أجل إنها مثالية مفرطة

صنف الصديق الأستاذ سلامة كيلة مقالتي المنشورة على موقع الأوان بعنوان “في الانعتاق السياسي” في باب المثالية، ووصفها بالمفرطة، ورأى أنّ مداخلتي على فكرة “الانعتاق السياسي” تقود إلى الاغتراب، لأنني وصفت الدولة بأنها كائن سياسيّ وأخلاقيّ مجرّد، وشخص اعتباريّ لا يجوز أن يتّصف بأيّ من صفات الفرد الطبيعيّ، واستعرت لها تعريفات مختلفة شكلاً من كارل ماركس (الشاب) خاصّة، أهمّها، أنها “الحياة الأخلاقية للشعب” وأنها تجريد المجتمع المدنيّ، وتجريد كلّ فرد من أفراده. وميَّزتها من السلطة مفهومياً وواقعياً. ولعلّ القول بأنّ شرط الانعتاق السياسي هو انعتاق الدولة من أيّ افتراض مسبق، إثنياً كان هذا الافتراض أم دينياً أم طبقياً، وأنّ جميع افتراضات الدولة افتراضات سياسية خالصة وأخلاقية محضة، هو ما يثير حفيظة القوميين والشيوعيين والإسلاميين، ذوي النزعات الحصرية. وأظنّ أنّ تجريد الدولة من طابعها الطبقيّ المفترض، لدى اليساريين، الذين لا يرون في الدولة سوى “أداة قهر طبقية”، هو أكثر ما استدعى نقد الأستاذ سلامة، وبعض الظنّ إثم.

أجل أيها الصديق العزيز سلامة إنّها مثالية مفرطة، إذا كنت مصرّاً على صفة “مفرطة”؛ وأودّ أن أشكرك مرّتين، بل ثلاثاً: أوّلاً، لأنك شرّفتني بقراءة النصّ موضوع نقاشنا، وثانياً، لأنّك تناولته بالجدّية المعهودة فيك نقداً وتفنيداً، والنقد من أهمّ وظائف الفكر. وأخيراً لأنك مدحتني مدح الصديق المحبّ، حين وصفتني بالمثالية والتصوّف، وليتني أستحقّ مديحك. فأرجو أن يتّسع صدرك لملاحظاتي الآتية:

على الرغم من تحفّظي على مصطلحيْ “المثالية” و”المادية”، وعلى النزعة التصنيفية المستندة إليهما، أذكِّر بقول ماركس المهمّ أنّ التناقض بين “المادّية” والمثالية تناقض مطلق، في المسألة الفلسفية الأولى فقط، أي في مسألة أيّهما أسبق: الوجود أم الوعي، الواقع أم الفكر، ونسبيّ في ما عدا ذلك من المسائل. وأعتقد أنّ الفكر مثاليّ (ميتافيزيقي) بوجه عامّ، سواء في ذلك فكر ماركس أو هيغل أو فكر النجّار أو الحذّاء أو أيّ إنسان. الفكر شكل العالم، في ذهن الفرد، مضمونه صور الأشياء المادية وصور الأحياء .. وخصائصها وسماتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، مضافاً إليها تفضيلات الفرد وانحيازاته وأحكامه الذاتية وعاطفته الشخصية، فالفرد ليس محايداً إزاء العالم ومفرداته. وأذكِّر بتعريف لينين الشهير للمادّة بأنّها مقولة فلسفية …، وبقول إنغلز إنّ المادّة هي المجرّد إلى النهاية، والمجرّد بامتياز.

إذا كان التجريد يعني المثالية، لغة واصطلاحاً، فأهلاً بالمثالية، وأهلاً بالتجريد الرياضيّ، والتجريد الفلسفيّ، وبجميع المفاهيم، الكلّيات المجرّدة، التي هي أدوات الفكر، وبالقوانين العلمية، وبجميع فروع المعرفة البشرية. وأهلاً بمفهوم الإنسان المجرّد، الذي بدونه لا نتوصّل إلى الماهية الإنسانية للفرد المعيَّن، زيد أو عمرو ..، وإلى الكرامة الإنسانية، وتساوي البشر في الحيثية الإنسانية. والصديق سلامة يعلم أنّنا لا نستطيع التعبير عن الفرد المعيّن، من أيّ نوع، إلا بالكلّي المجرّد، والمطلق، فنقول: سقراط إنسان .. المبتدأ (سقراط) الذي يراد تعيينه وتحديده مفرد عيانيّ، أو فرد واقعيّ؛ والخبر (إنسان) كلّي مجرّد، يحيل على النوع، أو على الماهية، الناتجين من تجريد جميع أفراد النوع من صفاتهم وخصائصهم الفردية المختلفة. الإنسانية هي الماهية النوعية، التي تتعيّن في جميع الأفراد بالتساوي؛ فإذا جرّدنا الفرد الإنساني من جميع صفاته وتحديداته ومحمولاته لا يتبقّى منه سوى الإنسان، أما إذا جرّدناه من إنسانيته فلا يتبقّى منه شيء، سوى “الطين”. جميع المفاهيم | الكليات مجرّدات. التجريد هو عمل الفهم والعقل. الفرد هو وحدة المجرّد والمشخّص، أو وحدة الخاصّ والعامّ، أو وحدة الماهية والوجود. التيولوجيون فصلوا الماهية عن الوجود، وقذفوا الأولى إلى السماء، والثاني إلى أسفل سافلين، فكان الاغتراب الدينيّ. فلا أدري ما وجه الاعتراض على الماهية الإنسانية أو على الإنسان المجرّد، هل لأنّ ماركس انتقد فكرة الإنسان المجرّد والحبّ الإنسانيّ عند فويرباخ؟ لم لا يكون ماركس على خطأ في هذه المسألة؟

إذا كان التجريد يعني المثالية نستطيع القول: إنّ جميع المفاهيم | الكليات مثالية، والفكر الذي يعمل بالمفاهيم مثاليّ. الكلمة لا تساوي الشيء؛ الكلمة ليست شيئاً؛ وصور الأشياء في الذهن ليست أشياء مادية. والرياضيات، على هذا القياس، مثالية مفرطة. التفريد والتعميم والتجريد ثلاث لحظات ضرورية بالتساوي في عملية المعرفة العلمية. أمّا التصوّف العقليّ، الذي يلامس تخوم الفلسفة، فهو حاضنة نما فيها الديالكتيك، عندنا وعند غيرنا، منطقاً لوحدة الوجود، في نظر المتصوّفة. (راجع فصوص الحكم لابن عربي، على سبيل المثال).

وليعذرني الصديق سلامة إذا لجأت إلى الأمثلة: فإذا اتّفق عدد معيّن من الأشخاص على إنشاء شركة ما، ينشأ عن اتفاقهم عقد، يتضمّن جميع البنود التي اتّفقوا عليها، وينشأ عن هذا العقد شخص اعتباريّ، هو الشركة (س)، ويظهر اسم هذا الشخص الاعتباريّ، والرمز أو الشعار، الذي يشير إليه، على جميع مطبوعات الشركة ومبانيها، ويسجّل لدى الجهات المختصّة والمصارف والأسواق المالية، ويروّج له بجميع وسائل الدعاية والإعلان. ويكون للشركة مدير ومجلس إدارة وأقسام للمحاسبة والإنتاج والتسويق والعلاقات العامّة … إلخ. المدير هنا هو رئيس الشركة، (لاحظ أهمّية التركيب الإضافيّ)، ومجلس الإدارة هو مجلس إدارة الشركة، المدير يمكن أن يتغيّر، ولكنّ الشركة تبقى، وكذلك مجلس الإدارة. الشركة، بوصفها شخصاً اعتبارياً، هي تعبير عن الإرادة الحرّة للأشخاص الذين اتّفقوا على إنشائها، هذه الإرادة الحرّة تتعيّن في النظام (القانون)، الذي حدّد العقد خطوطه العامّة، ويخضع له جميع العاملين فيها، بمن في ذلك المدير ومجلس الإدارة، اللذين يتّخذان جميع القرارات التنظيمية والإدارية والإنتاجية وغيرها على أساس العقد وفي ضوئه. والغاية من النظام هي تحقيق أهداف الشركة، وحماية مصالح أصحابها وحملة أسهمها، وصون حقوقهم، وفضّ ما ينشب بينهم من خلافات أو نزاعات. الشركة ليست المدير ومجلس الإدارة، وليست المباني والأقسام والفروع والعمال والموظفين والآلات والسلع المنتَجة أو الخدمات، بل هي كيان رمزيّ مجرّد إلى النهاية، يضمّ هذه وأولئك جميعاً، أو يحيل عليها، ونظامها يسري عليهم جميعاً. وقل مثل ذلك في عدد معيّن من الأفراد اتفقوا على تشكيل حزب سياسيّ، فهل الحزب هو أمينه العامّ أو لجنته المركزية أو مكتبه السياسيّ، أو حتى مؤتمره، أم هو شخص اعتباريّ مجرّد إلى النهاية ولا يتّصف بأيّ صفة من صفات الفرد الطبيعيّ؟

الدولة تشبه الشركة، من بعض الوجوه، فهي نتاج عقد اجتماعيّ، سياسيّ وأخلاقيّ، بين أفراد (مواطنين) أحرار، تتعيَّن إرادتهم العامّة في دستور أو نظام عامّ، تضعه هيئة منتخبة من الشعب انتخاباً صحيحاً، وتشتقّ منه، وتسنّ في ضوئه، جميع القوانين، التي لكلّ منها طابع العمومية، حسب موضوعه. الدولة هي الإرادة العامّة، التي تبسط سلطتها بوساطة حكومة (سلطة تنفيذية) وظيفتها تنفيذ القوانين، وإلى جانبها سلطة قضائية وظيفتها فضّ النزاعات. الحكومة تستمدّ سلطتها من الدولة، من قوّة القانون، لا من أشخاصها. لذلك قلنا إنّ الإنسان، الفرد، ليس مادّة للسلطة وليس موضوعاً لها، لأنه فرد في جماعة سياسية هي مصدر السيادة ومصدر جميع السلطات. ومن ثمّ فإنّ سلطة القانون العامّ نوع من سلطة الفرد على ذاته، لأنّه هو من انتخب الهيئة المكلّفة بسنّ القوانين. ومن يطع نفسه يظل حرّاً.

يبدو أننا اعتدنا على واقع أنّ الحزب هو أمينه العام، بشحمه ولحمه، وأنّ الدولة هي رئيسها، بشحمه ولحمه، وأنّ السلطة هي سلطة الحزب أو سلطة الطغمة، لا سلطة القانون. فلا يستقيم لدينا أنّ السلطة التنفيذية، بجميع وزاراتها وهيئاتها ومؤسساتها، ليست الدولة، على الرغم من اختلاف المفهومين، أعني الدولة والسلطة، لغوياً ودلالياً. ولا يستقيم في أذهاننا أنّ السلطة تتغيّر، بالتداول السلميّ، والدولة تبقى، لأننا لا نزال، على ما يبدو، في زمن “الدول المتتابعة”، وهو التعبير الذي يوصف به عصر الانحطاط الطويل في تاريخنا، “الدول” | الطغم التي كلّ واحدة منها تجب ما قبلها. ولا عجب! فنحن لا نعرف بعد ما هي الإرادة العامّة والحقّ العامّ والمصلحة العامّة والعقد الاجتماعي، ولا نعرف أنّ جميع موظّفي الدولة، بمن فيهم رئيس الجمهورية، مستخدمون لدى الشعب، لدى الدولة، يتقاضون بدلات خدمتهم من المال العامّ. فإذا كانت الدولة هي الجابي والشرطيّ ورجل المخابرات، فلا حول ولا قوّة إلا بالله.

لا أغالي إذا قلت استطراداً إنّ الشعوب التي لا تعرف الشركات المساهمة ومؤسسات النفع العام والعمل الطوعي والنقابات الحرّة والأحزاب السياسية، (لا الأحزاب العقائدية)، أو تتوجّس من إنشائها وتكثيرها، تعاني من نقص في معرفة ما هي الدولة، وما هو القانون، وما هي المصالح المشتركة، وما هي علاقات الاعتماد المتبادل بين الفئات الاجتماعية. هذا الاستطراد ليس بعيداً عن فكرة المجتمع المدني، مجتمع الشغل والإنتاج و”صراع الطبقات” والمسرح الواقعي للتاريخ. وإنّ عدم التفريق بين الشخص الاعتباريّ المجرّد والشخص الطبيعيّ هو أساس حلول الحزب في شخص أمينه العام، الذي لا يزيحه عن عرشه سوى الموت، وأساس حلول الدولة في شخص رئيسها، الذي لا يزيحه عن عرشه سوى الموت. ذلك هو أساس شخصنة السلطة، في جميع المستويات، وأساس الاستبداد. وما من شكّ في أنّ الاستبداد الجاثم على صدورنا، تحت شعارات قومية واشتراكية وطبقية هو إهانة للكرامة الإنسانية، وهو ما يؤكد حاجتنا إلى دولة وطنية حديثة، تكون دولة حقّ وقانون لجميع مواطنيها بالتساوي.

أنت محقّ أيها الصديق، مفهوم الدولة عندي مفهوم مجرّد، من طبيعة الله؛ والله، عندي، ظلّ الإنسان على الأرض وارتسامه في السماء. الذين لا يرون سوى الظلّ الكامد والمعتم، كالذين لا يرون سوى الارتسام الوهميّ وهالته النورانية، كلّهم لا يرون الإنسان الفرد | الواقعي والفرد | الإنسان الواقعيّ، ولا يعرفونه، ولا يعترفون به، فالإنسان أشكل عليه الإنسان، كما قال أبو حيان التوحيدي. الإنسان، الفرد، مادّة الدولة، والدولة شكل وجوده السياسيّ والأخلاقيّ، لا شكل وجوده الطبيعيّ، ولا شكل وجوده الاجتماعيّ، ولا شكل وجوده الثقافيّ. الدولة هي الإنسان مموضعاً، فليست خيراً مطلقاً ولا شرّاً مطلقاً، بل هي الإنسان، وقد غدا موضوعياً، بكلّ ما ينطوي عليه من نزعات وتناقضات، وفق شروط حياته الطبيعية والاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية، في زمان ومكان معيّنين.

قد يبدو هذا الكلام ضرباً من “شطح صوفيّ” إذا لم نقف على الفرق النوعيّ بين الفرد الطبيعيّ والمواطن، وإذا لم ندرك أنّ المواطن هو تجريد الفرد الطبيعيّ من جميع صفاته الشخصية ومن جميع تحديداته الذاتية: الإثنية والعشائرية والدينية والمذهبية والطبقية ..، ومن جميع محمولاته، حتى يتساوى مع نظرائه في الحقوق والواجبات، فإنّ جميع الفروق الإثنية والدينية والاجتماعية والفردية وغيرها تحول دون المساواة. الأفراد متساوون أمام القانون بوصفهم مواطنين فقط، وهم أحرار لأنّهم مختلفون .. وإذا لم ندرك، من ثمّ، الفرق النوعيّ بين المجتمع المدنيّ والدولة السياسية، في نطاق الكلية العينية. الفرد الطبيعيّ، بجميع صفاته وخصائصه ومحمولاته، من طبيعة المجتمع المدنيّ، والمواطن من طبيعة الدولة. هذا معنى انعتاق الدولة من أيّ افتراض مسبق، إثنياً كان أم دينياً أم اجتماعياً (طبقياً). الفرد الطبيعيّ هو أساس المجتمع المدنيّ، والمواطن هو أساس الدولة السياسية. مردّ ذلك إلى أنّ لكلّ واحد منّا، نحن الأفراد، حياة خاصّة وشخصية، وحياة عامّة، والدولة هي الشكل الأخير لحياتنا العامّة، والتحديد السياسيّ والأخلاقيّ لكلّ واحد منّا. بموجب هذا التحديد أستطيع أن أقول: أنا سوريّ. فصفة السوريّ لا تحيل على أيّ من تعييناتي الشخصية وتحديداتي الإثنية والدينية والاجتماعية والثقافية، ولا على أيّ من محمولاتي وتفضيلاتي وانحيازاتي. بهذه الصفة، فقط، أتساوى مع غيري من السوريين في الحقوق والواجبات. الدولة، لا السلطة، هي تحديدنا السياسيّ؛ هي من تمنحنا هويّتنا الوطنية. لو أنّ السلطة هي من تمنحنا هوية وطنية لكان كلّ معارض للسلطة معارضاً للوطنية، أي غير وطنيّ، أو خائنا وعميلا، حسب منطق السلطة القائمة عندنا.

إنّ فكرة الكلية العينية، أي وحدة المجتمع المدنيّ والدولة السياسية، التي تتضمّن وحدة الحياة الخاصّة والحياة العامّة للأفراد، هي المدخل الجدليّ لمعرفة الواقع كما هو، وتعيين التخوم أو الحدود بين الحرية الذاتية، بدءاً بحرية كلّ فرد في توجيه حياته الشخصية الوجهة التي يريد، وبين الحرية الموضوعية، التي يعبّر عنها القانون العامّ، الذي يفترض أنه يسري على جميع المواطنين بالتساوي، والذي بدونه لا تكون حياة خاصة آمنة ومستقرّة، ولا تكون حقوق ثابتة، ولا تكون حياة عامّة. الحقوق هي موضوع القانون، والحياة الأخلاقية العامّة هي هدفه وغايته.

التعارض الجدليّ بين الحياة الخاصّة والمصلحة الخاصّة لكلّ فرد، وبين الحياة العامّة والمصلحة العامة للمجتمع، هو ذاته التعارض الجدليّ بين الحرية والقانون، هذا التعارض هو أساس تطوّر القوانين وفق تطوّر الحياة الاجتماعية في مختلف المجالات. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ القانون والعدالة مقولتان مختلفتان، ما يعني أنّ القانون العامّ يمكن أن يكون جائراً على بعض الفئات الاجتماعية، أو يمكن أن يصير كذلك، لأنه تعبير عن نسبة القوى الاجتماعية، في ظروف معطاة. هنا تتجلّى أهمّية مؤسّسات المجتمع المدنيّ، ولا سيما النقابات والأحزاب السياسية، بوصفها الأطر التي تجري فيها التعارضات الاجتماعية (الطبقية) وينبثق منها الكفاح السلميّ من أجل العدالة الاجتماعية. وما الانتخابات الدورية وتداول السلطة سلمياً سوى آليات هذا الكفاح.

لا أشاطر الصديق سلامة قوله إنّ ماركس بنى تصوّره للدولة، وأضيف للدولة السياسية، ثمّ للدولة الديمقراطية، على “الأساس الاقتصاديّ”، لأنّ في هذا اختزالاً لتصوّر ماركس، وهو اختزال قديم، ولا يزال سائداً في بعض الأوساط. بل أدّعي أنّ مقولة “الاقتصاد السياسيّ”، التي كانت الشاغل الرئيس لماركس، مرادفة لمقولة المجتمع المدنيّ، ولا تنحل في “الاقتصاد”، أو في علم الاقتصاد. فنقطة انطلاق ماركس، في كل ما كتبه عن الاقتصاد السياسي، هي الإنسان المعرَّف بالعمل، والغاية التي كان يتطلّع إليها هي تحرير الإنسان من جميع أشكال الاغتراب أو الاستلاب، المقدّسة منها وغير المقدّسة، ولذلك يعدّ في طليعة الإنسانويين.

لا يفوت قارئ كتاب “رأس المال” أن يلاحظ أنّ نقطة انطلاق ماركس في تحليل نمط الإنتاج الرأسماليّ هي السلعة بوصفها وحدة العمل البشريّ وموضوعه، أي تموضع الخصائص النوعية والخصائص الفردية للمنتِج (بكسر التاء) في عناصر الطبيعة المحوّلة سلعةً. وهو أوّل من تحدّث، بعد آدم سميث، عن العمل المجرّد والعمل المشخّص، وعن القيمة الاستهلاكية والقيمة التبادلية، وأرجع هذه الأخيرة إلى العمل المجرّد، لأنّها، أي القيمة التبادلية، لا تظهر إلا في التبادل، أي في السوق، حيث قيمة السلعة تساوي مقدار العمل (المجرّد) المبذول في إنتاجها. السلع تتواجه، في السوق، بوصفها عملاً متبلوراً، يقاس بزمن العمل وإنتاجيته الحدية. فليس من الممكن أن يجري تبادل السلع المختلفة، التي هي نتاج أعمال مشخصة مختلفة، لولا كونها جميعاً نتاج العمل البشريّ المجرّد، الذي يجعلها قابلة للتبادل. هنا يتجلّى الطابع “السّحري” للنقود.

وأعتقد أنّ مقولة التموضع أو الاغتراب أو الاستلاب، هي البذرة التي تحمل شجرة الديالكتيك، وتقتضي مفهوم البراكسيس، أي الممارسة العملية. من دون استيعابها وفهمها لا يمكن فهم ماركس. إنّ تعريف رأس المال بأنّه فائض القيمة أو القيمة الزائدة، وبأنّه عمل بشريّ متراكم، خير دليل على ذلك. فكيف نقبل بتعريف رأس المال، على هذا النحو، ولا نقبل بتعريف الدولة بأنّها تجريد المجتمع المدني وتجريد كلّ فرد من أفراده؟ مفهوم القيمة، كمفهوم الدولة، مجرّد إلى النهاية. الإنسان، الفرد والنوع، منتج للقيم المادية والروحية على السواء.

ولكنّ عملية الإنتاج الاجتماعي لا تجري إلا في إطار مجتمع معيّن وظروف معطاة، وتنطوي، حسب ماركس، على الإنتاج والاستهلاك والتبادل والتداول، وهذان الأخيران لا يقتصران على تبادل السلع “المادية” وتداولها، بل يتعدّيان ذلك إلى تبادل القيم، بوصفها عملاً مجرّداً، وتبادل المعارف والخبرات والقيم الثقافية والأخلاقية وتداولها، في إطار المجتمع المعني، وبين المجتمعات المختلفة.

فمن المعروف أن الإنسان لا ينتج سلعاً وأدوات وخدمات فقط، بل إنه حين يفعل ذلك ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ، وينتج أشكال وجوده علاقات اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية، وبنى ومؤسسات. والدولة هي شكل وجوده السياسي والأخلاقي. العمل البشري والإنتاج الاجتماعي، المادي والروحي على السواء، وبالتلازم الضروري، هما أساس المجتمع المدني والدولة، عند ماركس، لا الاقتصاد. الإنسان المعرف بالعمل هو أساس المجتمع المدني والدولة، لا الاقتصاد. الاقتصاد تابع للإنسان لا العكس.

النزعة الاقتصادوية، التي تنسب نفسها إلى الماركسية وإلى “المادية التاريخية” تضع الاقتصاد فوق الإنسان، وتخفض الإنسان إلى موضوع للقوى الاقتصادية وإلى موضوع للسلطة، سواء كانت سلطة رأس المال أو سلطة دكتاتورية البروليتاريا، غير عابئة بواقع التموضع والاغتراب، الذي أفضى إلى تقدّم مذهل في قوى الإنتاج، وتحسّن مطّرد في نوعية الحياة، وأفضى أيضاً إلى صنمية السلعة وصنمية السلطة وتشييء الإنسان.

أجل يا صديقي أنا أعيد ماركس إلى أصوله الهيغلية الراسخة في ذروة إبداعه الفكري، أي في كتاب “رأس المال”، غير المقروء عندنا إلا ما قلّ وندر. وأعتقد أنّ ماركس من نسل هيغل الفكريّ المتنوّع، مع شيء من حماقة ثورية، ذروتها دكتاتورية البروليتاريا سيّئة الصّيت واقعياً ومفهومياً. ولو كلّف أحدنا نفسه عناء المقارنة بين مخطوطات 1844 أو غيرها، مما ينسب إلى ماركس الشابّ وبين كتاب “رأس المال،” لماركس “الناضج”، لتأكّد من صحة ما أدّعي. ولا تنس أنّ البيان الشيوعيّ، إنجيل الشيوعيين العرب وقرآنهم، هو من كتابات ماركس الشابّ.

أنا سعيد لأنّ لي عينين اثنتين: يسرى ويمنى، أنظر بهما معاً، وأذنين اثنتين: يسرى ويمنى، أسمع بهما معاً.

{{تقرؤون في هذا النقاش:}}
[سلامة كيلة:المثالية المفرطة – حول الانعتاق السياسي المفضي إلى الاغتراب->http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%B1%D8%B7%D8%A9.html]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق