من ضرورات البحث في الثقافة الجنسية

يتلاوم بعض الباحثين على الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل فوكو، لأنه ركز في بحثه عن الجنسانية في العصر الإغريقي على افلاطون، ولم يذكر مؤلفين مهمين أمثال سوفوكليس، وهوميروس، وهزيود، وغيرهم، كما يقول لنا الفيلسوف الفرنسي بيار بورديو، في كتابه (الهيمنة الذكورية)، ص 24.

-1-

لا شك أن كتاب ميشيل فوكو (تاريخ الجنسانية) بأجزائه الثلاثة – وكنا نأمل أن يمتد العمر بهذا الفيلسوف ليكتب الجزء الرابع، والأخير (اعترافات الشهوة) – من أهم الكتب التي أسست للجنسانية العلمية في العصر الحديث. والتي تناولت تاريخ الجنس في الحضارات القديمة.

ولكن كان ينقص فوكو، وينقص هذا الكتاب معرفة الجنسانية العربية الغنية. فهناك مؤرخون عرب، ومستشرقون كبار، قالوا، أن الحياة الجنسية العربية في الماضي والحاضر، لم يكن لها مثيل في حضارات الشعوب الأخرى.

وكان على فوكو، دراسة هذه الظاهرة الجنسية العربية بعناية، كما درس الظاهرة الجنسية اليونانية والأوروبية، والاستفادة من المفكرين والفلاسفة العرب والمسلمين، الذين تناولوا هذه الظاهرة كالقضاة التونسيين الأربعة، وكابن حزم (طوق الحمامة)، وابن سينا، وابن القيم الجوزية، وابن عبد ربه، وابن هشام، وابن داوود (الزهرة)، وابن رشد، وعبد الرحمن الناصري (ابن الدباغ) (مشارق أنوار القلوب)، والغزالي، والجاحظ (رسالة العشق والنساء)، والسراج (مصارع العشاق)، والسامري (اعتلال القلوب)، والجوزي (ذم الهوى)، والكسائي (روضة المشتاق ونزهة العشاق)، والحلبي (منازل الأحباب ومنارة الألباب)، والمغالطي (الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين)، والحنبلي (ديوان الصبابة)، والبقاعي (أسواق الأشواق)، والأنطاكي (تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق)، والديلمي (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف)، والفيروزآبادي (جمحة النُهى عن لمحة المها)، والسيوطي، وغيرهم كثيرين.

-2-

وكان يجب أن يكون عنوان كتاب فوكو على هذا الأساس، وليس (تاريخ الجنسانية) أو ( الجنسانية في التاريخ). فكان يجب أن يكون عنوان كتاب فوكو:

(تاريخ الجنسانية اليونانية والأوروبية).

أو:

(الجنسانية في التاريخ اليوناني والأوروبي) تمثلاً للدقة العلمية، لأنه لم يشمل الجنسانية العربية المهمة في هذا الشأن.

فهذا التاريخ يظل ناقصاً، من دون تاريخ العرب الجنسي.

والخطورة العلمية الكبيرة في هذا الشأن، أن لا يكون فوكو، قد قرأ ما كتبه المفكرون والفلاسفة العرب/المسلمون في موضوع الجنس – غثاً كان أم سميناً – واستفاد من هذه الآراء. فلربما، كان قد تناولها بالبحث والنقد في الجزء الرابع (اعترافات الشهوة) من كتابه، الذي لم يمهله العمر لكتابته، ونشره، فرحل عنا دون أن ينجزه.

– 3-

إن الجنسانية – بالتأكيد، وخلافاً لما قاله فوكو – لم تُبتكر في القرن التاسع عشر، لكن استعمالها تعمم إلى درجة غير مسبوقة، وأصبحت أكثر صراحة من ذي قبل في منظومات التمثيل الأوروبية السائدة. ولا سيما في سياق بناء الاختلاف.

لذلك، من غير المفاجئ أن كتباً زائفة كثيرة حول الجنس في الشرق، قد نشرت في الغرب، في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين بشكل خاص. كما قال لنا الباحث التركي/الفرنسي إرفن جميل شِك، في كتابه (الاستشراق جنسياً) ص 169.

ويُلاحظ هنا، أن إرفن جميل شِك، يخلط في كتابه (الإستشراق جنسياً) بين الجنس والجنسانية. فالجنس فعل الجِماع. والجنسانية هي تاريخ الجنس، ودوافعه، وأسبابه الاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، والثقافية، والبيئية، والتاريخية، والجغرافية.. الخ.

 -4-

إن الاختبار المنهجي، الذي على الباحث في الجنسانية أن يجتازه، يتلخص في:

1- التمييز بين العناصر القانونية لأخلاق معينة، وبين العناصر التزهدية.

2- عدم نسيان تعايش هذه العناصر جميعها، وعلاقاتها، واستقلالها النسبي.

3- الأخذ في الاعتبار، كل ما يشير إلى الامتياز الذي يتمتع به المران الذاتي في أنواع الأخلاق، والاهتمام والجهد الذي بذل، لتنميته.

فالباحث الحقيقي الجاد في المسألة الجنسية العربية – مثلاً – يُعنى بكتابة تأريخ الجنس، في الماضي والحاضر، وليس تأريخاً للأحداث الجنسانية، كما فعل كل المؤرخين العرب تقريباً.

وأعني بذلك، كتابة تاريخ الفكر الجنساني العربي، والإجابة عن عدة أسئلة منها:

– كيف يمكن لمعرفة ما أن تتشكل، بما فيها المعرفة الجنسية؟

–  كيف يمكن للفكر – من حيث هو ذو علاقة بالحقيقة – أن يكون له تاريخه الخاص، كما قال ميشيل فوكو في كتابه (هَمُّ الحقيقة)، ص 102.

وهذا يعني بالطبع الإجابة عن سؤال محدد، وهو:

–  كيف تمَّت ولادة نصوص الأخلاق العربية؟

وبذا، وتتبعاً، لخطى الفيلسوف فوكو، في كتابه (الجنسانية في التاريخ The History of Sexuality)، ورحل عنا قبل أن يُكمله، على الباحث أن لا يهتم كثيراً بعدد المحظيات والجواري للخليفة الفلاني، والوالي العلاّني، ولا بعدد المرَّات التي مارسوا فيها الجنس، ولا بقوة الرسول الكريم الجنسية المزعومة، التي تحدث عنها أبو هريرة، وموجزها أن محمداً (الرسول الكريم) ، كان فحلاً عظيماً بقوة أربعين رجلاً جنسياً. فربما كان ذلك، من باب التعظيم للرسول الكريم، وليس من باب الحقيقة. فكتُّاب “السيرة النبوية” والمحدثون، اعتادوا أن يعظِّموا من أفعال الرسول الكريم في السلم، والحرب، والجنس، وخلاف ذلك. فذلك كلام مكرر ومعروف. وعلى الباحث أن يهتم بالكيفية التي صارت اللذة، والرغبات، والتصرفات الجنسية العربية، إشكالية من الإشكاليات القائمة في كل عصور العرب. فلفوكو مفهوم مختلف للأشكلة. فهو يقول: أن الأشكلة مجموعة من الممارسات الخطابية، أو غير الخطابية، التي تقوم بإدخال شيء ما، في لعبة الحقيقي والزائف، وتشكِّله كموضوع للفكر، سواء كان ذلك على هيئة تأمل للأخلاق، أو معرفة علمية، أو تحليل سياسي.. الخ. كما جاء في كتابه (هَمُّ الحقيقة)، ص 104.

فما نملكه أمامنا، وفي ذاتنا، هو هذا الجسد. وهو فاعل اللذة كما هو فاعل القمع.

-5-

كذلك، فإن من أهداف الباحث الجاد في المسألة الجنسانية، توضيح العلاقة بين التاريخ والواقع الجنساني، والتاريخ والواقع السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي العربي.

ذلك أن التاريخ والواقع الجنساني يشكّله عاملان رئيسيان:

العامل الاقتصادي، والعامل السياسي، بالإضافة إلى عاملين آخرين هما: عامل الاجتماع، وعامل الثقافة.

لقد ساهمت الثقافة العربية منذ القرن السابع الميلادي، في بناء الفكر الجنساني العربي من خلال شعراء الغزل، والمؤرخين، ومن خلال فقهاء وعلماء الدين، ومن خلال (ألف ليلة وليلة) وحكايات شهرزاد.. الخ. فقد كانت (ألف ليلة وليلة)- مثلاً – من أغزر الكتب في الشرق والغرب، التي تتحدث عن النكاح الشرقي، وأسراره، وانفعالاته، في العصر العباسي الأول (750-861م) في بغداد. ولعل معظم المقولات، والمعتقدات، والأفكار، والمواقف الجنسية العربية الشعبية، قد جاءت من هذا المصدر التاريخي المعروف، والمشهور، والفذ. ولعل إقبال الغربيين عامة على قراءة هذا المصدر التاريخي المهم والشامل، يعود إلى حبهم لمعرفة أسرار النكاح الشرقي في الفترة، التي كُتب فيها هذا السِفْر الثمين.

ويمكن القول أن الشرق الإسلامي، بدأ يأخذ صيغه التشكيلية قبل القراءات الأولى لـــ (ألف ليلة وليلة)، حيث صار الشرق كله حريماً مغلقاً، كما يذكر إرفن جميل شِك، في كتابه (الاستشراق جنسياً)، ص 29.

ومن المعروف أن قصص (ألف ليلة وليلة)، كانت بسبب أن الملك شهريار اقتنع بخيانة النساء، وقرر ان يتزوج امرأة مختلفة كل ليلة، وأن يقتلها في الصباح. ونتاج القصص من إبداع المرأة (شهرزاد) التي نجحت في إبقاء شهريار متشوقاً، ومنتشياً. وقد انتشرت الى جانب هذه الحكايات، حكايات فارسية شبيهة بها كــــــ (الطوطينامة) تأليف “نخشابي”، ولكنها لم تنل شهرة “ألف ليلة وليلة”.

ومن الجدير بالذكر، أن (ألف ليلة وليلة) تعكس الازدهار الفكري والفني، في العصر العباسي الأول (750-861 م)، كما تعكس الحرية والانفتاح في التعبير عن الذات، وجواً مشبعاً بعبق الإثارة الجنسية. كما طرحت (ألف ليلة وليلة) الصراعات، والتناقضات الطبقية والاجتماعية. وكانت أبرز مرافعة نسائية، من أجل المرأة، وصورتها أمام ثقافة الرجل، كما يشرح لنا الباحث العراقي ابراهيم الحيدري، في كتابه (النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب)، ص283-285.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق