في بعض تداعيات تعثّر الحوار الوطني بتونس / محمد الحدّاد

ما أطلق عليه في تونس «الحوار الوطني» لم يكن حواراً بالمعنى الحقيقي، وإنما مفاوضة سياسية بين أطراف يظن أنها فاعلةٌ. وبصرف النظر عن التسمية، فإن المسار في ذاته محمود لأنه خفّف الاحتقان المتولّد عن جريمة اغتيال النائب المعارض محمد البراهمي في 25 تموز (يوليو) الماضي، ولأنه يمكن أن يوفّر فرصة تفعيل عملية كتابة الدستور التي تعطّلت منذ حزيران (يونيو) لأسباب متداخلة.

ويرتطم المسار التفاوضي في تونس بثلاثة عوائق، أوّلها أن تحالف المعارضة السابقة للرئيس المخلوع قد تصدّع منذ نجاح الثورة، وما فتئت الهوة تتعمّق بين «النهضة» ومن ظلّ متحالفاً معها من جهة، والمكوّنات الأخرى التي اختارت المعارضة من جهة أخرى. وثانيها تعاظم تيّار من خارج المعارضة الراديكالية السابقة، أصبح له حضور قوي وفاعل، يمثله رئيس الوزراء للمرحلة الانتقالية الأولى السيد الباجي قائد السبسي.

فهذا التيار الذي لم يكن واضح المعالم يوم انتخابات 2011/10/23 غيّر الخريطة السياسية، ومن العادي أن تتغير بعد عامين، لا سيما أن من طبيعة الثورات أن تسرّع وتيرة كل التغيرات في المجتمع، فيما لا تكون للجزء الأكبر من المواطنين اختيارات محددة.

أما العنصر الثالث فهو غياب الثقة بين القطبين الرئيسيين، الائتلاف الحاكم و «جبهة الإنقاذ» المعارضة. فكلّ طرف يتهم الآخر بالانقلابية، المعارضة تصرّ على أن المجلس التأسيسي انتُخِبَ لسنة وأن استمراره لسنتين حتى الآن انقلاب أبيض، لا سيما أنه لم يحقّق الغاية الأساسية من وجوده، وهي الكتابة التوافقية للدستور الجديد. وبما أن الحكومة تشكلت من قبل المجلس فإنها أيضاً تفقد شرعيتــــها معه، فإن لم تفقد الشرعية القانونية فلا أقلّ من فقدانها الشرعية الأخلاقية والوفاقية.

أما الائتلاف الحاكم فيعتبر تفويضه قائماً ما لم ينجز الدستور، ولا يرى نفسه مسؤولاً عن التأخير في إنجازه، ويتهم المعارضة بأنها تعمّدت تعطيل كتابة الدستور، وتحاول الوصول إلى الحكم من دون المرور في انتخابات. ويرتبط هذا الخلاف بتقويم الوضع في البلد، ففي حين ترى المعارضة أنه وضع كارثي وتحذّر من أن خزينة الدولة على قاب قوسين من الإفلاس وأن الإرهاب استقر في البلد، يرى الائتلاف الحاكم أن المصاعب الاقتصادية والأمنية نتائج طبيعية للفترة الانتقالية وللوضع الإقليمي العام.

لا غرابة حينئذ أن تتعثر المفاوضات التي أطلقت عليها تسمية «الحوار الوطني»، فالاتفاق في الأهداف المعلنة بالكاد يحجب الاختلاف الكبير في التصورات والحسابات السياسية.

المعارضة تريد من هذا الحوار أن ينتهي إلى تشكيل حكومة قادرة على إنقاذ البلد، أي إنقاذ اقتصاده والتصدي للإرهاب أساساً، أما الائتلاف الحاكم فيريد حكومة «انتخابية» تتمثل مهمتها الرئيسية في تصريف الأعمال العامة. ولا يخفى أنه إذا قامت حكومة إنقاذ وحققت نجاحات واضحة في مجالي الاقتصاد والأمن، فإن هذا لن يكون في مصلحة الائتلاف الحاكم وحركة «النهضة» تحديداً، لأنه سيعمّق الشعور بفشل حكومتي السيدين حمادي الجبالي وعلي العريض، وستكـــون له آثار سلبـــية على الأصوات المساندة لحركة «النهـــضة». لكن هذه الحركة تدرك أيضاً أن بقــــاء الأمر علـــى ما هو عليه ستكون له آثار سلبية، بما أنهــــا ستتحـــمّل أيضاً مسؤوليته لدى جزء من الناخبين. لهذا قبلت بالتخلّي عن الحكومة من دون التخلي عن الحكم، بحسب العبارة التي استعملها السيد راشد الغنوشي.

ودخلت المعارضة الحوار انطلاقاً من فرضيات غير دقيقة، فأساءت تقدير براعة «النهضة» في المناورة، وظنتها حركة متداعية تبـــحث عن مخرج توفره لها المعارضة. والواقع أن «النهضة» استعادت الثقة بنفسها عندما فشــــلت المعارضة في 23 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في تجييش أعداد غفيرة للمشاركة في ما دعي بتظاهرات الرحيل. وفي كلّ الحالات فإن معاييــــر النجاح والفشل تختلف اختلافاً كبيراً بين الطـــرفين، فالنهضة تحمل مشروعاً أيديولوجياً ولا تقوّم النجاح بنسبة النمو والترقيم السيادي وقيمة العملة المحلية مقارنة بالدولار.

الشعــــور المفرط بالقــــوة لدى المعارضــــة هو الذي جعـــلها تقع بسهولة في الفخ الذي نـــصبته لها «النهضة»، بل إنّ الأخيرة استفادت من حـــال الارتبـــاك المترتّبة على نهاية المفاوضات من دون نتيجة لتعزّز موقعها في المجلس التأسيسي، بأن عاقبت حليفها غير المنضبط مصطفى بن جعفر (رئيس المجلس) بتعديل القانون الداخلي بصيغة جديدة تمنعه من تعليق أعمال المجلس، كما حصل في السابق، بما أن التعديل الجديد يسمح مستقبلاً لنصف النواب بأن يعقدوا الجلسات العامة ولو رفضها رئيس المجلس، وحركة «النهضة» قادرة على توفير هذا النصاب من النواب بيسر كلما أرادت ذلك.

في مقال سابق كتبناه عند بداية الحوار الوطني، حذّرنا المعارضة من الاغترار المفرط بقوّة غير متناسبة مع قدراتها الحقيقية وعدم التوهّم بأن حركة «النهضة» في الرمق الأخير، كما حذّرنا «النهضة» من أن كثرة المناورة، ولو كانت ناجحة، لا تفيد في حلّ مشاكل البلد بقدر ما تزيد أعباءه وخيباته. ونتمنّى مجدّداً أن يستخلص الطرفان الدروس من تعثر الحوار الوطني في جولته الأولى، وأن يُستأنف الحوار في القريب العاجل لتشكيل حكومة محايدة تخفّف الاحتقان السياسي في البلد وتهيء للانتخابات، وكذلك لإيجاد توافقات مُرضية حول الدستور والقانون الانتخابي، بما يفتح المجال لتنظيم تلك الانتخابات والمرور من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة مستقرة.

ولا ريب أن الانتخابات وحدها هي التي ستُبرِز موازين القوى السياسية الحقيقية، لأنّ نتائج الانتخابات السابقة التي انتصرت فيها «النهضة» تجاوزتها الأحداث، بيد أنّ ذلك لن يتمّ إلاّ في ظل انتخابات شفافة ونزيهة تُنظّم في ظروف تتسم بالاستقرار والسلمية، على غرار ما حصل في الانتخابات السابقة أو بأفضل منها، وهذا دافع إضافي يؤكد ضرورة تشكيل حكومة حيادية ووفاقية، كما كان مطلوباً من الحوار الوطني.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق