تاريخ الفن الحديث هو تاريخ الانتاج الفني كذلك.

تطورت تلك الصياغات والتفضيلات والغايات من اجل جماليات معاصرة، ضمن نسق التحولات التي واكبت القرن الماضي. كان الحقل يواكب استقلاليته بوفرة النتاج وتنوعه، وهو توسع كان غير مسبوق، من قبل، في تاريخ الفن. كانت الوفرة تهيئ كذلك، انتقال الحقل من كونه الحافظ لقيمة الرأسمال الثقافي للعمل الفني الى موقع صار فيه رأسمالا تجاريا. ما كان يحدد من تراتبيته، هي وسائل الاتصال وقوى السوق والسياسة الليبيرالية التي انتهجتها المؤسسات ومتاحف الفن، وتطور أنظمة فرعية تخصصية في مجال الانتاج والاستهلاك الفني خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد بات كل عمل فني معاصر، ينجز ويتشكل وفق ضرورات الحقل واستعداداته والافتراضات الممكنة فيه. واكب ذلك، تغيير العامل المرجعي للفن بإعادة تنظيم القيم الموضوعية التي يتم على اساسها حضوره. وظهور تعليلات وتوجهات تنفي وجود معايير موضوعية للذائقة قادرة ان تعرّف الفنّ وتميّزه عن اللافن، وتنفي وجود محدد ذوقي وتراتبي لتقويم الشيء الفني، ما عزز أدوار الهيمنة داخل الحقل الفني. ان المختصين بالنشاط الفني ورعاته، بينالات، معارض فنية دولية، مزادات فن، قاعات عرض، هؤلاء هم من “لديهم القدرة على تعريف شيء على انه”فن“حتى لو كان العمل الفني بالنسبة الى الجمهور العام يبدو مجرد”كومة طابوق”، بل ويفترضون الظرف التاريخي والجمالي وتأكيد أنماط التقبل الفني من قبلهم للجمهور وتسويغ التجارب المعاصرة باعتبارها جماليات متقدمة، تجدد أدوارها وتفوقها عبر آليات واجراءات تمتلكها المؤسسات المنضوية في عالم الفن.

هكذا ستحقق الفنون المعاصرة مجالات انتاج ذات طابع مستقل وطبيعة تمثيل خاصة بها واحتكار شرعية التراتبية الفنية في عالم الفن. لقد صار كل رفض وتعارض يكتنف الفنون المعاصرة يحظى بالقبول بوصفه فن مؤسسة معاصرة. فالعمل الفني هو مظهر ثقافي لمجتمع الاستهلاك، القادر على اختراق حدود الفن، وعبر انعدام توافر الجمالي والجميل والاستدامة فيه، فيما الفنان هو ذلك الكائن المندمج في الصناعة الثقافية، وليس ذلك المستقل القابع في محترفه.

يبدو ان من شروط الحقل الفني هو الخضوع لقواعد سير للمضي فيه!

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق