أبو بكر الرازي: تفضيل العقل ونقد النبوّة

يضيّق التكفير على التفكير الدائرة يوما بعد يوم، حتى لنحسب هواجسه وقد تملّكت النفوس وأدخلت رقيبها بسيفه في تلافيف بعض الأدمغة التي أصابها الشلل المؤقّت في التفكير من فرط الخوف من الإلغاء المعنويّ أو الجسديّ. وكأنّ التكفير "نهاية التاريخ" بالنسبة للحضارة العربية والإسلامية. والحضارة كالكائن الحيّ لها ما له وعليها ما عليه من قوانين الميلاد والنموّ والانحلال والفناء، فلكلّ حضارة طفولتها وشبابها ونضجها وشيخوختها. يقول إشبنجلر : "تنشأ الحضارة في اللحظة التي تستيقظ فيها روح كبيرة. وتستقلّ بذاتها عن الحالة النفسية البدائية التي توجد فيها الطفولة الإنسانية. وهي تولد في بقعة محدّدة من الأرض محدّدة تمام التحديد، ترتبط بها ارتباط  النبتة بالتربة. والحضارة تموت حينما تحقّق هذه الروح كل ما بها من ممكنات على صورة شعوب ولغات ومذاهب دينية، وفنّ، ودول سياسية، وعلوم، فترجع إلى الحالة الأولى البدائية. ووجودها الحيّ نضال باطن من أجل الاستيلاء على القوى الخارجية في الطبيعة المختلطة، وعلى الغريزة الداخلية التي لاذت بها هذه القوى مع ما تنطوي عليه من حقد وحنق".  فهذه الروح تبدأ بأن تحقّق ما تحتويه من قوى، وتستمرّ في هذا التحقيق شيئا فشيئا طالما كانت بها إمكانات وقوى خصبة، حتى إذا أتت نهايتها كان ذلك إيذانًا بأنّها بلغت أقصى ما تستطيع أن تصل إليه، وحينئذٍ تنتقل من دور الخلق والإبداع إلى دور الاستهلاك والتبديد : والدور الأول يسمّى بالحضارة بمعناها الضيق، والدور الثاني يسمّى بدور المدنية.
يقول عبد الرحمن بدوي في معرض حديثه عن خصائص الحضارة العربية إنّ لها روحها الخاصة التي لا تشاركها فيها أية حضارة أخرى، وقد سادت جميع فروعها من بيزنطية وفارسية وإسلامية. فلكي نفهم إذا روح الفرع الذي يعنينا الآن من هذه الحضارة العربية الكبرى، ينبغي أن نبيّن الخصائص الرئيسية لروحها. (أوّل خاصية من خصائص هذه الروح التفرقة بين النفس والروح، وهي تفرقة رئيسية نجدها واضحة في كلّ مظاهر هذه الحضارة من فنّ وعلم ودين وقانون وسياسة… ومن هنا فإنّ الروح واحدة بين الناس جميعا، هي مصدر الخير، فليس للإنسان إذاً إلا أن يفنى في هذه الروح، وأن ينكر نفسه كلّ الإنكار، لأنّها مصدر الشرّ والظلمة. ولهذا فإنّ روح الحضارة العربية تنكر الذاتية أشدّ الإنكار، لأنها تفني الذات في هذه القوّة العليا. وترى في هذا الفناء واجب الإنسان الرئيسيّ، وعلى هذا الأساس يجب أن يقوّم كلّ شيء. فكل ما كشف عن ذاتية، أو اتجه نحو توكيد الذاتية فهو شرّ. ففي الأخلاق لا شيء أمام الإنسان غير التسليم لهذه القوّة العليا؛ وفي المعرفة، كلّ معرفة صادرة عن استقلال الفكر باطل وضلال. وإنما المعرفة الحقيقية هي تلك التي تصدر عن هذه الروح المشتركة، أي تلك التي تصدر عن الإجماع لا عن الحكم الفردي).
فهل وصلت الحضارة العربية الإسلامية إلى آخر فصولها ولم يعد للاختلاف موضع؟ والسؤال الآخر هو أين ذهبتْ تلك الفسحة التي كان تتبارى بها العقول وتختلف ولا تخشى من سطوة التكفير وإن كان مجاله بطون المجامع ومنابر الجوامع؟ فها هو أبو بكر الرازي وهو من أكبر الشخصيات في الحياة  الفكرية الإسلامية، فقد كان فيلسوفا وطبيبا وكيميائيا من الطراز الأوّل، يعلن إيمانه الراسخ بالله رغم نقده للنبوّة والكتب المقدّسة. ففي مستهلّ كتابه "الطبّ الروحاني" يقول:( إنّ الباري –عزّ أسمه- إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مِثلنا نيله وبلوغه؛ وإنه أعظم نِعَم الله عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا… وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منّا والخفيّة المستورة عنّا .. وإذا كان هذا مقداره ومحلّه وخطره وجلالته فحقيق علينا أن لا نحمله عن رتبته ولا ننزله عن درجته، ولا نجعله – وهو الحاكم – محكوما عليه، ولا – وهو الزمام- مزموماً، ولا – وهو المتبوع- تابعا، بل نرجع في الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، فنمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه) (1). ثمّ نجده في موقع آخر يبيّن نقده للنبوّة في مناظرات عديدة أوردها باول كروس في كتاب "رسائل فلسفية لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي". إحدى هذه المناظرات كانت مع أبي حاتم الرازي حول أمر النبوّة يقول فيها : " من أين أوجبتم أنّ الله اختصّ قوماً بالنبوّة وفضّلهم على الناس، وجعلهم أدلّة لهم، وأحوَجَ الناس إليهم؟ ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك ويُشْلى بعضهم على بعض ويؤكد بينهم العداوات ويكثر المحاربات ويهلك بذلك الناس؟ "
كما أنّ الرازي لم يكتف بنقد الأديان من ناحية ما يراه فيها من محالات ومتناقضات، ولم يوقفه كثرة المؤمنين بالأديان ولا قلة المتبعين للفلاسفة وأصحاب المقالات العقلية. فردّ الرازي على هذا الاعتراض المتوقّع من الخصم بأن قال "إنّ أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد، ودفعوا النظر والبحث عن الأصول، وشدّدوا فيه ونَهَوْا عنه. ورووا عن رؤسائهم أخبارا توجب عليهم ترك النظر ديانةً، وتوجب الكفر على من خالف الأخبار التي رووها. ومن ذلك ما رووه عن أسلافهم أنّ : الجدل حرام في الدين والمراء فيه كُفْر. ومن عَرَض دينه للقياس لم يزل الدهرَ في التباس؛ ولا تتفكّروا في الله وتفكّروا في خلقه؛ والقَدَر سرّ الله فلا تخوضوا فيه؛ وإيّاكم والتعمّق فإنّ من كان قبلكم هلك بالتعمّق"، ثمّ قال "إن سئل أهل هذه الدعوى عن الدليل على صحة دعواهم، استطاروا غضباً، وهدروا دم من يطالبهم بذلك، ونهوا عن النظر، وحرضوا على قتل مخالفيهم. فمن أجل ذلك اندفن الحق أشدّ اندفان وانكتم أشدّ انكتام.. إنما غرّهم طول لحى التيوس وبياض ثياب المجتمعين حولهم من ضعفاء الرجال والنساء والصبيان، وطول المدّة حتى صار طبعاً وعادة"(2).
ومن هنا نجد أن الرازي يعزو التديّن إلى عدة عوامل أوّلها التقليد، وهو من أخطر المصادر في نشر المعتقدات وتوكيدها واستمرارها. وثانيا السلطة حيث يتعلّق رجال الدين بالسلطان ويصبح لهم شأن في الدولة يسمح لهم بفرض معتقداتهم على الناس قسراً إن لم يتيسّر الإقناع. وثالثا المظاهر الخارجية التي يظهر بها القائمون على أمر الدين ممّا يثير الدهشة والروعة في نفوس البسطاء وعن طريقهم تنتشر العدوى إلى بقية الناس. ورابعا طول الإلف والتعوّد والاستمرار ممّا يؤدّي إلى تحوّل العادة إلى طبيعة. ثمّ يصل الرازي إلى قناعة مفادها أنّ العقل الإنساني كفيل وحده بهداية الإنسان إلى السبيل القويم في حياته لذا يقول : "أخبرونا، هل يكون مصيباً من وجد إلى أمر طريقين فسلك الأطول منهما والأوعر؟ وهل يكون مريداً للأفضل والأصلح من يجد إلى تعريف شيء من وجهين سبيلاً، فيعرّفه من أعسرهما وأبعدهما وأكثرهما ريباً وجلباً لسوء العواقب، ويدع ما خالف هذه الوجوه؟ فإن قلتم : لا، قلنا فهلا ألهم اللهُ عباده معرفة منافعهم ومضارّهم في عاجلهم وآجلهم، وترك احتياج بعضهم إلى بعض؟ فإنا نرى ذلك قد أهلك كثيرا من الناس وأدخل عليهم أعظم البلاء في عاجلهم بالعيان، وفي آجلهم. أمّا في عاجلهم فلتصديق كلّ أمّة إمامَها وضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف واجتهادهم في ذلك… ولولا ما انعقد بين الناس من أسباب الديانات لسقطت المجاذبات والمحاربات والبلايا لأنّ المنازعات تقع إمّا لعاجل أو لآجل".

ختاماً، يؤكّد الرازي أنّ العقل يكفي وحده لمعرفة الخير والشرّ، فلا مدعاة إذاً لإرسال أناس يختصون بهذا الأمر من جانب الله. وبوضع العقل في مكانه المناسب تتمّ إزاحة الهالة القدسية التي يحيط بها المتديّنون قناعاتهم وما يتوارثونه من المسلّمات التي أطاح بمصداقيتها ما أنجزه العقل عبر تراكم خبراته في ميدان الصواب والخطأ.
الهوامش:
1-  د.عبد الرحمن بدوي" من تاريخ الإلحاد في الإسلام".
2- نفس المصدر
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق