أبعدوا المسيحيّين فيصفو لكم وجه الشرق!


لم يعد مهمّاً معرفة من يقف وراء أحداث العنف التي تستهدف المسيحيين في العراق ومصر ، ولاندري أين يضربون غداً، لكن من الواضح أن هذا الإستهداف تجاوز إمكانية وصفه بالعادي والعابر والعبثي، أو سواها من التوصيفات التي تسعى إلى تدوير الزوايا القاتلة لهذه الظاهرة السوداوية، مرّة بحجّة المحافظة على صورة الإسلام الذي يتعرض لتشويه مقصود في الغرب المسيحي، ومرّة بحجّة حماية السيادة الوطنية للدول المعنية من تدخل الاخرين، ومرّات أخرى بهدف الحفاظ على الوحدة الوطنية في البلاد التي يستهدف فيها المسيحيّيون !


لا، لم تعد هذه التسويفات والسياسات التي تقف خلفها قادرة على ضمان إقناع المسيحيين أنفسهم على التعاطي بشكل آدمي مع حياتهم، ماداموا مهددّيين في كنائسهم، وممنوعا عليهم ممارسة معتقداتهم وطقوسهم، ناهيك عن التمييز الواضح الذي يمارس ضدّهم في الحياة العامّة، وفي حقّهم في الحصول على جزء من موارد ( بلادهم ) بوصفهم مكوناً من مكوّنات تلك البلاد، وشركاء في الواجب والمصير ؟
وكذا، لم  يعد مهماً معرفة الذنب الذي ارتكبوه، إذ يبدو أن الأوان قد فات، وقد فاتهم حتى إمكانية التوبة والإعتذار والإستغفار ؟

لم يعد مهماً أي شيء يتعلق بالملف ( المسيحي )، مادام آخر من تبقى من مسيحيّي العراق يوضبون حقائبهم ويتهيؤون لمغادرة الحدود، وقبلهم مسيحيّو فلسطين قد أغلقوا الباب خلفهم ، وتشتت العائلة المسيحيّة اللبنانية على رياح الأرض !

الأكيد أنّ  ما يحصل مع الجزء الأكبر من مسيحيّي الشرق ، هوعملية سياسة ممنهجة ومتاكملة ، "آخذة راحتها في التنفيذ والإنجاز"، لكن كيف تشكّلت خيوط هذه السياسة في الخفاء لتظهر في العلن مثل شبكة كبيرة تصطاد مسيحيّي الشرق في مياه لحظته ( الشرق ) الآسنة ؟ 

ثمّة قراءات تحاول تركيب ما يحدث للمسحيّين على نظرية المؤامرة، أميركا وإسرائيل ترغبان في تدمير السلم الأهلي، لكن لم يفسّر أحد لماذا تم ّإخراج العملية وفق هذه الصورة واختيار الطرف الأضعف في المنطقة لهذه المهمّة ! وبعض النظريات الغريبة التي تقول بحاجة أوروبا لمسيحيي الشرق حتى يعوضوا النقص الديمغرافي في تلك القارة العجوز، دون أن يلحظوا ان المسيحيين في الغرب يشار لهم على أنهم عربٌ. وثمّة نظريات أخرى تقول إن المشكلة تكمن في الدولة المشرقية ذاتها والتي لم تتطور لتصبح دولة لكل مواطنيها، غير أن عطالة هذه النظريات المذكورة تكمن في تسطيحها القصدي للأزمة التي تحاول التصدي لها لتصبح هي والسياسات االتسويفية جزءاً من عدة القتل التي يتعرض لها بعض مسيحيّي الشرق اليوم.


والحقيقة أوضح من ذلك بكثير ، بل أبسط . ثمة في مجتمعاتنا من استسهل تجاوز المسيحيين، وثمة من استسهل التضحية بهم، وكذا من ساوم على أوضاعهم. وهناك من حاول إرضاء الاخرين على حسابهم ، وبعض سعى إلى تثبيت مكانته بالانحياز ضدهم. كلّ ذلك لأنهم التركة السائبة والسواح الطارئين على هذه الأرض !

وفي كل هذه الحالات لم تكن استجابة شريكهم الإسلامي بمستوى حديثه عن شراكة الوطن وقدسيتها ، كذلك لم يكن لنخبهم ( بكافة مستوياتها ) مواقف واضحة وجازمة … أليست هذه حقيقة مؤلمة ؟
والحال ، اذا كان أمر التخلص من المسيحيين في الشرق قد صدر وصيّر أمراً لا راد له ، لا نملك إلا أن نطالب بالإنجاز السريع له، فهذا التسلسل في التنفيذ يثير الأعصاب ويرهق ، علّ وجه الشرق يصفو… وعلى المسحيين الراحلين أن لا ينسوا أشياءهم ، ليأخذوا معهم هوية العرب التي بعثوها بعد أن ابتلعها الحوت العثماني.

وكذا عليهم ألا ينسو رفات شهدائهم الذين حاربوا كل أشكال الاستعمار على هذه الأرض المقدسة ، وليأخذوا معهم أيضاً ثلاثة أرباع ثقافتنا الحديثة، وجبران وآل البستاني والشدياق وأنطوان فرح ومكرم عبيد والرحابنة وفيروز وسعيد عقل وجوزف حرب وإدوارد سعيد وغسان تويني وملحم قربان وجورج قرم … ومعهم المسيح ذاته ،   ليأخذوا روح الشرق ويرحلوا ! 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق