آليات المجتمع أقوى من الحداثة: قوة الدين من قوة المجتمع

يمكن مقارنة الدين بالفن والموسيقى، وكما تغيرت الموسيقى والفنون عبر الزمن فإن الدين ولكونه غير قادر على مجاراة الواقع والحفاظ على شكله القديم بسبب انكشاف العديد من مغالطاته قد تغير بشكل متكرر في اللاوعي البشري. إن تطور الدين مرتبط بتحول خبرات الإنسان الذي يضطر للتأقلم مع متغيرات بيئته بشكل دائم. كان تطور الدين خلال مسيرة البشر تطوراً جينو / ثقافيا  (أو باستخدام مصطلح دوكينز “تطوراً ميمياً – / Memetic).  هذا التطور يظهر تاريخياً على الأفكار الدينية التي انتقلت عبر التاريخ إلى الأجيال المستمرة  وخضعت مبادئها لعملية تغيير مستمر في ركائزها وفقاً للظروف المتغيرة في تطور الحضارة البشرية.  يمكن القول بشكل أعم من وصف نيتشه لـ “أنساب وأصول الأخلاق”،  أن هذا التطور جرى بعدة عوامل منها التنوع الديني، والخبرات الدينية الفردية، المؤسسات الاجتماعية، القيم والشعائر – وهي بمجملها كانت تمثل تحديات واجهها الإنسان في محاولة عقلنة الحياة واسباغ قيم علوية على معنى ونظام الحياة.  إن أصول وأدوات الفكر الديني تكشف لنا وراء هذه اللوحة سلوكاً تكيفياً واضحاً.  (الوصف السابق يستثني مؤقتاً المحاولات السلطوية لتغيير السلسلة الطبيعية الانسانية والاجتماعية من خلال الدين المؤسساتي الذي أعاد تشكيل التطور الديني).
المجتمع المتدين خلال تغيره عبر الزمن أعطى رجال الدين وسيلة لتمييز بعضهم بالطريقة التي يتميز بها أعضاء مجموعة بيولوجية. إن المجتمع المتدين (باعتبار أن الفردية الدينية ليست هي المسألة التي نناقشها بل المجتمع المتدين) ظهر كموجود فعال لعدة أسباب من أهمها مفهوم الرابط العائلي الذي يملك قيمة كبيرة في لاوعي المجتمعات. كل الكائنات الحية الاجتماعية بطبعها تسعى إلى 1- علاقة مع أفراد مجموعاتها 2- هوية انتماء إلى مجموعة ما. الدين يأخذ المثاليات الإجتماعية الكتسبة من العائلة كالأخوّة ويعممها على المجتمع. والمتدينون يمارسون العادات والتقاليد ويتبنون الثوابت الأخلاقية والمثاليات التي يقدمها الدين. هم يمثلون سعي البشر نحو البنية الاجتماعية المحددة والاستقرار والحاجة إلى التميز بين الآخرين. تلك الخصائص العائلية القياسية هي مفاهيم ضمنية في الثقافة الدينية. والإعتدال الديني هو نتيجة لتغير الزمن حيث تزداد المعارف التي يكتسبها البشر تعارضاً مع الدين بأشكاله القديمة / الأصلية لكن تطور المعارف المكتسبة وعدم قدرة الدين على مجاراتها بشكله الأصلي وإن أدى إلى تغييرات في الدين إلا أنه ليس سبباً كافيا لتحول المجتمع المتدين إلى مجتمع علماني بسهولة.
الميمات –  Memes (المصطلح الذي وضعه العالم ريتشارد دوكينز) هي الجينات الثقافية التي تنتقل من دماغ لآخر بين الأفراد عن طريق التقليد. والأديان مبينة على التطور الجينو/ثقافي للأفكار التي تبحث في الله والإيمان. لقد استطاعت الأديان البقاء تطورياً عبر الزمن لأنها استطاعت أن تحوي القيم التي ساعدت في استقرار المجتمع معترفة بذلك بالحياة الاجتماعية الجمعية. ليس بعيداً عن الحقيقة أن نقول أن الجين الثقافي المدعو بـ “الله” لديه ميزة بقاء كبيرة فهو يقدم الاجوبة لأسئلة عميقة كالوجود ويصل إلى البعض النفسي والعاطفي في الفرد المتدين. لكن الآلية الأقوى التي دفعت باستمراره هي “نسخ هذا الجين الثقافي بين الأفراد (أو تعميمه)” وفقاً لدوكينز، حيث يتم عن طريق جينات ثقافية مساعدة كدور العبادة / الشعائر / الكتب المقدسة (1). العديد من الأفراد يلجؤون للدين ليتخلصوا من الإحساس بالخسارة ففكرة وجود قوة روحانية كبرى تعطي البشر احساساً بالأمن. والأحاسيس الدينية تزدهر أكثر في الأزمنة التي يحتاج فيها البشر لمساعدة لا يمكن أن يقدمها إلا كائن خارق. لكن الحقيقة أن تلك الاحاسيس في الأفراد ماكانت لتستمر وتنتشر دون آليات اجتماعية هي الأقوى:  تقدم دور العبادة (كالجوامع والكنائس مثلاً) نوعاً من الصحبة لأولئك الذين يعانون من الوحدة. تلك الدور تتلاعب بمعاناة الانسان بإخافته من الموت بشكل دائم دافعة إحتمال وجود حياة مقدسة بعد حياته – أو بشكل آخر تقدم أملاً في الحفاظ على الفردية (حياة جديدة ) / الحياة الإجتماعية (مجموعة المؤمنين في الجنة) / والأهم الإنتماء إلى مجموعة من جديد.
يلتقي دوكينز مع نيتشه في الفكرة التالية: الأفراد الذين يضعهم المجتمع بأعلى القيم والمراتب هم الوسائط الأكثر فاعلية في نشر الجينو/ثقافة. وحين تملك السلطة جينو/ثقافيا قويا كـ “الله” فإن هذا يسمح للدين بالتحول إلى قوة شر عظمى أحياناً. حين تصبح تلك الأفكار تحت إمرة السلطة وتخضع في ذات الوقت لنهم المجموع فإنها تنتشر في المجتمع مدعومة بأقوى حليف استطاع البقاء وإبقاء البشر خلال تطورهم- التماسك الإجتماعي. نستطيع القول إن القيم الدينية لا تبقى وتفيض على سطح المجتمع من خلال أحاسيس وخبرات فردية، لكن خلال الخبرات المتعلقة بأمن المجموعة ككل ومثالياتها التي ساعدت في بقائها (2) ، وهو السبب الذي يجعل المجتمعات “الأكثر فردية” مجتمعات علمانية.
يقدم الدين نفسه على أنه خط الهوية الأخلاقية. معظم المتدينين يبعدون أنفسهم عن أنظمة إيمانية مختلفة عن أنظمتهم ولا يستطيعون قبولها. إن الأديان المؤسساتية (كاليهودية والمسيحية) تحكم بواسطة الوصايا، والاديان المتعطشة للسلطة تملك القوة لتسود بشكل كبير، الإسلام والكاثوليكية الرومانية تنظر للجشع على أنه خطيئة كبرى وتشيد بحب الأصدقاء والعائلة كقيم كبيرة ( رغم أن كل منها يحاول زعزعة مبادئ الآخر بمحاولة تقديمها بشكل مختلف. تكمن المفارقة في أن الأديان التي تتفق على العديد من الوسائل والآليات تقوم بخلق مجموعات ذات ممانعة كبيرة) هذه القيم قوية بذاتها في أي مجموعة مهما كان توجهها الديني. ليس الهدف من جدل كهذا هو استنتاج أن الاديان تلتقي. لا يمكن النظر للجزء الصغير الذي تشترك فيه الأديان دون النظر إلى صورة الدين ككل وإهمال الحقيقة الأهم التي ذكرناها سابقاً: ينتشر الدين بواسطة السلطة سواء كانت ممثلة بأفراد ذوي قيمة كبيرة في مجتمعاتهم أو مؤسسات حاكمة للمجتمع (حكومات سياسية بتاريخ ناجح في نظر المجتمع: إيران) وهذه السلطة أنانية بطبعها ومنافسة للآخر. الفكرة التي تقول إن الدين سيخسر قيمته في مجتمع متدين لأسباب تتعلق بالحداثة أو تطور المعارف أو ظهور أفراد ناقدين توازي في صعوبتها فكرة انهيار البناء الإجتماعي بشكل كلي لمجموعة ما(الثورة الفرنسية وانهيار بنية المجتمع قادا إلى انفجار العلمانية – تأثر الفلاسفة الأوروبيون بالثورة أكثر مما أثروا فيها). هناك اذا في تاريخ المجتمعات لحظات زمنية يقضي فيها المجتمع على بنيته بشكل جذري لأسباب ما. تلك الهزات الإجتماعية تفتح أحياناً – وليس دائماً – نافذة يهرب منها الدين بعيداُ عن المجتمع. انهارت المؤسسة الدينية في فرنسا لارتباطها بالمؤسسة الحاكمة التي انهارت أيضاً بسبب الثورة الفرنسية التي قضت على شكل المجتمع القديم وخرجت بفوضى أدت إلى بنية اجتماعية جديدة “علمانية” هربت منها الكنيسة، في حين أن المثال الإيراني هو المثال المعاكس حيث ارتبط الدين بالثورة بشكل أقوى وحيث كان التغيير الإجتماعي كبيرا.
***
هوامش
***

(1) يمكن العودة لمقال حسام مطلق في دور الشعائر في خلق المجتمعات الدينية – الصلاة كمثال
(2) ليست كل التقاليد الإجتماعية المستمرة مفيدة – بعضها لا يقدم قيمة مفيدة لاستمرار المجموعة، لكنها تستمر بسبب ثقة لاوعي المجتمع بالتقاليد وعدم وجود آلية اجتماعية فعالة لفرزها. يمكن القول إن التقاليد الإجتماعية التي تحمل صفات لا تفيد بتماسك المجموعة استمرت كنظائر لأخرى مفيدة. أيضاً  شرحا أوسع لآليات التقاليد (والتي تعتبر الشعائر الدينية جزءا منها – أدوات انتشار التدين).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق