تتساقط الأشجار والغابات…

لن أُبقيَ شيئاً في مكان 

لن أُبقيَ مكاناً لشيء
في الهباء الأخضر جُرحِ الروح
في الوسادة المطروحة على الأرض
لا تنام الرسائل لحظة ولا الشوق
القطار المسرع إلى الخلْف
لا يراه الفجر الفائر
لا تعيره الجديلة الهائمة في الغياب
قطرةَ دمعٍ ليقتات
يخلع بابيَ المخلخلَ السكران
يحضن ما في ثيابي
من لحم ودم وحُطام
يتدفّأ بي عالياً
صوب شبّاكك
الصافن على الماء.

***

القاتل الذي بادلني بجدولٍ من دمي
ماءَ الورد
قدّم ليَ الضحية من الباب
لأخرج إلى الليلة الزرقاء بلا نور
أدفع عربة ذِراعَيَّ لا يهدّني الحِمْل
ما أخفَّ الجسد بلا روح:
مزمار من قصب
ولا صوت.

***

طار العصفور من يدي
سخونته تتلاشى في راحتيّ
مثلَ قمرٍ في أعالي الخريف.
يتنقّل، كأنه لا يراني،
من غصن إلى غصن:
أعلى، فأعلى، فأعلى
تاركاً لي أن أذوب
في الوداع
 على مهل.

***

شمس عالقة
في الزجاج
خيط ضوء وناي
تمر بيَ الحياة
مرورَها بمسافر
تخطّى بيته من زمان.
لا يردُّ الموت عليّ:
كثيراً ما يزورني
قبل وقته
 بقليل.

***

سأغلق عليكم الباب
أمزِّق فضاء وحدتي المقيت
أتسكّع بعيداً عن جِنانٍ
طريقُها نهرُ دمائنا الثقيل
عن جنانٍ في الأرض
نختنق تحت عفنها
وأحذية ملائكتها المارقين. 

***

… لم يعُدْ لي أن أصعد إلى الراح
رمشُ الغزالة لا يغيب
في فيئه لا يُعييني الانتظار
لا عتبةٌ، لا سقفٌ، ولا باب
شبّاكٌ فاتحٌ ذراعيه
أسقي من ثغره العصافير
أضغط زرَّ الغيمة
وأملأ الكأس بالنجوم.

***

أقطف القبلة عن وردتها
وأُخرِج البساتين
أُطلقُ شهيقها الراعش
على قتلى أحبَّة مجهولين
ممرَّغين بموتهم الساخن وهَبَلِنا
المجلجِل في
 غبار اليقين.

***

كلُّ هذا الصفاء
من جناحَي غرابٍ ترنو إليهما الشمس.
كلُّ هذا الغيم
دُخان تبغي المعتَّقِ في جرارٍ
 لم تعُدْ للنبيذ.

***

مقطَعٌ من ثيابي إليك.
باقٍ من دموعنا العاريات
بعضُ غصّاتٌ غاطسةٌ في الملح
 تدير ظهرها إلى الموت.
حطبي لا يفي بحاجة عنزةٍ
ساعةً إلى الدفء
والأشجار تائهٌ عريُها تحت الماء
يتلجلج مطعوناً بأجسادنا
 العصيَّة أشلاؤها على الضوء.

***

أنا الآخر المحشوُّ في إهابيَ الموت
أنا القتيل الذي أراد لك أن تعيش
أنا الشرارة قُدّامَها السيّافون
أمشي بعيداً عن حِداد المقاهي
وفصاحةِ الأصابع الثرثارة تحت الطاولات
أصطدم بي وبك وبالبرْد
 الخائف من الموت.

***

كم يؤلمني كل شيء !
كيف تسقط الأرواح في الجيوب
كم لا يرُدّني الضجر
كم للناسك أن يجفوه الماء
كم لِمَن فاته الموت أن يعيش!

***

كنتُ أدفعُك لتطير
غارساً قدميَّ في الأرض
عماءُ الأقدار طيّرني وأبقاك!
كأني أقضم الخبز من يديك.
كيف أفتدي هذا العقاب
 المقيم؟

***

… لا شيء من ذلك كلِّه
يعيد فُتات الدائرة إلى الضوء
تفتك الأغصان بالشجر
يتقلّب الماء بطناً على ظهر
مدججاً بسواد حُمرة
في الخواء.
الياسمين
مشاويرُ الغروب
أشلاءُ الأحلام الساخنة
طيفُ مدينة
يترمّد تاريخُها وعشّاقُها
تحت نَصلِ السماء.

***


لا يدٌ تَخرج لي من الحجَر.
*
يأكلون أمهم بأسنان آخرِين
يسندونها بالسكاكين.
*
في الليالي تعيدني الذاكرة
إلى مسرح الجريمة
مثل مدمِن على القتل.
*
كلّما أمعنت في السير
ضقتُ ذرعاً بالعثرات:
كلّما خطوتُ خطوة
أخطأت مرّتين.

*

خطّاءٌ وتائهٌ
بين تائهين لا يخطئون.
*
رهين الملائكة الأشرار ما حييت
ماذا أفعل بجثّتي
المنهوبة بمخالب الفضيلة
وتعاويذ تقاةٍ جزّارين
أعيروني قدماً واحدة
عيناً بصيرة واحدة
 وعكّازين
لأغلق البئر عليكم
وأستدلَّ على الهواء بالغبار.
*

***

لم أغِب،
جسمي باقة ريح على عود.
ليت لا يطفو مع الحبر
فؤادٌ ذائبٌ
تشرب من غدرانه الرمال.
*
ما يتساقط ليس الأوراقَ وحدها:
 تتساقط الأشجار والغابات.

*
ما لجُرحٍ بَياض.
*
أمواتٌ يُنجزون مرسانا
 على الضيم. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق