أبانا الذي في المقصلة!

يهدى الى:
“ماما” اسماء محمود محمد طه وشيخ ابراهيم يوسف، ودكتور عمر القراي، وقصي همرور.. هذا بعض ما أخذت منكم، فهو يهدى لكم مع محبتي الصادقة التي لا تخفى.

(1)
في الثامن عشر من يناير1985م، وفي صباح الجمعة، كشأن السيد المسيح، صعد الأستاذ محمود محمد طه(1909-18يناير1985م) الى منصة الإعدام بسجن كوبر، وسط تهليل وتكبير، صوره لنا المخرج العالمي ميل جيبسون في فلم (آلام المسيح)، ووسط آمال ورغبات ودموع مريديه –أو قل، للإنصاف- والعاقلين من أبناء وبنات الشعب السوداني والمعمورة. فما هي الجريرة التي أرتكبها ذاك الشيخ السبعيني، حتى يثور عليه رجال الدين والحكم في بلاده، ويرون أن الموت أنجع وأمضى ما يداوونه به!!

إن كل المهتمين بالشأن السياسي السوداني يعلمون أن محاكمة (طه) لم  تتعد أبعادها السياسية بالنسبة للنظام الحاكم (ثورة مايو 1969-1985)، فالشيخ قد كان سجينا من قِبَل النظام، الذي أيد مقدمه منذ خواتيم الستينات وإلى قبيل بضع سنوات من زواله بإنتفاضة شعبية(أبريل1985)! ولقراءة الأمر بصورة صحيحة يجب علينا أن نرجع الى الوراء كثيرا، إلى قبيل استقلال السودان بقليل.

(2)
الطبيعة الغريبة للاستعمار الذي وقع على السودان، جعلت حركته الوطنية المناهضة للاستعمار أيضاً غريبة بعض الشيء!! سميت الفترة في تاريخ السودان من العام (1899)وإلى (1956) بالحكم الثنائي. هذا لأن استعمار السودان قد كان (ثنائياً) من قِبَل (إنكلترا) و (مصر)، وهذه الآخيرة حاولت دائما، وعلى لسان قادتها والناطقين الرسميين باسمها، أن تتنصل عن هذا الأمر بحجة أنها أيضا قد كانت مستعمرة! ولكنها حجة يكذبها واقع الحال الذي يشهد بالفوائد الاقتصادية التي جنتها مصر وأكبرها –سيئة الذكر- اتفاقية مياه النيل!
الأطماع المتبادلة بين مصر وبريطانيا جعلت الحركة الوطنية فيما بعد تأخذ ذات الشكل (الثنائي)، فقبيل يرى ضرورة الالتجاء الى مصر باعتبار الحق التاريخي الذي تستحقه، وباعتبار ضرورة وحدة وادي النيل، وقبيل يرى أن الطريق الأمثل للسودانيين هو التعاون مع بريطانيا لأنها الوحيدة القادرة على وقف الأطماع المصرية التي تتربص بالسودان وأن الأفضل للسودان أن يكون من دول التاج البريطاني!

(3)
في ثلاثينيات القرن الماضي أنشأ السودانيون (مؤتمر الخريجين) وهو يضم خريجي كلية غردون، والسودانيين الذين تخرجوا من جامعات أخرى كـ”بيروت” و “القاهرة”.
كان نشاط المؤتمر يقتصر على المجال التعليمي والاجتماعي والثقافي، ولقد كان له دور مشهود في جمع التبرعات لإنشاء المدارس الأولية في القرى والمدن. ولكنه كان يدع أمر التعليم للاستعمار بعد إنشاء تلك المعاهد التعليمية!

لقد قام المؤتمر بمباركة مشهورة من الحاكم العام البريطاني، وبتبريكات دولتي الاحتلال(خصوصا بريطانيا) التي رأت أن تتقرب للسودانيين بعد أن نفذت حركة اللواء الأبيض، المعادية للاستعمار البريطاني فقط، اضطرابات (1924)، وبعد مقتل السير لي ستاك (1868-1924) الحاكم العام للسودان بشارع أبو الفداء بالقاهرة في نهاية نفس العام. إلا أن المؤتمر نفسه قد كان يحمل بذرة الخلاف في داخله، فبعض قادته يرون أن حركة (1924) قد كانت في الاتجاه الصحيح وأن معاداة بريطانيا والتقرب الى مصر هدف نبيل وصحيح. والبعض الآخر (ومنهم من كان يؤيد حركة 24 ثم بدّل مواقفه بعدها) يرى أن مصر لا هدف لها سوى مصالحها الذاتية، وأنها مثلت هذا بصورة واضحة عندما تخلت عن الثوّار وتركتهم لقمة سائغة للبريطانيين، ولم تفِ بوعدها بأن تتضامن مع الثوار، بل سحبت جيشها الى الخطوط الخلفية. ثم إن التعاون مع بريطانيا أكثر نفعا لقضية الاستقلال.
ولكن هذان الصراعان لم يظهرا بصورة واضحة والمؤتمر لا شغل له بالعمل السياسي، ويحصر نشاطاته فيما ذكرنا سابقاً.

(4)
في العام (1942) بدأ المؤتمر نشاطه السياسي بتقديمه مذكرة للحاكم العام جاء فيها: ((حضرة صاحب المعالي حاكم عام السودان- بواسطة سعادة السكرتير الإداري لحكومة السودان: يا صاحب المعالي: يتشرف مؤتمر الخريجين العام أن يرفع لمعاليكم بصفتكم ممثلين لحكومتي صاحب الجلالة الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمى، والملك فاروق ملك مصر، المذكرة التالية التي تعبر عن مطلب الشعب السوداني في الوقت الحاضر.))!! وتم تذييل الرسالة بالعبارة التالية:
((خادمكم المطيع  رئيس مؤتمر الخريجين العام- أم درمان 3/ابريل/1942. ))!!
من الواضح تماما ومن لهجة الخطاب أن المؤتمر قد انتهج سياسة المهادنة والدبلوماسية في صراعه مع المستعمر الإنكليزي، هذه السياسة لن تتغير على المدى القريب، بل ستستمر الى ما قبل الاستقلال (يناير1956) بسنوات قليلة وحتى بعد انفراط عقد المؤتمر وذوبان خريجيه في الحزبين الكبيرين (الأمة) و (الاتحادي). أما الفضل في تغيير تلك السياسة فيعود الى بروز حزبين في الساحة السياسية السودانية، ثانيهما(الحزب الشيوعي السوداني) وهو قد نشأ –وبهذا الإسم- بعد(الحزب الجمهوري)، اما هذا الآخير فهو أولهما، وهو –ومن ظاهر اسمه- قد رفض بدايةً أن يكون السودان تابعاً لأيٍ من المملكتين المستعمِرتين، ورفض كذلك أي شكل من أشكال التعاون أو الوحدة مع أي حكومة مستعمرة، وصرّح رئيسه (محمود محمد طه) في خطابه للحزبين الكبيرين بتاريخ 18/2/1946م:
((ياجماعة الأشقاء وياجماعة الأمة – أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية – أيها القادحون قادحات الاحن بين أبناء الأمة – أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة ، أيها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة – انكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها.
ياهؤلاء ، وهؤلاء ، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء الى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام ، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام .. أنتم تريدون ابقاء المصريين ، وأنتم تريدون ابقاء الانجليز ، فاذا اجتمعت كلمتكم فانما تجتمع على ابقاء المصريين والانجليز معا
ياهؤلاء ، وهؤلاء ، أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لاتقوون على مواقف الرجال الأشداء ، وأنتم تتمسحون بأعتاب الانجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صورا شوهاء .. أنتم تريدون السلامة ، وأنتم تريدون الملك .. أنتم تضيعون البلاد لمّا تجبنون وأنتم تضيعون البلاد لمّا تطمعون .. أنتم تستغلون سيدا لايعرف ماتريدون ، وأنتم يستغلكم سيد يعرف مايريد ، والبلاد بينكم أنتم ، وأنتم ، على شفا مهواة ومهانة )).
لقد غير الحزب الجمهوري من شكل النضال ضد الاستعمار فقدم أول ثورة شعبية سلمية إنطلقت من مدينة رفاعة بقيادة رئيسه محمود محمد طه، وعندما أخمدت الثورة كان الأستاذ محمود معتقلا من قِبل النظام الاستعماري كأول (معتقل) سياسي في الحركة الوطنية السياسية الحديثة التي نشأت مع بروز مؤتمر الخريجين.
خرج الأستاذ محمود من المعتقل ليواجه السجن مرة أخرى بعد أقل من عام حين طلب منه المستعمر أن يمضي تعهدا بعدم ممارسة السياسة فرفض ذلك الأمر وأحب السجن بديلا عنه.

(5)
في سجنه الثاني أخذ الأستاذ محمود يتعهد نفسه بمنهج “السنة النبوية”، الذي هو أشبه بنهج المتصوفة، في الصوم “الصمدي”  والتأمل الروحي والمادي، فظن المستعمر أنه مضرب عن الطعام وخاف إن مات أن يقدمه شهيدا يلتف الشعب حول ذكراه، فأُخرج من السجن ليدخل بنفسه في خلوة طوعية استمرت حتى مطلع العام 1951م، وفيها انتهج ذات النهج الذي بدأه في سجنه.
كان من الممكن جدا –ومما تحتمله بيئة السودان الشمالي أيضا- أن يقف القطار بالأستاذ محمود عند هذه المحطة التقليدية! متصوف قام بتهذيب نفسه وبالعزلة عن الناس وأن تثمر عبادته طريقة صوفية تقليدية تجمع الأتباع على التصوف المعروف. هذا أمر معهود ودرب مطروق، قطعه سادة أماجد وخلفوا مدارساً في الزهد والأدب والمعرفة، لكنها تُقصِّر في المجال الحديث، في صنع الدولة، وتربية النشء على الارتفاق بالحضارة والتفلسف الحكيم وفق مقتضيات العصر!
لقد نظر الأستاذ محمود الى نفسه والى دينه فوجد أن أمر نفسه لا ينصلح دون الدين، هذا ما أوضحته له تجربته العلمية العملية، ووجد أن أمر دينه لا يقوم وهو يمتلئ بالخرافات والدجل والاستغلال والتخلف والعادات البالية ففجّرَ ثورة دينية مذهلة، حاكت ذهول العلماء أمام انفلاق الذرة في الصحراء.

(6)
خرج الباشمهندس محمود محمد طه من خلوته وهو يحمل معه فكرا جديدا على الموروث الإسلامي، ويحمل معه طرائق جديدة على الهمة البشرية والأخيلة الإنسانية. لكن المزاج السياسي الذي اجتاح التنظيمات السياسية الناشئة قد كان يحترم الدين -بحكم طبيعة الناشطين المتدينة- إلا أنه لم يكن مستعدا للتعامل بغير النظام العلماني البسيط الذي ورثت تركته من الاستعمار البريطاني. الأخطر من هذا أنها لم تكن أصيلة حتى في انتمائها العلماني، لهذا سنجدها وبعد سنين قليلة من الاستقلال تستغل الدين أبشع استغلال، وتحوّر الدستور لتخرج الحزب الشيوعي من البرلمان وتقتل الديموقراطية. الحزب الشيوعي نفسه، أكبر حليف للحزب الجمهوري سياسيا، قد كان-وبطبيعة الحال- في قطيعة فكرية– شبه كاملة-  مع ما أتى به الأستاذ محمود من أفكار دينية حديثة. وآخيرا فإن الساحة قد امتلأت مع هذا وذاك بالطائفية والتنظيمات الإسلامية التقليدية التي تنادي بتحكيم الشريعة الإسلامية بصورتها السلفية التي طبقت في القرن السابع الميلادي.
في مثل هذا الجو خرج الأستاذ محمود من خلوته، ولكن واجبه الأول كان  مواجهة تنظيمه الجمهوري نفسه، لقد قال أبانا الذي في الصليب:
(إن البيت المنقسم، لا يقوم)
كان من الصعب (على كل) أتباعه (الذين يدانوه سناً) أن يتبعوه في أفكاره الجديدة، وهم يرونه بالأمس معهم يأكل ويشرب ويمارس السياسة المعتادة! هولاء قد خرج بعضهم من التنظيم وهم يحترمون الرجل السياسي والمناضل، ولكنهم لا يقبلون أن يتحول تنظيمهم الى جماعة دينية حتى وإن كانت مختلفة. وعن مخاوف هولاء وغيرهم تحدث المؤرخ الشيوعي الأستاذ محمد سعيد القدال ناقداً الحزب الجمهوري وقائلاً:
(( إن أزمة الحزب الجمهوري، أنه قائم على نقاء السريرة وصفاء الطوية دون أن يدرك أن ذلك النقاء وذلك الصفاء لا بد لهما من مناورات وعمل تكتيكي يجعلهما قادرين على الحركة السياسية في واقع يصطرع بالمناورات والتكتيك وليس مجرد الانكفاء على مثل وقيم رفيعة…………… ولكن غاب عنه (اي الحزب الجمهوري) ان الاسلام في المعترك السياسي له ممارسات وتجليات أخرى استغلها حاملوه ورفعوا لها ألوية ولكنهم تستروا خلف تلك الألوية لإدراكهم أنها لن تجد قبولا من أصحاب الشأن في الدولة)) .
أما الأستاذ محمود فإنه ما كان ليهتم بالآراء المسبقة عن (تجليات الإسلام في المعترك السياسي) تلك التي نست أيضا الجوانب المضيئة لذلك الدين في بسط القانون في جزيرة العرب، ونشر قيم معرفية على العالم أجمع لا ينكرها كل ذي بصر تاريخي ومعرفي.
وكشأن السيد المسيح أيضاً كان الأستاذ محمود يريد أن يرد الأمر الى معينه الأصلي، إلى روح ما جاء به النبي محمد، وما سار عليه أبو بكر وعمر.. وكأنه قد قال: (ما جئت لكي أنقض.. ولكن لأكمِّل).

(7)
وقف رئيس الحزب الجمهوري أمام زملائه في مؤتمر عام للحزب عقد في أكتوبر من العام 1951م، كان ذلك عقب خروجه من معتكفه مباشرة، وحينها قرر أن يبين-أول ما شرع في التبيين- منهجه الجديد لصحاب الأمس القريب. قال الأستاذ محمود: (الحزب الجمهوري ليس حزبا يقوم على التهريج، كما هي العادة المألوفة لدى الأحزاب التي نراها، ونسمع عنها، وإنما هو دعوة إلى فكرة، أولا، وقبل كل شيء)  وجوهر تلك الفكرة أن الحكومة نظام اجتماعي وهو وسيلة لغاية هي (الإنسان الحر) والفكرة الاجتماعية الصالحة هي التي توفق بين حاجة الجماعة وحقها في العدل، وبين حق الفرد في الحرية المطلقة!! والعقبة التي تقف بين المجتمعات وهذه الغاية هي عقبة (الجهل) ولتجاوز هذه العقبة لا بد من انشاء نظام يكفل المساواة الاقتصادية، وهي مساواة لا يرجى منها اذا لم تكفل معها الديموقراطية.
ثم طفق الأستاذ محمود يتعرض بالنقد للديموقراطية الرأسمالية الغربية التي طففت بأكل تراثها من النظام الإقطاعي الرأسمالي فأنجبت في حاضرها تفاوتاً طبقيا!! (وحاولت، تحت ضغط المتطرفين الثائرين على الماضي، أن تتطور منه إلى اشتراكية تحقق العدالة الاجتماعية، والحرية الفردية ولكن ظهورها كان، ولا يزال ، بطيئا جدا، وذلك لشدة المقاومة التي تلقاها من الرأسماليين الذين يسيطرون على نظام الحكم فيها) .
كما أخذ يتعرض بالنقد للنظام الغربي الشيوعي فقال:
(وأما الديمقراطية الشيوعية فإنها قد ثارت على وراثة الماضي ، فحطّمت المجموعة الرأسمالية والإقطاعية التي سبقتها، وبنت على أنقاضهما ديكتاتورية غاشمة، جعلت همها تغيير الوضع السيء الذي وجدت فيه الشعب الروسي المتأخر، ونصبت نفسها وصية عليه ولما كانت حالة الشعب متأخرة فعلا. ولما كان هذا النظام ثورة جديدة، وتجربة جديدة ، فإنه قد تورط في الشطط الذي يتورط فيه أمثاله، وذلك أن هذا النظام الشيوعي قد أهدر حق الفرد في الحرية، ليستطيع أن يحقق للمجموعة العدالة الاجتماعية، أي المساواة الاقتصادية، ولقد قطعت الشيوعية، في تجربتها شوطا بعيدا، تعد فيه ناجحة، ولكنها سارت في طريق خطأ، حين ظنت أن الإنسان يكفيه من حياته، المتاع المادي، ويعوضه عن حريته.. ويظن بعض الناس أن الشيوعية ستحقق الحرية الفردية بعد أن تثبت قواعدها.. وهذا فهم خاطئ، لأن نظاما قام على كبت الحرية، من بداءته، واستمر في كبتها إلى اليوم، لا يمكن أن يبقى إذا تسامح في إطلاقها في غده، وسيظل دائما كابتا لها، غير متسامح فيها.. وإنه لمن طبائع الأشياء أن أي نظام يقوم على الثورة، كما قامت الشيوعية، لا يمكن أن يبلغ الكمال ذلك لأن للثورة دائما رد فعل، يحطمها في آخر الأمر.. ولا يبلغ الكمال إلا التطور الواعي، السريع، فهو وحده الملائم لطبيعة الحياة) .
وخلاصة ذاك النقد  (يفرق الناس الآن، تفريقا كبيرا بين الديمقراطية الرأسمالية، والديمقراطية الشيوعية، وهو خطأ مصدره النظر السطحي للمسألة.. والنظرة العميقة تظهر جليا أن الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، والاشتراكية الوطنية- أي الفاشية، والنازية- كل هؤلاء يرجع إلى فلسفة واحدة، هي المادية الغربية الحاضرة..)
وعليه.. فإن الحل الأمثل لمشكلة السودان –ومن ثم الإنسانية- موجود في فهم للإسلام يجعله فكرة تقوم في اساسها لفهم الإنسان لعلاقته بمجتمعه ولعلاقته بكونه، وبها يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية دون أي تعارض مع الحرية الفردية المطلقة (لابد، لتحقيق الديمقراطية الشعبية، من الإسلام، لأنه الفلسفة الاجتماعية الوحيدة، في هذا العالم، التي حاولت، وأفلحت، في الجمع بين الروح والمادة، على هدى، وبصيرة، والجمع المستبصر، بين الروح والمادة، هو وحده الذي يمكن أن يحقق الحرية الفردية، والعدالة الاجتماعية، في نظام متكافل للجميع..)
إن أي محاولة لإخراج المستعمر دون أن تتضح ما هي الغاية من ذاك الإخراج، أو الاستقلال، هي سوق للشعب نحو حرب أهلية لا مفر منها. هكذا صدح بها الأستاذ محمود قبل أربع سنوات من الاستقلال. قال أيضا إنه لا مفر من البحث عن غاية للأحزاب التي لم تجتمع كلمتها سوى على هدف ضعيف هو الاستقلال، وحتى ذاك فإنها لم تر له سبيلا سوى محاولات التعاون والتحالف مع هذا المستعمر او ذاك!!

ولقد فصّل الأستاذ –فيما بعد، وهو ما سنأتيه لاحقا- حول ما يعنيه بالإسلام، وهو بطبيعة الحال ما أراد تلك الجعجعة التي اشتعلت في تلك الآونة ولا زالت تتقد بلا طائل حتى الآن، وإنما قصد أمرا جديدا، كل الجدة، جعل زملاء الأمس في شقاق، فآثر بعضهم إعتزال العمل السياسي وهم لا زالوا يحتفظون بمودتهم ومحبتهم لثائر الأمس، ولكنهم في خلاف- مع مفكِّر اليوم- لا يفسد لودهم قضية.

(8)
الرسالة الثانية من الإسلام، أو الدعوة الإسلامية الجديدة، كلاهما إسم جديد للـ(الفكرة الجمهورية)  التي صارت ومع مرور الوقت بديلا لإسم (الحزب الجمهوري). وأول ما يستحق القول هنا هو أن الدعوة للإسلام لا تعني من قريب أو من بعيد الدعوة لحكم الشريعة الإسلامية! لقد قامت الدعوة الجمهورية –أول ما قامت- على فهم جديد للإسلام استلهم قيم الدين، ونفث الروح في طقوس العبادات، وطوّر التشريع الإسلامي الذي طبِّق على مجتمع القرن السابع الميلادي!

من قراءته للشريعة الإسلامية صدح الأستاذ محمود بأنها ليست (ديموقراطية) ولا (إشتراكية)، ولكنه هو داع للديموقراطية وللاشتراكية، وهو يرى أنهما مبذولتان في أصل الإسلام(الدين) الذي تعتبر الشريعة الإسلامية فرعه الذي نزل للناس في القرن السابع ليستوعب طاقاتهم وحاجاتهم..لذا فإنه وفي ظل الفهم الجديد للإسلام تتخلف كثير من الفروع عن معاملات اليوم.. يقول في ذلك الأستاذ محمود محمد طه:
(أول ما تجب الإشارة إليه هو أن الشريعة الإسلامية ليست هي الإسلام، وإنما هي المدخل على الإسلام.. هي طرف الإسلام الذي نزل إلى أرض الناس منذ أربعة عشر قرنا، وهي في بعض صورها تحمل سمة “الموقوتية” وهي من ثم قابلة للتطور، وهي في تطورها تنتقل من نص فرعي، في القرآن، تنزل، لأرض الناس من نص أصلي. وقد اعتبر النص الأصلي منسوخا، بمعنى أنه مرجأ إلى يومه، واعتبر النص الفرعي صاحب الوقت، يومئذ. فتطور الشريعة الإسلامية، في بعض صورها، إذن، إنما يعني انتقالها من نص، إلى نص، في القرآن.. فآية السيف، وأخواتها ليست، في الإسلام، أصلا وإنما هي فرع.. وقد تنزل الفرع، عن الأصل، بفعل الضرورة، ليكون قريبا لأرض الناس، حتى ينقلهم، على مكث، إلى الأصل.. فالأصل هي الآيات المنسوخة والفرع الآيات الناسخة.. فإذا كنا نتحدث عن الشريعة الإسلامية فيجب ألا نزج بآية لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي إلا إذا كنا ندعو إلى أن تتطور الشريعة، من آيات الإكراه، إلى آيات الاسماح. وهو أمر لا يدعو إليه، بل ولا يعقله دعاة الإسلام عندنا، إلى الآن. وهناك أمر خطير يجب تقريره هنا، وهو أن الشريعة الإسلامية ليست ديمقراطية، ولا هي اشتراكية، وإنما هي تقوم، في السياسة، على آية الشورى، وهي آية حكم الفرد الرشيد، الذي جعل وصيا على قوم قصر، وقد طلب إليه أن يحسن تربيتهم، ورعايتهم، وترشيدهم ليكونوا أهلا للديمقراطية. ويومئذ تتطور شريعتهم لتنتقل من فروع القرآن إلى أصوله – من آية الشورى إلى آيتي( فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر) فتكون بهذا التطوير أدخل في الإسلام من سابقتها. أو قل منها قبل أن تتطور. ومثل هذا يقال عن الاشتراكية، فإن شريعة الإسلام الحاضرة ليست اشتراكية، وإنما هي رأسمالية، أريد بها أن تكون مرحلة تسير الأمة السالفة إلى منازل الاشتراكية. ويومئذ تتطور الشريعة الحاضرة، بأن تنتقل من فروع القرآن إلى أصوله – من آية الزكاة الصغرى الفرعية) خذ من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم) إلى آية الزكاة الكبرى الأصلية) يسألونك ماذا ينفقون قل العفو).  ففي الشريعة الحاضرة ليست هناك ديمقراطية ومن ثم ليس هناك دستور إسلامي.. وكل حديث عن الدستور الإسلامي من الذين لا يرون تطوير الشريعة الإسلامية إنما هو جهل مزدوج – جهل بالإسلام، وجهل بثقافة العصر.. وهو ما يقوم عليه أمر دعاة الإسلام عندنا. ونحن نحب أن نقول لهم في ختام هذه المقدمة أنكم إن لم تفهموا حقيقة الإسلام، وطبيعة ثقافة العصر الحاضر، فمن الخير أن تكفوا عن الدعوة إلى الإسلام.. وإلا فإنكم تحملون وزر تعويق الدعوة إليه بجهالات تحاولون أن تلصقوها به، وهو منها براء.. وستكون حصيلة محاولتكم تأخير قافلة الدعاة الحقيقيين بعض الوقت. وبحسب المرء من الشر أن يعوق بجهالته، دعوة الخير، ولو لحظة واحدة، وهو يعلم.)
السودان قطر متعدد الأعراق والأجناس والثقافات والأديان، وهو الأكبر إفريقيا من حيث المساحة، والرابع من حيث المكان، وهو أكبر الأقطار العربية في اسيا وإفريقيا، وثاني دولة عربية من حيث السكان والسادس افريقيا(حتى تاريخ كتابة هذه المقالة). ذُكر السودان في الكتب الدينية القديمة، وفي التاريخ القديم، وكذلك في الأساطير الإغريقية. وشهد هجرات كثيرة من الشمال والشرق والغرب والجنوب، ولكن حدوده الحالية التي تكاد أن تبلغ (مليون ميل مربع) ورثها من الاستعمار الإنكليزي المصري(1899/1956)، وإن كانت مقاربة –نوعا ما- لحدوده المعروفة في عهد الحكم التركي(1821/1885). عرف السودان هجرات العرب الى أراضيه من قبل الميلاد، وعرف استقرارهم أيضاً كجماعات صغيرة وأفراد لجأت لعدل حكامه (النوبة) ووجدت في أرضه مستقراً وسعة.

عندما أراد المسلمون فتح بلاد السودان بالجيوش كانوا قد خالفوا بذلك نصاً نبويا بعدم التعدي على (الأحباش)  وأن يتركوهم ما تركوهم، ولهذا فإن جهودهم في فتح السودان قد ضاعت سدى ولم تفلح تلك الحروب سوى في تخليف اتفاقية (تبادل تجاري) بين البلدين. وبعد حوالي الألف عام من تلك الإتفاقية تكونت أول مملكة اسلامية في بلاد السودان وهي (مملكة الفونج) (1505/1821). في تلك الكونفدرالية الجديدة- التي جاءت بعد عهد من الفوضى اكتنف المملكة المحتضرة مملكة (علوة) (حوالي 900م-1505م)- بسط ملوك الفونج سلطانهم السياسي، ولكنهم وجدوا سلطة أخرى سبقتهم وتكبرهم شأنا، وجدوا سلطة السادة (الصوفية) قد ضربت بجذورها في حياة المجتمع المسلم، فصانوها ورعوها وحفظوا لهم شأنهم وقدرهم، لعلمهم بنأيهم عن السلطة، وشغلهم بأمر أنفسهم وتربية “حيرانهم”.

دخل مشايخة الطرق الصوفية للسودان بصورة فردية وانشأوا فيه الخلاوى للتدريس والتربية، ورغم اختلاف الطرق الصوفية من حيث النشأة الا أنهم قد اجتمعوا جميعا على احترام بعضهم البعض وتوقير الشيخ لرفيقه في الدرب وإجبار حيرانه على احترام شيخ الطريقة الأخرى وحيرانه. وذاك ليس بأمر غريب اذا علمنا أن التصوف يعني عند أهله (الأدب) و(التأدب)، حتى صارتا كلمتين تحلا محل بعضهما البعض (التصوف والأدب).
هذا الأدب، وتلك التربية، وذاك الفكر، قد كان مرعيا من قبل الدولة التي تركت أمر التعليم والقيادة الإجتماعية للمتصوفة وهو أمر استمر حتى دخول الاستعمار التركي في العام (1821) فبسط سلطته السياسية والاجتماعية والتعليمية على المجتمع فكان من الطبيعي جدا أن يخرج من المتصوفة بعد (أربعين عاما) من حكم الأتراك رجل متصوف يدعي المهدية ويحارب المسلمين عليها، ويمنع المتصوفة من تأدية شعائرهم الدينية، ويبدأ دائرة جديدة من الحكم الديني المتسلط وينجح في اقامة الدولة المهدية بأرض السودان(1881/1885-1899). وهناك نقد كثير يمكن أن يقدم لحركة (محمد أحمد المهدي) (1841-1885) سياسيا وفكريا ودينيا، ولكن أهم ما يستحق القول الآن إنها قد كانت نتاجا طبيعيا لضعف التربية الروحية والتأدب، مما جعل تلميذ الأمس يحارب مشايخته وأساتذته المسالمين ويأخذهم أسرى!!

وكما حدث في العهد التركي، حدث مثله في عهد الحكم الإنكليزي المصري، أدخلت الدولة نظاما تعليميا يقوم على المعارف الطبيعية، وميزت التعليم الديني عن التعليم المهني، وجعلت القوانين المطبّقة على السودانيين قوانين وضعية، وجعلت القوانين الدينية في ما يسمى بـ(شريعة الأحوال الشخصية) وجعلت لها قضاة شرعيين يقومون بها، والأعجب أنها وجدت من يرضى أن يحصر دينه في ما يحدده له من لا ينتمي لدينه!! هذه الشريحة (القضاة الشرعيون) كانت سببا مباشرا لأمرين (نفور الأذكياء من الدين) و(هروب آخرين للهوس الديني) عندما رأوا تناقض الكبار وضعة نفوسهم.

عندما ظهر الأستاذ محمود بفكرة الرسالة الثانية من الإسلام، نادى بتطوير شريعة الأحوال الشخصية، وأعتذر عن قبوله لحالة ما كانت لتكون لولا جمود رجال الدين:
(ونحن نرى أن اسم هذا الكتاب: تطوير شريعة الأحوال الشخصية، يوجب علينا كلمة اعتذار.. فإن عبارة  شريعة الأحوال الشخصية إنما نشأت في عهد الظلام.. عهد تعطيل عمل الشريعة الإسلامية، فأخذت تقوم بجانب واحد، وتعطل بجوانب أخرى.. وما أحب أن ألقي اللوم على الاستعمار.. لأن الاستعمار نفسه إنما هو نتيجة لتخلف المسلمين، ونصولهم عن دينهم – الاستعمار ليس هو المرض، وإنما هو من أعراض المرض.. والذين يظنون غير ذلك، فيلقون عليه مسئولية تخلف الإسلام، والمسلمين، يخطئون كثيراً، نتيجة لسطحيتهم في التفكير.. وهم معرضون من ثم لشئ من خيبة الأمل، غير قليل، عندما ينظرون، وقد جلا الاستعمار من أرض العرب، وأرض المسلمين، ثم لا يزال العرب، والمسلمون، متخلفين، بعيدين عن دينهم.. إن السبب الحقيقي لهذا التخلف هو الجهل بالدين، والانجراف به إلى قضايا فقهية متحجرة، تكبل العقل، الذي يتخذها منهاجاً لدراسته، ولا تحرره..)
إن المفكّر الحق لا يقبل سوى أمر من ثلاثة : إما أن يوائم فكره عمله، أو يطوّر فكره ليوائم عمله، أو يترك فكره -اذا لم يوائم عمله ولم يقبل التطور- الى غيره. أما أن يلتوي المرء ويلوي عنق الحقائق ليأكل دنياه فهو من الانحطاط الخلقي والمعرفي، وعرفته البشرية حقبا عبر حقب وفكرا عبر فكر، ولكن ما رزئت البشرية مثلما رزئت بمن يسمون برجال الدين! فهم –وكما وصفهم الأستاذ محمود- قد اتسموا بالجمود الفكري والعقم العاطفي فضربوا بسيماهم هذه سياجا حول الدين (فلقد جمد هؤلاء الدين، وحجروه، في عصر اتسم بالسيولة، واحتشد بالحركة، والحيوية، والتجديد)
حينما دعا رجال الدين وأحزاب الطوائف والأخوان المسلمون ومن لف لفيفهم لتطبيق الدستور الإسلامي والشريعة الإسلامية، جابههم الأستاذ محمود وقال لهم بأنه لا توجد في الشريعة الإسلامية دستور، لأن الدستور لازمة الحكم الديموقراطي، وليس في الشريعة ديموقراطية، انما هي حكم الفرد الرشيد على القُصّر، ودعاهم لتجديد أمر دينهم والتفكر فيه، ودعاهم للمنابر الحرة.

وعندما حلّ اولائك الحزب الشيوعي السوداني، وطردوا نوابه من البرلمان، وعدلوا الدستور من عند أنفسهم لتسهل جريمتهم تلك، ثم أخرج أكثرهم حنكة (الدكتور حسن الترابي) كتابا أسماه (اضواء حول المشكلة الدستورية) يبرر فيه مجزرته غير الدستورية والتي جعلت رئيس قضاء السودان في ذلك الوقت (بابكر عوض الله) يتقدم باستقالته ويغادر البلاد، عندها جابههم الأستاذ محمود مرة ثالثة وأخرج كتابا في الرد على (الدكتور حسن الترابي) –الذي كان رئيس جبهة الميثاق الإسلامي- أسماه (زعيم جبهة الميثاق في ميزان: 1]الثقافة الغربية 2]الإسلام).

ولكشف زيف دعاة الاسلام -وخاصة القانونيين منهم ومن يدعي معرفته بدقاق الثقافة الغربية فيزيفها ليسوّل لنفسه ولغيره ما لا تحله كل الشرائع الديموقراطية- جعل عقلية الدكتور الترابي نموذجا فتتبع تزييفه لمعاني الديموقراطية وأوضح بعدها عن كل مفكّر ديموقراطي منذ (بركليس) الى (رسل) وقربها لكل شمولي فقارن فقرات الدكتور الترابي بمقتطفات من أقوال (موسليني) فجاءت شبه متطابقة!
في نهاية الأمر سحب الدكتور كتابه من الأسواق ولا نعرف له اثرا حتى الآن.
حينها ضاق صدر رجالات الدين مجتمعين بالأستاذ محمود.. مجرد (باشمهندس) لا علاقة له بالتعليم الديني الموروث يريد أن يُعلِّم أهل الحرفة أصول حرفتهم!
في نوفمبر من العام 1968 أصدرت المحكمة الشرعية ردة الأستاذ محمود محمد طه عن الإسلام، وأمرت بتطليق زوجته منه ومصادرة أمواله! ولكنها محكمة شرعية لا سلطة لها ولا قوة سوى أن تشوّش البسطاء وتحجب عنهم الحقيقة ما استطاعت لذلك سبيلا.

(9)
عندما أتى مساء الرابع والعشرين من مايو 1969م كان زعماء الأحزاب التقليدية ينامون وهم يحلمون بصباح الغد الذي سيمكنهم من إقصاء الحزب الشيوعي للأبد، وسيجعلهم يهنأون بحكم البلاد الى ما شاء الله، فبعد أن تخلّصوا من عدوّهم الباشمهندس ما عليهم الا طرح الدستور الإسلامي في الغد، وعندما يجاز ذلك الدستور يمكنهم تكميم الأفواه متى ما أرادوا!
ولكن صباح الخامس والعشرين من مايو جاءت رياحه بما لا يشتهي السَفِنُ، وقامت مجموعة من اليساريين والقوميين العرب بانقلاب على السلطة، وبمشاركة من رئيس القضاء الأسبق الغضبان (بابكر عوض الله)، واختاروا لثورتهم عقيدا صاحب مغامرات في الماضي اسمه جعفر محمد نميري.
أوقفت الحركة –أول ما أوقفت- عبث السلطة التشريعية والتنفيذية، وقطعت الطريق أمام ما أسموه بالدستور الإسلامي.

أيد الأستاذ محمود ثورة مايو.. كما أيدها الحزب الشيوعي، وشارك فيها بوزرائه داخل الحكومة.
مرة أخرى كان موقف الأستاذ محمود واضحاً: الخطران اللذان  يتهددان البلاد هما الطائفية، والهوس الديني.. وعلى المفكرين الأحرار أن يقطعوا الطريق أمامهما..
مرة أخرى قال بأن الديموقراطية ليست مؤسسات يستغلها البعض لمصلحته الشخصية، وإن الديموقراطية الحقة هي التي تتيح فرصة للناس لكي يعبروا عن آرائهم في جو يحكمه القانون وتتاح فيه المنابر الحرة. اما أن تكمم الديموقراطية أفواه الناس، وتطرد نوابا منتخبين من البرلمان، وتخوض في أعراض الناس وتكفرهم وترهبهم، فهي ديكتاتورية مدنية، وهي أسوأ من الديكتاتورية المطلقة إذ تزين الباطل بثوب الحق.
لهذا وعندما رأى الأستاذ محمود أن من قاموا بالانقلاب ضباط أحرار لا ينتمون لحزب، طالب الأحزاب التقدمية أن يساعدوهم في أمرهم حتى لا يستحوذ الهوس الديني عليهم، وأن يشاركوهم حتى يساعدوهم على التحوّل الديموقراطي!

ومرة أخرى نكص زعماء الأحزاب عن دعوة الأستاذ محمود، ودخلوا في عداوات مع النظام الجديد. بدأ الأمر بالحزب الشيوعي، ثم لحق به القوميون العرب، وحتى الطائفية والأخوان المسلمين واجهوا النظام الجديد بالمعارضة المسلحة تارة، والسلمية تارة أخرى. كل هذا والأستاذ محمود ماض في دعوته لمجابهة الهوس الديني، وعدم ترك الشعب السوداني لقمة هينة له. قال بأن أكبر جريمة يرتكبها المفكرون الأحرار هي ترك الشعب للتنظيمات الإسلامية فهي لا بد –وإن سار الأمر بهذه الوتيرة- أن تصل الى مأربها، وتذيق الشعب الأمرين، وتستغل الدين أبشع استغلال. هذا ما قاله في نهاية سبعينيات القرن المنصرم، وهو نفسه ماردده في خمسينياته حين كتب:
(ان الاسلام بقدر ما هو قوة خلاقة اذا ما انبعث من معينه الصافي واتصل بالعقول الحرة واشعل فيها ثورته وانطلاقه، بقدر ما هو قوة هدامة اذا ما انبعث من كدورة النفوس الغثة، واتصل بالعقول الجاهلة، واثار فيها سخائم التعصّب والهوس.  فإذا ما قدر لدعاة الفكرة الاسلامية- الذين أعرفهم جيدا- أن يطبقوا الدستور الإسلامي- الذي يعرفونه، ويظنونه اسلامياً- لرجعوا بهذه البلاد خطوات عديدة للوراء، ولأفقدوها حتى هذا التقدم البسيط الذي حصلت عليه في عهود الاستعمار، ولبدا الإسلام على يديهم وكأنه حدود وعقوبات على نحو ما هو مطبق الآن في بعض البلاد الاسلامية، ولكانوا بذلك نكبة على هذه البلاد وعلى الدعوة الإسلامية أيضا) .
أخرج الأخوان الجمهوريون عددا من الكتب حملت دعوة للمفكرين واليساريين لكي يحموا نظام مايو من الهوس الديني ومن الطائفية، وقالوا لهم إن أنتم حاربتم هذا النظام فستعودون لعهود أبشع خلفتموها وراءكم، ولأعدتم البلاد الى مربع (الديكتاتورية المدنية) وعبث الطائفية بالدستور، إن الفرصة الأسلم، والأفضل، هي الالتفاف حول هذا النظام وتحويله تدريجيا للديموقراطية! ولكن دعوة تلاميذ الأستاذ محمود لم تلق أذناً لها تصغي.. ومرة أخرى حدث ما توقع له الأستاذ محمود الحدوث، وألقت الطائفية بثقلها على مايو، وفعل الأخوان المسلمون ذات الشيء وأصبح الناس في شهر سبتمبر من العام 1983م ليفاجأوا بنظامهم العلماني وهو يعلن الشريعة الإسلامية حكما للبلاد، واندلعت الحرب الأهلية مرة أخرى.

(10)
حينما ينظر من حوله يجد آذانا لا سمع فيها، وعيونا لا بصر لها، ولكنه يؤمن بأمر علّمه لتلامذته: (جوّدوا الواجب المباشر، ولا تنتظروا النتيجة). أن تعيش لحظتك الحاضرة بصورة أساسية، وأن تلقي أوهام المستقبل وظنون الماضي وراء ظهرك هو درسه الأول، وأن يقودك بمنهجه لهذه الغاية هو عمله الأول.
تطورّت الأحداث بصورة مذهلة، فالشيخ الذي أيد النظام لأسباب واضحة رأى أن النظام قد بدأ في التخلي عنها، فشب بهمة شاب في الثلاثين يدافع عن شعبه الذي يجلد ويقطّع بلا جريرة. تحدث لتلامذته في يوم أرخوه باسم (حديث الفداء) وقال لهم إن الذي يعيش لربه يجب أن يعيش للناس، ويدافع عنهم ويفديهم بروحه، وطلب أن يستمع لأغنية سودانية شهيرة عنوانها (أنا أم درمان) وتساقطت دموعه وتلميذه ينشده:
(فيا سودان إذ ما النفس هانت
أقدم للفداء روحي بنفسي)

وبذكرهم، ونشيدهم، وجلابيب رجالهم وثياب نسائهم البيض، خرج الأخوان والأخوات الجمهوريون الى شوارع العاصمة وهم يحملون منشورهم ضد قوانين سبتمبر، وضد الظلم والقهر، وضد تمزيق البلاد، وضد الحرب الأهلية، وضد الهوس الديني، حمل منشورهم اسم (هذا.. أو الطوفان) قالوا فيه إن القوانين التي سنّت هي قوانين مخالفة للدين الإسلامي، وهي قد أذلت الشعب السوداني:
(إن هذه القوانين قد هددت وحدة البلاد ، و قسمت هذا الشعب في الشمال و الجنوب و ذلك بما أثارته من حساسية دينية كانت من العوامل الأساسية التي أدت إلى تفاقم مشكلة الجنوب .. إن من خطل الرأي أن يزعم أحد أن المسيحي لا يضار بتطبيق الشريعة .. ذلك بأن المسلم في هذه الشريعة وصي على غير المسلم ، بموجب آية السيف ، و آية الجزية .. فحقوقهما غير متساوية .. أما المواطن ، اليوم ، فلا يكفي أن تكون له حرية العبادة وحدها ، و إنما من حقه أن يتمتع بسائر حقوق المواطنة ، وعلى قدم المساواة ، مع كافة المواطنين الآخرين .. إن للمواطنين في الجنوب حقا في بلادهم لا تكفله لهم الشريعة ، و إنما يكفله له الإسلام في مستوى أصول القرآن “السنة”)
ثم طالب المنشور بإلغاء قوانين سبتمبر، وقال أيضاً:
(نطالب بحقن الدماء في الجنوب ، و اللجوء إلى الحل السياسي و السلمي ، بدل الحل العسكري. ذلك واجب وطني يتوجب على السلطة ، كما يتوجب على الجنوبيين من حاملي السلاح. فلا بد من الاعتراف الشجاع بأن للجنوب مشكلة ، ثم لا بد من السعي الجاد لحلها.)
كانت هذه من نصائح الأستاذ محمود-ولعلها آخر نصائحه- للشعب وللحكومة أهداها في عيد الميلاد المجيد، وعلى أبواب أعياد الاستقلال، فأخذته الحكومة الى سجن كوبر، حيث شنق.

(11)
(أنا أعلنت رأيي مرارا ، في قوانين سبتمبر 1983م ، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام .. أكثر من ذلك ، فإنها شوهت الشريعة ، وشوهت الإسلام ، ونفرت عنه .. يضاف إلي ذلك أنها وضعت ، واستغلت ، لإرهاب الشعب ، وسوقه إلى الاستكانة ، عن طريق إذلاله .. ثم إنها هددت وحدة البلاد .. هذا من حيث التنظير ..
و أما من حيث التطبيق ، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها ، غير مؤهلين فنيا ، وضعفوا أخلاقيا ، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية ، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب ، وتشويه الإسلام ، وإهانة الفكر والمفكرين ، وإذلال المعارضين السياسيين .. ومن أجل ذلك ، فإني غير مستعد للتعاون ، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر ، والتنكيل بالمعارضين السياسيين)

وهكذا واجه الأستاذ محمود جلاديه، وقف شامخا كالطود، مهيبا في ثيابه البيض، وشابا في جسده وكلماته، وحكيما من قرونه التي عاش.
صعد درج المشنقة بخطى ثابتة، وقلب سليم، ثم خلعوا القناع عن وجهه فابتسم لهم. صاحوا بقوة:
(حرر براباس)
فقال بهدوء:
(ابتي اغفر لهم، انهم لا يعلمون)

كشأن ابانا الذي في الصليب، صعد أبانا الى المشنقة، كان هادئا كصفحة ماء في يوم صيفي حار لا هواء فيه، وكان عاديا كأنه يستعد لندوة ما، وكان مسلما أمره فهو قد (جوّد) واجبه المباشر، وآن له أن يستمتع بلحظته الحاضرة.

الهوامش:

1-  تاريخ السودان الحديث 1820-1955/ د.محمد سعيد القدال ط2 مركزعبدالكريم مرغني ص533.
2-  http://www.alfikra.org/chapter_view_a.php?book_id=93&chapter_id=11 موقع الفكرة الجمهورية على الإنترنت

3-صوم ثلاث ليال متتالية دون أكل أو شرب والإفطار في اليوم الثالث فقط.
4-  تاريخ السودان الحديث- ص495
5-  البيان الذى ألقاه رئيس الحزب الجمهوري فى الإجتماع العام1951م راجع أيضاً www.alfikra.org
6-  نفسه
7-  نفسه
8-  نفسه
9-  نفسه
10-10-  رجاء راجع  على موقع http://ar.wikipedia.org (الفكرة الجمهورية) و (الأخوان الجمهوريون) صفحتان مراقبتان من قبل الكاتب.
11-  الدستور الإسلامي، نعم، ولا-ص13-14
12-  يمكن اطلاق كلمة السودان لكل البلاد التي تقع في الجزء الجنوبي لمصر وحتى بلاد اثيوبيا الحاليا وغربا حتى نيجيريا، كما يمكن اطلاق كلمة بلاد الحبشة للأراضي التي تقع من أثيوبيا في الجنوب الشرقي وإلى مصر.
13-  تطوير شريعة الأحوال الشخصية- ص9-10
14-  القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري- ص5
15-  صحيفة انباء السودان/مقالة بقلم الأستاذ محمود محمد طه بعنوان (تعالوا الى كلمة سواء) 1958.
16-  منشور هذا او الطوفان- منشورات الأخوان الجمهوريين- أمدرمان في 25 ديسمبر 1984م
17-  نفسه
18-  كلمة الأستاذ محمود أمام المحكمة في يناير1985-راجع www.alfikra.org

المصادر والمراجع:
1.    تاريخ السودان الحديث 1820-1955/ د.محمد سعيد القدال/ ط2 مركزعبدالكريم مرغني/ أمدرمان
2.    البيان الذي ألقاه رئيس الحزب الجمهوري فى الإجتماع العام1951م – ط أكتوبر 1951- منشورات الحزب الجمهوري.
3.    الدستور الإسلامي نعم، ولا-محمود محمد طه- ط الأولى يناير1968م أمدرمان
4.    تطوير شريعة الأحوال الشخصية- محمود محمد طه- ط3-1979م
5.    القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري- محمود محمد طه- ط الأولى يناير1971م
6.    موقع الفكرة الجمهورية بالإنترنت www.alfikra.org
7.    صحيفة أنباء السودان  العدد 26/12/1958
8.    منشورات الأخوان الجمهوريين- أمدرمان 1984/1985

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق