شبكة أمانٍ قصّتها تروى / سحر مندور

الحرب الأهلية لم تكن تجربة سعيدة طبعاً، لكنها لأطفالٍ كثر لم تكن مريرة، إلا بمفعولٍ رجعي، ولا واعٍ أحياناً. مواليد أواخر السبعينيات تلقوها بصفتها الحياة. لم نكن نمتلك وسائل لمعرفة أحوال البلاد الأخرى فالمقارنة، ولا كانت لنا ذكريات غير الحيّة شفهياً في محيطنا. التلفزيون يأتينا ببرامج “تلفزيون لبنان” التي تبدأ السادسة مساءً بالصور والموسيقى: صورٌ جامدة من جبالنا أو من أماكن أخرى لا نعرفها، وموسيقى كلاسيكية تليها فيروز، في سعي لإحلال السكون في النفوس، ربما. لم نكن نعرف الآخرين كيف يعيشون، لا حيث الحياة أكثر كرامةً ولا حيث أسباب البؤس مختلفة عن حصّتنا منه. الحرب كانت الحياة، وهي كانت حياةً غنيّة بالخيال.

كانت حياةً خصبة يحرّكها ضيقٌ سائد. الحياة، وضيقها. عندما يكبر المرء، ينتبه إلى أن “ضيقها” المحسوس في زمن الحرب ليس هو بعينه ضيقاً كتبه جان بول سارتر من وجودية الظرف الذي نعيشه كبشر. ضيق الحرب فعليٌّ مباشر: الاشتباكات وعشوائيتها، المتاريس وزعرناتها، لا كهرباء، لا ماء، لا هاتف، النوم نحمله من السرير إلى أرض الزوايا الآمنة، واللعب نمارسه في أقبية السلالم، والأهل، الأهل يرون ذلك كله، وهم يعرفون الحياة. يعرفون، ويسعون لاستحضار شيء من ذاكرتهم إلى واقعنا، تحاربهم في ذلك كل الظروف، وبالحديد الملتهب حتى. ومن هنا يأتي أساس الضيق، إذ يوجد بيننا من يعرف، ويوجد بيننا من يتذكر، ويوجد بيننا من يرى الحياة الراهنة استثناءً. استثناء عاندهم لخمس عشرة سنة.

هذه الأعوام الاستثنائية صنعت طفولتنا ومراهقتنا، نحن مواليد أواخر السبعينيات وقد انتهت قبل أن يشتد عودنا، فلم يحمل مجايلونا البنادق. كثيرون منا حملوا الكتب والمجلات سلاحاً، وأنا منهم. كل ما يُقرأ، كل نص مكتوب، في مجلة أو جريدة أو كتاب أو كتيّب ترويجي أو على ورق الرزنامة، كل نصّ استحال رحلة مرح. أولاً، تكون القراءة بحثاً عن معنى. ثانياً، تكون القراءة بحثاً في الكلمات. ثالثاً، قراءةٌ مع إلقاء للذات. ورابعاً وخامساً، … كان استهلاك النص يستمر حتى قعره، تماماً كما يمتص الطفل آخر نقاط العصير من هرمه الصغير، ويعصره بين يديه لسحب المزيد الأخير.

هذه النصوص، أكانت تحكي عن كيفية تحضير وجبة “بيف ستروغونوف” أو كانت تصف رحلة مراهق فرنسي مع الحب، هي التي صنعت عالمي الافتراضي حينها. وكان خيالي يستعين بها ليبني أفلاماً أعيشها معه قبل نوم الليل، وفي كل لحظة أدّعي فيها النوم خلال النهار. كانت الكتب هي المخرج من مأزق الحدود المقفلة. ويمكن تخيّل بعدها أهمية اللحظة التي نكتشف أنها موعد حلول معرض الكتاب فوق دمار بيروت.

بيروت.. اليوم، يُلفظ اسم هذه المدينة محمّلاً بالكثير من المعاني، تستحضر رومنسية ما، عظمة ما، قصة شبه مترفعة يصنعها جمال هذه المدينة وسحر العيش فيها، وشروره الكثيرة. لكن، حينها، لم تكن تخرج من الأفواه كذلك. كانت تخرج منهكة، حزينة، كاسمٍ لم يعد يدلّ على الوجه الذي يحمله، كمدينة أنهكها الضرب، كسرها، كسر نفسها على الحياة. كانت رائحتها زبالة، شرفاتها أكياس تراب وقائية، طرقها حُفرٌ ملأى بأوسخ المياه، فكانت بيروت كرجلٍ نسي الابتسام بين شعيرات وجهه المهملة انكساراً وحداداً، واستمر في العيش. وكانت تعيش.

الكرنفال

حينها، بدا معرض الكتاب كأقصى درجات الفرح، كالكرنفال، القمّة، الذروة، المكثف. كل الكتب، كل القصص، هنا. روايات محفوظ واللبنانيين، شعر درويش ونزار قباني، تاريخ مصر، وسياسة حسنين هيكل. جوّ قومي عربي، سينمو ليصبح وجودياً وعبثياً وإلحادياً وصوفياً ويسارياً وفرنسياً وروسياً و… كل مجموعة من الكتب كانت تلقي بهذا الذهن في اتجاه، والذهن يلاحقها جميعاً بلا أفكارٍ مسبقة. ومن أين تأتيه الأفكار المسبقة؟

شبكة النجاة التي تؤمنها الكتب هي أشد ما احتاجه أطفال هذه العاصمة، وقد أمّن المعرض لنا موعداً ثابتاً، آمناً، معها. موعد سنوي تخلّف المنظمون عنه قلة من المرات الصعبة، وهي مرات لم نكن لنتمكن من الوصول إليه فيها لو انعقد، لاشتداد الحرب على أطفال تسيّرهم أمهاتهم إلى الكتب. شبكة نجاة، تحفّز الخيال على إيجاد بدائل خصبة عن الضيق كمحيطٍ حيوي. تربط الذهن بالواقع عبر الآراء السياسية والكلمات مهما كانت حادّة. تضع الحاضر في سياقٍ عبر سرديات التاريخ. ولكلّ كاتبٍ أسلوب، ولكل تاريخٍ تتمة. وشعر درويش، يوقظ العينين. وشعر نزار، يضع الابتسامة على الشفتين. والفتاة تراهق، والمراهقة تضحي شباباً والشباب يتقدّم بسرعة، ومعرض الكتاب مستمر في هذه العاصمة التي أدمنت الخطر، أدمنت أزماتها، وحماستها، والوجع.

في صباح كل يوم، بيروت تغيّر جلدها. مبانٍ تُهدّ وأخرى ترتفع، محال تقفل وأخرى تولد، المتغيّر كثيرٌ في هذه العاصمة، والثابت ضمني. وفي مناسبة عودته للمرة السابعة والخمسين، يشعر المرء بأن معرض الكتاب هو من أبرز الثوابت في حياة هذه العاصمة. بدأ قبل ولادة شبابها، على أمل أن يستمر بعدهم، فتضحي ذكرياتنا معه، ذكريات مرورنا به، قصصاً تُروى، يُبنى عليها، وتتطور. لا تحدّها مدة حياة الإنسان، ولا تقفل بابها في وجه إنسان. ثابتة في حياة الشعب، كالجيش إلى الدولة، كالبحر إلى بيروت. فمجرد الإعلان عن موعد معرض الكتاب، سنوياً، بات مناسبة للابتسام الراضي، فهو دليل على استمرار الحياة هنا، وعلى تمتعها رغم كل شيء بأساسٍ هو الكتاب.. أساسٌ كان يُظنّ أنه من كماليات المجتمعات المأزومة، لكنه في الواقع شبكة أمان أطفالها ومراهقيها وشبابها، على أقل تقدير، وببرهان التجربة الشخصية. إن استمرار المعرض في الحلول، رغم التحفّظات الكثيرة على إمكانية تطويره التي لا تجد من يبادر نحوها، هو بحدّ ذاته خبرٌ سعيد. وهو أمنيةٌ آمنة في ظرفٍ ما زال يحكمه الضيق.. ليتها تستمر في التحقّق.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق