أبناؤنا الافتراضيون / ياسر عبدالعزيز

ابنى فى الثامنة من عمره، وهو يستطيع أن يقهر تنانين، وأن يؤدب مردة، ويخوض نيراناً، ويحارب وحوشاً، ويهزم جيوشاً، ويستخدم ترسانة كاملة من الأسلحة التقليدية والنوعية بمهارة وفاعلية، لكنه لا يستطيع عبور الشارع الجانبى الهادئ الذى نسكن فيه.

ابنى فى الثامنة من عمره، وهو يستطيع أن ينشئ حساباً بنكياً، ويشترى بيوتاً وسيارات ومصانع وبيتزا، ويمكنه أيضاً أن يبيع مدناً وعقارات وبعض السلع، أو أن يقايض عليها، لكنه لم يستطع يوماً أن يشترى حلوى بسيطة من متجر متواضع بجوار منزل جدته.

يعرف ابنى أسماء عواصم الدول الشهيرة، ويسجل معلومات وصوراً عن أهم معالمها، بل يعرف أسماء قارات وهمية ومدن متخيلة ويدرك أدق التفاصيل بشأنها، كما يستطيع أن يقدر المسافات الافتراضية التى تربط بين تلك القارات والمدن وأن يتوقع الأخطار الجمة التى تكتنف الرحلات إليها، لكنه لا يكاد يذكر اسم قريتنا النبيلة الرابضة فى حضن الدلتا.

يستطيع ابنى، وهو فى الثامنة من عمره، أن يعد أسماء أكثر من مائة بطل افتراضى، وأن يسرد الكثير عن بطولاتهم، وأن يعدد مزاياهم ومناقبهم، ويروى لمحات من تاريخهم، ويفصل السمات النسبية التى يتمتع بها كل منهم، ويصف بدقة أسلوب نزاله وقدراته التدميرية وطاقته الدفاعية، لكنه لا يستطيع أن يذكر اسم بطل مصرى واحد حقيقى من هؤلاء الذين بذلوا أرواحهم ليحفظوا له حقه فى الحياة.

ابنى فى الثامنة من عمره، وهو يعرف أسماء مخرجين عالميين وممثلين ومطربين من دول شتى وفصائل من الكارتون وبرامج المسابقات، ويخوض صراعات منهكة؛ بعضها يستلزم إتقان مهارات الغوص والسباحة والقتال بالأيدى العارية أو بالسلاح الأبيض فضلاً عن العدو السريع وقفز الحواجز، لكنى لاحظت أن وزنه يزيد باطراد، وأنه لا يكاد يبرح كرسياً وحيداً أمام شاشة الكمبيوتر فى كل أوقات الفراغ.

كنت أعتقد أن الإنترنت مجالاً لنا مفتوحاً، نتعلم منه أحياناً، ونلهو به ونعبث كثيراً، ونتحكم فيه فى كل الأوقات، وأخيراً بدأت أشعر أنها تدرك ذلك، وأنها هى التى تعبث بنا وتتحكم، وليس نحن.

يبدو لى أن تحالفاً شريراً قد نشأ وترعرع بليل طويل غارق فى الغفلة، فضم انتهازيتنا وانصرافنا إلى الصراع المرير على لقمة العيش والتحقق والرغبة فى الصعود، إلى الثورة التكنولوجية والمعلوماتية المبهرة،

منتجاً «والداً ثالثا»، بات يقضى مع أبنائنا وقتاً أطول، ويمنحهم اهتماماً أكثر، ويغريهم بمتع أفضل، ويسحبهم بعيداً عن واقعنا؛ فيمنحنا انصرافهم ورضاهم، ويغرقهم فى نشوته، ويخضعهم لسطوته، ويسحبنا جميعاً إلى حال من التفكك وافتقاد الرشد والإحساس.

لقد أدركنا جميعاً صيغة مريحة وسهلة؛ فالوالدان منشغلان ومرتاحان إلى هذا «الوالد الثالث» ذى الطبيعة غير البشرية غير المكلفة وغير مجسدة الأذى، والأولاد مبهورون بهذا التجدد والتنوع والاهتمام والبريق الرائع والألوان والحركة والصور، فيما الشر يكمن فى التفاصيل وينمو ويزدهر.

لسنوات طويلة خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضى ومطلع هذا القرن، سادت فكرة أن التليفزيون بات «والداً ثالثا»، وراح نقاد وباحثون عديدون يفصلون المشكلات التى تنجم عن استفراد هذا الجهاز الخطير بأبنائنا لمدد طويلة، وما ينجم عن تعرضهم المطرد له من تأثير فى ثقافتهم وهويتهم وقيمهم.

ألف ساعة تقريباً يمضيها الطفل المصرى سنوياً أمام التليفزيون فى المتوسط، والكثير من السلوكيات والقيم السلبية التى تظهر فى أدائه الاجتماعى يرجع إلى تعرضه لمواد ضارة ومسيئة خلال مشاهدته هذا الجهاز، ورغم هذا فلا يبدو أن التليفزيون بات اليوم يستحق هذا اللقب الخطير.

فقد بات «الوالد الثالث» عبارة عن مجمع من إنتاج التليفزيون والسينما والفيديو، وصار متاحاً عبر تلك الوسائط كلها، فضلاً عن الوسيط الأهم “الإنترنت” والاسطوانات المدمجة من خلال جهاز الكمبيوتر.

إذا كان التليفزيون يوماً «والداً ثالثاً»، فالكمبيوتر فى طريقه ليكون «الوالد الأوحد»، ذلك الذى يغرى أبناءنا بالمتع والألوان والإثارة والصور، وينحينا عن أقدس واجباتنا فى الحياة، ويعزل جيلاً كاملاً عن سياقه الأصيل، فيبدل قيمه، ويعبث بهويته، ويسلب عقله، ويتفه تاريخه، فيما نحن غارقون فى الفرح لأن «الحداثة وصلت عندنا».

فإذا كنا غير قادرين على انتهاز الفرص البديعة التى تمنحها التكنولوجيا، بأن ننتج مواد وأفلاماً وألعاباً متصلة بقيمنا وواقعنا وتاريخنا وأهدافنا، وإذا كنا عاجزين عن مراقبة ما يرد إلينا وتنقيته قبل أن يصل إلى عقول أبنائنا وأفئدتهم، وإذا كنا مرتاحين لأن أبناءنا يزهون بلون البشرة المائل للبياض،

جراء البقاء لساعات بعيداً عن ضوء الشمس، ويرفلون فى حلل نظيفة بأجسام ممتلئة بعيداً عن تصدير الإزعاج لنا، مكتفين بالانكباب على ما يجود به «والدهم الأوحد».. فلا شك أننا فى خطر عظيم.

عن جريدة المصري اليوم 5/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق