الخطاب الثقافى الإسلامى / عمار علي حسن

يتوافر صفاء الدين ونقاؤه بـ «العقيدة» فى منبعها وأصلها، وقبل أن تشوبها أى شائبة، أو يختلط بها أى اعتقاد أو ميل مخالف، ويوجد كذلك فى «الخطاب القرآنى» فى ألوهيته، وليس فى «الخطاب الدينى» فى شقه البشرى. أما وجود «خطاب ثقافى إسلامى» صاف أو يدعى النقاء المعرفى والقيمى والسلوكى الكامل ضرب من المستحيل، كما أن زعم جماعة أو تنظيم أو فصيل واحد أنه يمثل الإسلام هو أيضا محض وهم وافتراء لا أساس له فى الواقع ولا ظل له من الحقيقة، وذلك لأسباب عديدة منها:

1 ـ أن الإسلام انفتح على الثقافات الأخرى منذ بدء دعوة الرسول، فثبت كل الفضائل والسلوكيات الحميدة التى كان يفعلها عرب الجاهلية، وقاطع وزعزع كل الرذائل والسلوكيات السيئة التى كانوا يقترفونها. واستمر العمل بهذه القاعدة «الواقعية» عند المسلمين المعتدلين المدركين لروح الإسلام وطرق الدعوة السلمية فى كل زمان ومكان.

2 ـ تعقد مفهوم الخطاب، فهو من ناحية الشكل يشمل جميع أعمال الاتصال، المكتوب منها والشفاهى، المادى والرمزى، المنطوق والسيميائى. ومن ناحية المضمون يبدو بناء معقدا يحوى داخله العديد من الأفكار والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية… الخ. ومثل هذا البناء المركب والمعقد لا يمكنه أن يحال إلى معين واحد، أو مرجعية واحدة، إلا بالمعنى الواسع، الذى يتفاعل فيه الخاص مع العام، وتتحاور فيه الذات الحضارية مع الإرث الإنسانى المشترك.

3 ـ عدم وجود خطاب ثقافى إسلامى واحد فى الزمان نفسه، نظرا لعدم تواجد المسلمين فى منطقة ثقافية واحدة، فهم موزعون جغرافيا على كل قارات الدنيا، بعضهم يسكن الوديان الخصبة وآخرون يعتلون قمم الجبال أو يعيشون فى الصحارى القاحلة، وهم موزعون على كل ثقافات الدنيا، الأنجلوسكسونية والفرانكوفونية والثقافات الآسيوية والأفريقية، المتعددة والمعقدة.

4 ـ عدم وجود خطاب ثقافى إسلامى واحد فى المكان نفسه. ففى البلد الواحد يمكن أن نجد الخطاب الدينى الرسمى وغير الرسمى، والمنغلق والمنفتح، والخطاب المعتدل والمتطرف، والخطاب السلفى والآخر الصوفى… إلخ. علاوة على ذلك توجد دول إسلامية عدة، تضم الواحدة منها أشتاتا من البشر، مختلفين فى الأعراق واللغات واللهجات، أى أنهم مختلفون فى الثقافة الفرعية، التى يظل لها حضورها، ولها بصمتها على الثقافة الأصلية المستمدة من الإسلام، ومن ثم يكون لدينا فى البلد الواحد تجاور لأكثر من خطاب ثقافى إسلامى، باستثناء الذوبان الكامل الذى يمكن أن يحدث فى جماعات وتنظيمات إسلامية صغيرة عابرة للإثنيات واللغات واللهجات.

5 ـ اتساع مفهوم الخطاب الإسلامى عند الكثير من المفكرين والفقهاء المسلمين إلى درجة أن هناك من يراه البيان الذى يوجه باسم الإسلام إلى الناس، مسلمين وغير مسلمين، لدعوتهم إلى الإسلام، أو تعليمه لهم، وتربيتهم عليه.

6 ـ رحابة الإسلام نفسه فى المعنى والأصل، إذ إنه يعنى «إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى»، بما يجعل الإنسان عبدا مطيعا مخلصا لربه، مؤمنا به وبوحدانيته، ومتوكلا عليه، يراعى وجوده فى كل قول يتلفظ به، وفى كل فعل يبدر عنه. كما أنه وبنص القرآن دين يسبق دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأبو الأنبياء سيدنا إبراهيم «أول المسلمين»، بل إن الإسلام بمعناه المذكور سلفا، هو الدين منذ المنشأ، الذى نزل مع آدم إلى الأرض، بغض النظر عن الأسماء التى أطلقها البشر على الرسالات والدعوات، مثل الإبراهيمية واليهودية والمسيحية. فهذه الرسالات منبعها واحد، وجوهرها واحد، وأى مضمون أو شكل طرأ عليها وجعلها تنحرف عن هذا الأصل وذلك الجوهر، هو من صنع البشر، بالتأويل الخاطئ تارة، وبالاختلاق والكذب على الله تارة أخرى.

ومن ثم فإن الآية التى تقول: «إن الدين عند الله الإسلام» (آل عمران: 19)… والأخرى التى تقول: «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه» (آل عمران: 85) يجب أن يفهما فى ضوء هذا، فالدين واحد، والدعوات والرسالات السماوية متعددة، والأنبياء والرسل متعاقبون. وكل ما يقال عن الاصطفاء والاختيار مشروط بالأعمال والأعباء والواجبات والفرائض التى أمر الله تعالى بها عباده، فلا اليهود «شعب الله المختار» ولا «المسيحيون ملح الأرض ونور العالم» ولا المسلمون «خير أمة أخرجت للناس» بالإطلاق فى كل زمان ومكان، ومع أى فعل أو وضع أو ظرف.

7 ـ وجود ثنائية متعايشة بين الخاص والعام فى الأديان من دون تفرقة أو تمييز. فالمبشرون بالدعوات الدينية، يقولون فى مرحلة التمكن إن لديهم «منظومة قيمية» تنطبق على كل شعوب الأرض. أما فى أوقات الضعف، وحين يكون أصحاب هذه الدعوات مستهدفين من قبل الأغيار الأقوياء، يطلبون من هؤلاء ألا يدسوا أنوفهم فى شؤونهم، وألا يفرضوا عليهم ثقافة بعينها، ويحترموا خصوصيتهم، ويقروا بتعددية تسمح للجميع بأن يتمسكوا بمعتقداتهم، ويمارسوا طقوسهم الدينية والثقافية. وهذا لا يعنى أن عالمية الدعوة أمر غير واقعى أو مرتبطة بمرحلة التمكن فقط، بل يعنى فى المقام الأول أن هذه العالمية، الرامية إلى هداية البشر أجمعين، يجب أن تكون فى بناء العقيدة وتعلم العبادات أو أركان الدين، ويجب ألا تتغول لتفرض نمطا ثقافيا محددا، فهذا فوق طاقتها، ولا طائل كبير من ورائه، إنما الجدوى تتحقق حين تركز الدعوة على منح الثقافات السائدة إطارا أخلاقيا عاما، لا يجور على التعدد والتنوع، ولا يقطع جذور مجموعة بشرية فى أى مكان.

 
عن جريدة المصري اليوم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق