الكنيسة والنقد الذاتي

الغرض الأساسي من هذا المبحث هو دراسة التصرفات والمواقف التي اتخذها المسيحيون اللاّتين إزاء مسيحيي الامبراطورية البيزنطية، وهي تصرّفات بدت للبعض حاملة لنزعة إجرامية شريرة موجّهةضدّ أناس ينتمون إلى نفس الديانة. وهذا دليل يبرهن على لامركزية الخير والشر؛ ومشروعيّة النظرة الثقافية المنفتحة والمتسامحة حتى في فترات حرجة من الحملة الصليبية والجهاد. إن الحملة الصليبية، أو كما يطلق عليها في الغرب “الحرب المقدسة” وخصوصا الرابعة منها والتي شهدت هجمة من طرف المسيحيين اللاتين على مسيحيي بيزنطة تُظهر وقائع جديرة بالانتباه: المسيحيون اللاتين أبشع من المسلمين، هكذا يعتبرهم البيزنطيين، بل على المستوى العقائدي ثمة أناس ينتمون إلى ملل أخرى همأعدلوأفضل منهم؛ البابا إنوسينس، الذي يزن كلماته بدقة، كان له تقييم قاس للمسيحيين الذين قاموا بحملة ضد اخوانهم البيزنطيين، إلى حد قلب الثقافة الماقبلية التي تقول بأن المسيحيين هم أخيار بالطبيعة ومن ليس بمسيحي أو من كان مسيحيا يونانيا، فهو شرير بالطّبع.

إن الحادثة المأساوية التي هزت العالم المسيحي في القرن الثالث عشر هي غزو القسطنطينية من طرف جحافل البنادقة. البابا إنوسينس الثالث وجد نفسه في هذه المعمعة وكأنه مسؤول شخصيا وهذا ما دفعه إلى التّصريح العلني والتقييم الصريح للمنعرج الخطير الذي أقدمت عليه البندقية: فقد تملّص من أعمالهم ووصفها بأنها اجرامية، أما الكنيسة اليونانية، فقد وصل حنقها، بعد الدمار المريع الذي سببوه في مدينة القسطنطينية عام 1204، إلى حد وصف المسيحيين الغربيين بأنهم أخس من الكلاب.

1. إعادة قراءة تاريخية: المصادر اللاتينية واليونانية
بخصوص الأحداث التي جرت في أبريل 1204 لدينا العديد من المصادر والوثائق التاريخية المهمّة، والواجب هو أن نضعها وجها لوجه ونقارن بينها دون أحكام مسبقة، وبمنهجية المؤرخ غير المتعصّب لملّته أوطائفته. وهذا الأمر يساعد، حسب رأينا، إلى تمتين الشعور بمسؤولية المؤرخ، وضرورةالالتزام بكتابة التاريخ الموضوعي: ذاك التاريخ غير المنحاز، الخالي من الأحكام المسبقة، دون الميل إلى جناح معيّن من التاريخ القومي. حينما توضع على محكّ المقارنة الروايات المختلفة لأحداث أبريل 1204، تلك التي رواها مثلا غوفريد دي فيلهاردوين، روبرت دي كلاري، غونتر دي باريس، جورج أكروبوليت، وكتّاب مجهولون مثل الحوليات واليوميات ومؤلفات أخرى، نلاحظ أن كل واحد منهم يبرّر نظرته للأحداث أو يحابي أسياده. ثمة على أية حال أمر يجب التنويه به وهو أن القاسم المشترك بين هذه المصادر هو خضوعها لقالب مكوّن سلفا.

إن اجتياح القسطنطينية قد قرئ من طرف المسيحيين اللاتين على أنه انتصار عظيموفتح من الله، فيما اعتبرها المسيحيون اليونان نقمة من الله. عمل جيّد بل عمل رحمة بالنسبة للأولين، عمل قبيح وشيطاني للثانين؛ إعادة ارساء الامبراطورية عند اللاتين، هتك وتدمير للإمبراطورية بالنسبة لليونانيين. الحرب ضد اليونان ليست على الاطلاق خطيئة، لا بل هي عمل في أعلى مراتب التقوى، حسب ما أورده الأساقفة وألمح له روبرت دي كلاري، ومن الجهة المقابلة هناك نظرة معاكسة تحمّلالمسيحيينالغربيين مسؤولية الدمار الذي شهدته الإمبراطورية الشرقية. علاوة على ذلك، وهذا أمر ذو دلالة فائقة، بدأت تُطلّ مقولة الأبشع والأفضل والتي تستعمل هذه المرّة داخل المجموعة الدينية الموحّدة بعد ما كانت تُطلَق على خارجي الملة. المثال على ذلك اعتبار اليونانيين أبشع من اليهود، حسب روبيرت دي كلاري في كتابه “غزو القسطنطينية، 73”، والذي يورد أقوال أساقفة سواسون، ترويس، وهالبرتشتات (Roberto di Clari, La conquista di Costantinopoli, cap. 73).

أما المصادر التي تملك أكثر مصداقية فهي الرسائل المتبادلة بين الأباطرة اليونانيين واللاتين وبين أمراء وأساقفة القدس، رسائل المبعوثين الكنسيين ورسائل البابا. هذه الوثائق تمثل مصادر لا غنى عنها لإجلاء الوقائع التي نحن بصددها. ولها أهمية خاصة الرسائل التي تم الإجابة عنها بسرعة مثل تلك التي تلقاها البابا إنوسينس الثالث من بالدوين (Baudouin) بعد أن استحوذ على عرش الامبراطورية البيزنطية بتاريخ 16 مايو 1204، بعد شهر فقط من اجتياح المدينة ونهبها (Die Register,VII, 36-39, n. 18). البابا أجاب عن هذه الرسالة في السابع من نوفمبر من نفس السنة، أي بعد ستة أشهر، بينما هناك رسائل بعث بها إلى بالدوين لم تحصل على رد سريع أو أنها لم يتم الرد عليها بتاتا(Die Register,VII, 36-39, n. 18).

يكفي لمقصدنا ملاحظة أن المراسلات الأكثر أهمية هي تلك التي بعثها البابا إنوسينس الثالث، والمواضيع الأهم التي تداولتها هي: العلاقة بين القسطنطينية وروما؛ العلاقة بين اليونانيين واللاتين؛ العلاقة بين القسطنطينية واستعادة القدس؛ الامتيازات المادية والغفران التام لكل من يتطوّع إلى القتال في القسطنطينية بدل الذهاب إلى بيت المقدس؛ فرض عادات وتقاليد، طقوس، لغة لاتينية على الأماكن المحتلة.

ما موقف البابا انوسينس من هذه الحادثة المأساوية؟ هذا ما سنحاول الاجابة عليه تباعا.
إن البابا انوسينس، كان يعتقد، بل كان مقتنعا اقتناعا راسخا من أنه “حَكَم العالم (arbitermundi)”، بيد أن هناك بين المسيحيين أناس لا يصدّقونه أو غير عابئين بما يعتقده في نفسه، بما يراه ويخطط له حسب إرادته ونظرته للعالم. إن “حكم العالم” يبدو دائما في عزلة، متوحدا، ويتناقص باستمرار عدد المسيحيين الذين يعتقدونه كذلك.
القراءة “الدينية” تتحمل تأويلا تبريريا لاجتياح القسطنطينية ونهبها: الاله ذاته هو الحاكم الأعلى، وهو الذي يَمنح النصر للمتقين، ويُمني بالهزيمة المذنبين. الله من فوق سبع سماوات هو الذي قرّر هذا الأمر وأراده؛ الهزيمة التي مني بها اليونانيين هي جزاؤهم لأنهم انشقوا على الكنيسة الأمواقترفوا خطايا شنيعة، وبالجمة المحن كلها يمكن أن تؤوّل على أنها مفعول الارادة الالهية التي تفعل ما تشاء ولا تسأل عما تفعل.

لكن ثمة تأويلات مخالفة بدأت تتملّص من هذه القراءة الدينية المتحصنة في بوتقة العناية الالهية التي بفضلها يفسر كل شيء، منزّلة الأحداث في الواقع الدنيوي. ليست العناية الالهية هي المسؤولة عن الخراب بل إن المسيحيين اللاتين هم المجرمون، إنهم الأشرار الذين يزعمون بأن الله حباهم واصطفاهم من دون الأمم الأخرى. إن اعتماد هذه القراءة الواقعية وتبنّيها من شأنه أن يدشّن نظرة جديدة ومغايرة لأحداث التاريخ. ويبدو أن بعض الإرهاصات، رغم كونها بطيئة وغير مستقرة، لتحوّل من هذا القبيل، نجدها عند البابا انوسينس الثالث حينما أخذ يتملص من فكرة أن الأخيار هم المسيحيون اللاتين، حيث أقرّ بأن «عند كل الأمم، من يعمل عملا صالحا فإنه يحوز مرضاة الله».

2. 1204: سنةمحوريّة. القطيعة
إن سنة 1204، حسب معطيات أحدث البحوث التاريخية، تعتبر السنة التي اكتملت وأرسيت فيها القطيعة بين روما وبيزنطة، بين الغرب والشرق المسيحيين. الكل يعرف الاختلاف الثقافي الجوهري بين العالمين المسيحيين، إضافة إلى الثقل الزمني لتراث الآباء والمجامع المسكونية الأولى؛ ولا يخفى أيضا حجم الاختلافات في التنظيم والهرمية الكنسية، حيث أن اليونانيين يتصوّرون الكنيسة داخل الدولة ومسيّرة من طرف الامبراطور الحافظ للمعتقد الصحيح (الارثودكسية)، في مقابل ذلك يقبع العالم المسيحي الروماني ـ اللاتيني، حيث البابا هو الحاكم الأعلى للكنيسة وبالتالي، من داخلها، حاكم الدولة أو مجموع الأمم المسيحية.
وبالمثل يجب الأخذ بعين الاعتبار الثقل التاريخي لميزان القوى بسبب توسّع بيزنطة في زمن هرقل وحالة الضعف والوهن التي كانت ترزح تحتها روما، مدينة هامشية؛ علاوة على الصراع العقائدي وواقع التطاحن لتشبث كل طرف بتعريفاته وقناعاته اللاهوتية؛ أخيرا التأنيب والشتائم المتبادلة حول عادات دينية مختلفة مثل التبتّل والخبز غير المخمر وعادات أخرى، وأخيرا حرمان 1054.

وفي الأثناء بدأت تتشكل تحالفات جديدة؛ تتصاعد وتتبدل التوجهات والتطلعات السياسية. خذ مثلا العلاقات الودية للكرسي الرسولي مع بيزنطة، بلغاريا، سربيا، هنغاريا، أرمينيا، في محاولة ارجاع اليونانيين إلى الطاعة وتوحيد المسيحية من البلقان إلى الشرق، بهدف تحقيق المخطط المأمول: تحرير الأرض المقدسة من المسلمين.

3. 1. أعين تحملق نحو بيزنطة: انوسينس الثالث والسياسة الشرقية
لقد أعلن البابا انوسينس الثالث عن انشغاله الأول والأهم منذ توليه البابوية في 15 أغسطس 1198، بخصوص اصلاح الكنيسة واستعادة بيت المقدس والأراضي المقدسة. ورغم الاجتياح غير المرتقب للقسطنطينية فإن استعادة القدس هو الهدف الرئيسي لسياسته، ولم يتم التفريط فيها إلاّ بسبب الانقسامات الكارثية التي شهدها المسيحيون اللاتين. ويبدو أن البابا كان على علم من أن سيف الدين، أخ صلاح الدين، حاكم الشام ومصر، وكثير من الأمراء المسلمين، بعد خبر اجتياح القسطنطينية من طرف الجيوش اللاتينية استاؤوا وتمنوا لو أنهم أخذوا القدس عوض عاصمة بيزنطة.

إن ما حدث في 1204 والذي كان قد تم التحضير له واستباقه من أحداث غزو مدينة تزارا في جنوب إيطاليا في نوفمبر 1202، ومع أول محاصرة لبيزنطة في جويلية 1203، يمثل نقطة اللاعودة بين العالمين، أو بالأحرى نقطة تحديد الهوة والافتراق الثقافي بين روما وبيزنطة.
الأحداث معروفة: في الأساس تكمن نظرة روما لبيزنطة وبالمقابل النظرة الأخرى لبيزنطا تجاه روما. إن البابا انوسينس الثالث يمثل ذروة الشعور الروماني بالقوة، بالفعل العاجل والمباشر، بضرورة التدخل والجهوزية. لقد استبيحت القسطنطينية من طرف البابا لعلّتين: علة عملية تتمثل في التهيئة والعمل الحثيث على استعادة بيت المقدس، وعلة غائية، وهي ارغام بيزنطة على طاعة روما واقامة الامبراطورية اللاتينية الشرقية من جديد.
ومن خلال رسائل البابا تتراءى الحسابات السياسية، اللغة الدبلوماسية، التقييمات الأخلاقية؛ إنها حذق سياسي يصل إلى حدود الالتباس لأنه لا يخلو من تأييد ضمني لأحداث أبريل 1204، على الأقل كتأويل وتبرير ما بعدي.

وأوضح دليل على ذلك هو رضاء البابا لعودة الطاعة، وانضمام الكنيسة اليونانية من جديد إلى الكنيسة الأم «التي كانت يوما ما بيزنطية، ولكن الآن يقال إنها قسطنطينية» حسب عبارة وردت في رسالة بعث بها إلى توماس موروسيني بطريرك القسطنطينية في تاريخ 30 مارس 1205.

4. 2. 1204: العمل المشين. العنف ضد بيزنطة
إن الأعمال التي قام بها اللاتين كانت مذهلة في عنفها وطاقة تدميرها. وهي لم تخرق فقط قوانين الانجيل بل حتى الأخلاق والأعراف عند الأمم التي لا تدين بدين المسيح. ومع ذلك فإن التأويلات المابعدية للأحداث المشينة التي جرت في الأيام الثلاث والتي استبيحت ونهبت فيها القسطنطينية، أخذت منحى تبريريا: تفهّم، إحالة على قدر الله وحكمه وعلى العناية؛ اعتباره عملا تحقق وأنجز “بفضل من الله” جزاء لعصيان اليونانيين وانشقاقهم عن الكنيسة الأم. إن المجال الذي يتحرك فيه إنوسينس الثالث لفهم وتفسير ونشر فكرة أن الحدث هو شرّ طفيف في مقابل الخير النهائي الذي جلبته، تندرج في إطار لاهوتي مبرّر بعديا لأحداث أبريل 1204. إن ارغام بيزنطة على الطاعة والاذعان لروما، تفتح الباب للشرق وهو ما معناه، من منظوره، تمتين القوى المسيحية الموحّدة ورصّ الصفوف لصدّ هجمات المسلمين واستعادة بيت المقدس نهائيا، والمحافظة عليها في أيدي المسيحيين. بدخولعام 1204 تصبح القسطنطينية روما الثانية التي تُسلّم بين أيدي روما الأولى، بالتوافق مع نبوءة انجيليّة وتهيئة لاهوتية، نهاية مهمّتها الدنيوية وتوكيلها إلى كنيسة المسيح الأولى.

وقد عمد البابا إلى اعطاء امتيازات وصلت إلى حد الغفران التام للذنوب، إلى كل من يذهب إلى الحرب فداء لبيت المقدس، أو من غيّروا وجهتهم، دائما بقصد الجهاد المقدس، مثل الحملة ضد الهراطقة في الداخل أو غزوات توسعية للدولة البابوية؛ هناك امتيازات يتحصّل عليها أيضا كل اللائكيين والقساوسة بما في ذلك غفران الذنوب؛ أولئك الذين يعزمون الذهاب إلى القسطنطينية وإعادة ارساء الطقوس القديمة وتقاليد الكنيسة اللاتينية؛ ثمة نوع من إرادة استيطان لاتيني للأرض المنتزعة من طرف اليونانيين، هذا علاوة على ارساء قوانين اكليريكية ذات صبغة لاتينية بحت، وتنصيب بطارقة، أساقفة وقساوسة في أيدي الاكليروس اللاتيني.
الديانة المسيحية حسب الطقس الروماني، هي الاعتقاد الوحيد القويم والشامل والكلي، وهو يترجم عن مسيحية موحَّدة، وصامدة أمام تحديات المسلمين ومجابهة لكل أنواع الهرطقات التي تهدد وجودها.

إن البنادقة (أهل فينيزيا) قاموا فعلا بعمل شنيع، وربما يستحقون وصفهم بالكلاب، كما فعل اليونانيون، لكن يجب تفهّمهم. لقد أخطأوا فعلا، ولكن إن وضع هذا الخطأ في إطار المخطط السياسي للكرسي الرسولي، علاوة على التفهّم سيكون هناك العفو بل ربما اضفاء شهادة استحسان لأولئك الرجال المؤمنين الأشداء، جنود المسيح الأبطال الذين يضحون بأنفسهم من أجل رفع الصليب في بيت المقدس. ما حدث على سبيل الاجحاف يجب أن يقرأ كتمظهر لإرادة الله وتحقق لعنايته على يد الإنسان، وبالتالي فإن البنادقة، أرادوا ذلك أم لم يردوه، هم وسائل في أيدي الله لتنفيذ أمره.
هذا ما يبدو جليّا من خلال رسائل إنوسينس الثالث، والتي كما قلنا تمثل المصدر الأكثر مصداقية لقراءة أحداث 1204، نظرا لأنها مواكبة للأحداث وذات بعد قانوني وتوجيهي، في معمعة تلك الأحداث التاريخية.

إن محاصرة بيزنطة واجتياحها في أبريل من سنة 1204، في الأسبوع السابق لعيد الفصح، يمثل حدثا يحمل في طياته عنفا وانتهاكا واجراما، جديرة اليوم بأن يُحاكم مرتكبيها أمام محكمة عالمية كمجرمي حرب. إن هذه الحادثة كانت على أية حال نتيجة عوامل وترسبات لعبت فيها السياسة الآنية، والمتغيرات الاستراتيجية، والمصالح الاقتصادية، علاوة على الحساسيات الدينية، دورا محوريا.
من بين المادة الواسعة سنتوقف عند تقييمات ردة فعل البابا “حكم العالم” أمام هذا الحدث الجلل. إن هذه التقييمات كما سنرى اتخذت أشكالا متنوعة: قاسية من جهة، متفهّمة من جهة أخرى، مُقلقة من جهة ومطمئنة ومحرّرة للضمائر من جهة أخرى، وبالجملة فهي غالبا ما تصهر إيجابيا في إطار العناية الإلهية شناعات 1204. ومن بين هذه التقييمات، هناك واحدة ذات نفس أخلاقي، بموجبها وصل البابا بقوة إلى اعتبار المسيحيين اللاتين أبشع من الأمم الأخرى.

ـ رد الفعل السيكولوجي والوجداني:
رسالة إنوسينس الثالث يمكن تأريخها بين 15 و31 ديسمبر 1202، بعثها إلى الكونتاتوالبارونات وإلى كل المحاربين حاملي الصليب، دون تحية: وهذا يبيّن مدى حالة التشنّج التي تمكّنت البابا في تلك الفترة. وهي الواقعة التي هجمت فيها قوات البندقية على تزارا وتم نهبها وتخريبها. البابا كتب بأنه يشعر بالألم وفي غاية التعاسة (Die Register, V, 315,n. 160)؛ رسالة أخرى بعث بها إلى نفس الأشخاص، بالمثل لا تحمل التحية، في مارس 1203، فيها ديباجة اوردها انوسينس الثالث احدى عشرة مرة، ومن طرف البابا أونوفريو الثالث مرتين، تقول: «لقد بلغ منا الأسى مبلغه، وآلم قلوبنا الخ». وفي رسالة أخرى للكاردينال بطرس بتاريخ 12 جويلية 1205، انوسينس الثالث يعبر عن أسفه من غزو القسطنطينية ويقول إنه يشعر بالأسى والخجل(Die Register, VIII, 231,n. 127).

يجب التنويه هنا بأن بالدوين (Baudouin) وشيعة البابا، يتقاسمان مع البابا نظرته للأحداث، ويتبنون تقييماته وردود فعله. يكفي الإشارة إلى النبرة الاحتفائيّة بالنهب في رسالة بالدوين (16 مايو 1204)، حيث أن الامبراطور نفسه يتكلّم عن أعمال عجيبة أنجزها الله لصالح المسيحيين اللاتين. بالدوين يلقي على كاهل الله فضل النصر على اليونانيين، النصر لم يكن عملا انسانيا وإنما عملا إلهيا، كذلك أعمال اليونانيين لم تكن أعمالا انسانية بل شيطانية، فضلا عن أن طقوس اليونانيين هي طقوس زائغة هرطقية.

5. اعتراف صريح: “المسيحيون أبشع من ..”، مؤشر تغيير ثقافي
في فترة ما بدأت تدب في البابا إنوسينس مشاعر القلق والتأنيب البابا، وينتابه الوعي بأن المسيحيين اللاتين ليسو كما يتصورهم بل يبدون أقل ورع وطاعة لإرادته وأبعد من الانقيادلنصائحه أو خياراته كحبر أعظم. النعوت التي بدأت تُلقى على المسيحيين أخذت صبغة كتابية، كانت في فترة ما مخصوصة للوثنيين أو المسلمين أو اليهود، يعني في عالم خارج العالم المسيحي. بدأت تلصق بالمسيحيين عبارات المكر، الغدر، الكفر، الوثنية، بل حتى أعداء المسيح (PL 215, 1545-6). المسيحيون غالبا ما يوصفون بأنهم أبشع من اليهود والوثنيين (PL 215, 527 B, 654 D, 998 C, 1147 D)، وأخس حتى من المسلمين (PL 215,1359B ; PL 216, 154C).

في رسالة إلى ملك فرنسا فيليب لعام 1204 وصف فيها البابا الهراطقة بأنهم أبناء بعليل، ذئاب مفترسة أسوأ من جنود بيلاتوس. أما أهل فيتاربو فقد وصفهم في رسالة لسنة 1205 بأنهم أشد مكرا من اليهود وأقسى من الوثنيين. فاليهود «صلبوا المسيح مرة واحدة، لكنكم أنتم تصلبونه باستمرار إلى الآن، تقطعونه ببشاعة وتشتمونه بفظاعة، وفي الوقت الذي يعتقدون فيه هم (اليهود) حتى في عماء الخطيئة أن الاله الآب خلق كل ما هو منظور ولامنظور، الكثير منكم يعتقدون أن الأشياء المنظورة خلقها الشيطان. الوثنيون يتهافتون على تحطيم وقتل جسم المسيحيين، لكنكم أنتم تريدون قتل الإنسان كله. في الحقيقة لا أولئك ولا هؤلاء عرفوا الرب يسوع، وبالتالي لديهم بعض التبرير لخطاياهم، لكنكم أنتم […] قد هجرتم الإيمان. فأي عذر لكم؟».
الثنائيات بالنسبة لأوننسينس هي ثنائيات ذات صبغة كتابية وتتمحور حول: المسيح ـ بعليل، النور ـ الظلمة، الإيمان ـ الكفر.
وفي رسالة إلى أهل بياشينسا(1206) يكتب «لعل مثال الوثنيين يحتكم إلى الورع … فعلا حينما استعبد فرعون بني اسرائيل، لم يكتف بالحفاظ على حرية الكهان وممتلكاتهم، بل إنه أغدق عليهم من الصدقات العامة […]. أنتم يجب عليكم أن تخجلوا إن ليس أمام الله، على الأقل أمام البشرية».

انطلاقا من قراءة متأنية للعديد من الرسائل التي بعثها الباباوات السابقين لإنوسينس الثالث هناك فعلا بعض الشهادات عن التقييم السلبي والاحتقاري للمسيحيين اللاتين. لكن في فترة بابوية إنوسينس نلاحظ هذا المنعرج الحاسم والمنحى النقدي الواضح. إن سقوط بيت المقدس في أيدي المسلمين (1187) كان حدثا جللا ومهدّدا للغرب المسيحي وللباباوية ذاتها. إن انقسام الأمراء المسيحيين وعدم اكتراثهم بقضية الأرض المقدسة وبمناشدات البابا، فضلا عن التطلعات الفردية لكل دولة مسيحية على حدة، وعدم انصياعهم الصارخ الذي وصل إلى حد تحدي البابا وعدم الاكتراث بالحرمان، مع تفاقم ظاهرة الهراطقة التي عملت على تمزيق المجتمع والتي حازت في بعض الأحيان على تزكية من طرف الأمراء، كل هذه هي عوامل قد استثارت البابا الشاب الناضح طاقة وإيمانا بقناعته أنه “حكم العالم”. لقد فشلت، أو لم تكن فاعلة الوسائل التي استخدمت لهداية الضالّين وارجاعهم إلى الطاعة؛ وقد تفاقمت الأزمة ووصل التوتّر إلى نقطة اللاعودة، منعرج حاسم حدث سنة 1204، حيث بدأ البابا بوتيرة متصاعدة وبلهجة شديدة يصف المسيحيين اللاتين بأنهم أبشع من الوثنيين واليهود والمسلمين، واليونانيين المنشقين. الجدير بالذكر هو أن البابا لم يفرّط الفرصة في اعتبار هؤلاء اللامسيحيين أمثلة جديرة بالاعتراف بفضائلهم، وبأنهم أصدق من المسيحيين، بل وصل إلى حدّ ابداء انفتاح وتحالف حتى مع أقوام ليسوا بمسيحيين لإرجاع بني دينه تحت سلطته وارغامهم على الطاعة. إنها عبارات ثقيلة دون كنية أو ترميز، ولم يستعمل البابا مثل هذه العبارات لو لم يعمد هؤلاء إلى القيام بأعمال عدوانية ضد إخوانهم في الدين، وهو يقصد هنا بالتحديد الأمراء وبعض الأعيان الذين جرّوا شعوبهم إلى العصيان والرذيلة، مثل فريدريك الثاني، لاديسلاو من هنغاريا، ماركوآلد.

إن هذه العبارات والمفاهيم المركبة عليها تدعونا إلى التأمل في المنعرج الثقافي: إذ أن الوضع الجديد أتاح الفرصة للقيام بنقد ذاتي حيث أن الكافر ليس هو بالضرورة من لا يتبع البابا من الأمم الأخرى، بل إن هذه الصفة يمكن العثور عليها عند أناس وفرق تدّعي أنها تنتمي إلى المسيحية ذاتها. وهذا أمر جدير بالتأمل.
إن هذه المواقف السلبية تجاه المسيحيين اللاتيبن تتقارب مع تلك التي أطلقها اليونانيين إزاء من اجتاح امبراطوريتهم وأطاح بها. المؤرخ يسيتا كونيات، يرى أن المسيحيين اللاتين هم «أشرس من البرابرة؛ هم مسيحيون بالاسم لكن برابرة بالفعل؛ مسيحيون فعلوا ما لا يفعله حتى المسلمون (الاسماعيليون) (PG 139, col. 910-1037)».

6. شناعات البنادقة
بفائق الحزن والخجل، يعترف الباباأنوسينس الثالث ببشاعة الجرم الذي اقترفه البنادقة، مسيحيون لاتين، ضد الاخوة المسيحيين اليونان. لكن السابقة التي جعلت البابا يستخدم لهجة شديدة هي واقعة تزارا، التي دخلوها وعاثوا فيها فسادا. البنادقة أظهروا تعطّشا للدم الأخوي وأسالوا دماء اخوانهم فداء للشيطان؛ البنادقة برابرة لأنهم معدومو الرحمة، لم يحترموا الصور المقدسة التي حملها أهل تزارا؛ لقد هشموا أسوار المدينة، نهبوا الكنائس، هدموا المنازل وتقاسموا الغنائم. إن البارونات والأمراء، قد تحوّلوا، حسب عبارة البابا، من جنود المسيح إلى أتباع الشيطان. هكذا يصدر البابا رسالته إلى الكاردينال بطرس، المبعوث الرسولي بتاريخ 1205، إزاء الشناعات التي اقترفها البنادقة ضد اليونانيين. «كيف يمكن للكنيسة اليونانية، مع كل الاضطهاد الذي تعرضت له (من قبل المسيحيين اللاتين) أن تعود إلى الوحدة الكنسية وإلى تعظيم الكرسي الرسولي، كنيسة لم تر من اللاتين إلاّ مثال الضلال وأعمال الظلام، إلى حد أنهم يكرهونهم ويحتقرونهم كالكلاب؟ فعلا اللاتين الذين يتوهمون أنهم يخدمون مصلحة يسوع المسيح وليس مصالحهم الذاتية، قد رووا سيوفهم بدم المسيحيين، سيوفهم التي من المفروض أن يشهروها في وجه الوثنيين. لم يراعوا لا الحالة الدينية، لا العمر، لا الجنس، مقترفين أعمالا شنيعة واغتصابات أمام الجميع، وقد أسلموا سواء الأمهات أو الفتيات الأبكار اللواتي تبتّلنا لله في أيدي المرتزقة لاغتصابهن وتسريح قذارتهم الشبقية. ولم يكتف اللاتين باغتنام ثروات الامبراطورية، نهب خيرات الأمراء والرعية، بل إنهم أرادوا الاستحواذ على كنوز الكنائس، والأخطر من ذلك أنهم استحوذوا على عقارات وأموال الكنائس: لقد سرقوا واستولوا عنوة على أعمدة الفضة من المذابح. ولتوزيعها كسروها أجزاء، واقتلعوا الصلبان والآثار المقدسة».

إن أعمال الصليبيين، على تبريراتها اللاهوتية، فهي بعين الواقع لم تظهر ذلك الورع الذي من المفروض أن يميّزها. في رسالة إلى بونيفاس (اغسطس 1205)، يهجم البابا على الصليبيين لأجل قتال المسيحيين «لقد التزمتم بتحرير الأرض المقدسة من أيدي الوثنيين الكفار (المسلمين)، كطاعة للمصلوب، وتحت تهديد الحرمان كان قد منع عليكم غزو أو تخريب أرض المسيحيين، إلا في حالة منعوكم ظلما من المرور، أو بسبب آخر عادل وضروري ألزمكم التصرف بطريقة مغايرة وتحت نصيحة مبعوثنا، أنتم ليست لديكم أي شرعية أو قدرة على اليونانيين. لقدزغتم عن طهارة نذركم الذي نذرتموه حينما وجّهتم حرابكم ليس ضد المسلمين وإنما ضد المسيحيين، ليس بهدف تحرير بيت المقدس، ولكن لغزو القسطنطينية، تبتغون ثروات الحياة الدنيا عوض الخيرات السماوية».

7. خاتمة
بعيدا عن التجاذبات السياسية المتولدة من المعارضة الشرسة لمخططات خليفة المسيح، الجديد هنا، والجدير بالاهتمام هو وجود نقد ذاتي في داخل المجموعة الدينية. لا نعرف تقييمات نقدية مماثلة، لا من حيث الوتيرة أو النبرة من طرف سلط دينية عليا أخرى. إن حقيقة أن أكثر من بابا، وبوتيرة متصاعدة، يقف موقفا نقديا من تصرفات المسيحيين ويصفهم بأنهم أبشع من الوثنيين، ومن اليهود والمسلمين، إن دل على شيء فإنما يدل على أنهم اكتشفوا أو أعادوا اكتشاف فضائل ومحاسن يمتلكها أناس آخرون خارج مجموعتهم الدينية، وهذا مؤشر على بزوغ ثقافة جديدة بدأت تأخذا حيّزا في وعي الأفراد والمؤسسات.

هذا ما يمكن تسميته استشراف لثقافة التسامح في القرون الوسطى، من حيث أن الخير لا ينحصر في هذه المجموعة الدينية، وأن الشر ليس طبيعة في الآخر المختلف. وقد بيّنت أحداث 1204 أن المجرمين موجودون داخل المجموعة الدينية الواحدة، بينما خارجها هناك أناس صادقين يمكن التحالف معهم. وهذه المواقف ليست بالهيّنة في تلك الفترة لأن التعصب والأحكام المسبقة كانت دائما وما قبليا تعتبر الآخر أبشع من المجموعة المتنمى إليها.

المؤسسة البابوية، بدأت تضعف كقوّة سياسية معبّئة وموجّهة للعالم المسيحي. إن قوة البابوية التي كانت تبث الرعب في نفوس الحكام، غدت تقريبا مجرّد ذكرى. القوّة الدنيويّة للبابوية بدأت تشهد تجربة شاملة من الوهن والضعف في أعين المسيحيين أنفسهم. وعلى أية حال فإن عملية النقد الذاتي، هي بحد ذاتها أمر حديث، وحركة استثارة ذكية نظرا إلى أن الحكم القاسي من طرف البابا على المسيحيين لا يقصد به الماضي، بل الحاضر.
ربما أيضا اليوم في نهاية 2013 /1435 هـ، هذه الثقافة الجديدة يجب تمثّلها واستيعابها كي تكون مطيّة لترسيخ قيم التسامح الجوهري، بدل التسامح الصوري ـ الديبلوماسي وليد الثقافة العرجاء اللامتسامحة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق