راقب أفكارك قبل أن تتحول إلى أحاسيس، راقب أحاسيسك…

 راقب أفكارك قبل أن تتحول إلى أحاسيس، راقب أحاسيسك قبل أن تتحول إلى أفعال، راقب أفعالك قبل أن تتحول إلى نتائج سلبية تلتهم حياتك. عش اللحظة يا صديقي بكل ما أوتيت من قلب إنساني. وما هي اللحظة؟

اللحظة:..هي أن تمسك بأحلامك الهاربة وتمسح غبار النسيان عن أشيائك الجميلة.

* * *
لا أخفيكم سرا ً أن صديقي المتمرد الذي أنجبته شوارع بغداد وأزقة الصعلكة، كان في فترة من الفترات تلميذا نجيبا ً للشيوعية والفكر الماركسي، وكان متأدلجا ً بامتياز، لكنه تمرد على الشيوعية وتبنى أفكارا ً ومدارس أخرى كالعبثية والعدمية والوجودية …الخ، ومن ثم تمرد عليها أيضا ً وتمرد على نفسه وعلى جميع المثقفين، حتى لم يعد يرى من الثقافة إلا الجمال فقط، ولم تعد له هوايات محببة غير التعرف على النساء الجميلات، وخوض المغامرات غير محسوبة الجوانب معهن.

حدثني هذا الصديق ذات يوم قائلا ونحن نمشي في شارع طويل يعج بالمارة وضجيج العابرين:..الم تر يا صديقي أن الزواج في زماننا هذا أصبح تجارة ودعارة؟
أنت تدفع مهرا ً معينا ً من الذهب والمال لتشتري المرأة وتستعبدها في بيتك كجارية تقوم على خدمتك، وتمارس معها الجنس أنى تشاء.إنه انتقال نسبي من عبودية إلى عبودية أخرى
من عبودية القبيلة والعشيرة إلى عبودية الزوج الواحد الأحد مقابل حفنة من الذهب، فلا صوت يعلو على صوتك ولا قرار يعلو على قرارك، أنت السيد والخالق والمشرع، بيدك حياتها وموتها وإنسانيتها المستباحة في كل لحظة، كل هذا يقع تحت مسميات عدة..الدين الأعراف .. الله. هم لا يسرقون منك انسانيتك ووجودك وإلهك فحسب، بل يسرقون منك حتى موتك وفناءك، فتلك المرأة المسكينة المستعبدة لا تستطيع أن تموت في حياتها ولا أن تحيا في موتها كما تشاء، آآآه يا صديقي لم يكن الوجود لنا يوما ً، ونحن نحيا كالغرباء المجانين في هذه الحياة القذرة.

وهناك نوع آخرٌ من النساء اللواتي يطلقن على أنفسهن المتحررات، تلك النساء تبحث عن الرجل “الجنتلمان” صاحب المنصب والمال والشهرة ولا يرضين بأقل من هذا الطموح، وفي هذه الحالة لا يهمهن العمر أو الشكل أو الأخلاق ،  فالرجل بالنسبة لهن كتلة مادية ، أو كيان مادي خالي من الروح والأحاسيس. أنهن عاهرات القلوب والضمير يا صديقي، عاهرات بالفطرة الغريزية، لأنهن نتاج عملية وجودية معقدة، كان من المفترض أن يُلقى بهن في مزابل الكون، لكن أنسانية الرب لم تكن تقبل بذلك، أنسانية الرب أقوى من الوجود كله، بل أقوى من الحقيقة المطلقة كلها، فالرب أوجد هذا الكون بالحب.

بدأ الشارع يخلو من الضجيج والمارة، هناك شيء غامض داعب روحي، كموسيقى قادمة من مكان بعيد، أصابتني رعشة تشبه رعشة الحنين، اشتقت لمعانقة ذكرى قادمة لم تولد بعد، هناك صلوات ٌ في قلبي ترتل سحرها الخفي، ..الكون كله يجتمع في قلبي الآن،  لا شيء يبدو جميلا ً إلا مايراه القلب جميلا ً، قد يكون القلب أحيانا ً حكمة التائهين، ربيع المنسيين خلف الفصول المظلمة، وقد نموت مرارا ً ولا نعرف أن الحقيقة تكمن في القلب قبل كل شيء. أخرجت سيكارة من العلبة أشعلتها بهدوء وانطفأت ُ مرة أخرى في ثورة صديقي ..وهو يستطرد في جنونه قائلا:..
وهناك النساء اللواتي يطلق عليهن المجتمع لفظة العاهرات أو بائعات الهوى هذا ما يطلقه السواد الأعظم على تلك النساء المعذبات في الأرض، أنا سأخالف كل ما اتفقت عليه البشرية في تاريخها، سأحطم كل الموروثات وأمشي عكس الدهماء، لاقول لك أن العاهرات هن أشرف من في الوجود يا صديقي..! …نعم أشرف من في الوجود

هل تدري أن العاهرة تملك من أسرار التاريخ والحروب والسياسة، مالم يملكه أي مؤرخ محتال أو سياسي كاذب، هل تدري أن العاهرة أكثر قربا ً إلى الله من أي رجل دين زائف يسرق من الله رحمته، هل تدري أن العاهرة تملك من السحر والغموض والولوج إلى ما وراء الأشياء، مالم يملكه أي شاعرأو فيلسوف شاب رأسه وهو يبحث عن الحقيقة، هل تدري أن للعاهرة إنسانية يبكي لها الرب، هل تدري أن العاهرة تحمل من الدموع والآلام مالم يحمله نبيٌ على وجه الأرض، هل لمست إنسانية العاهرة يوما ً يا صديقي..!؟
لا يلمس إنسانية العاهرة إلا الأنبياء…آآآه أيتها المجدلية لم يكن الزمان زمانك، ولن يكون لك زمانٌ أبدا ً.

بئسا ً للأوغاد فإنهم يقتلون الله في كل مرة ويجهزون على ما تبقى من قلبي الجريح.
خيم الصمت لبرهة ساد فيها التأمل العميق والولوج المعتم نحو النفس
عندها رمقني صديقي بنظرة ثاقبة مليئة بالتساؤلات والشكوك فقال لي:..لم أنت صامت؟
قلت له:..إني أفكر في اللحظة، قوة اللحظة، جمال اللحظة
فابتسم بصمته الجميل المعهود وقال لي:. وما هي اللحظة يا صديقي؟
سرحت نظري في الأفق البعيد وأنا أراقب آخر طيرٍ هم بالرحيل، وكأن تلك الغيمة المهاجرة شرَّعت نوافذ أحلامها لتعانقنا وتعلن عن آخر إسطورة منسية، وقلت له:..أنا أنا وأنت أنت، لم نكن يوما ً مرايا للآخرين، نحن المنفيون من الريح إلى الريح، لا زمان لنا ولا مكان، لا أرض لنا ولا سماء، نحن المنسيون حتما ً ..الغرباء يوما ً..والأحرار دوما ً، ثم أطلقت ضحكة عميقة من قلبي، واستغرقنا في الضحك طويلا ً، ونحن نمشي في زقاق مجهول، حتى تلاشت ظلالنا رويدا ً..رويدا ً، كشمس ذلك النهار العجيب وهي تنكسر تدريجيا ً خلف الغيوم الحمراء. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق