أحذية ودماء مفقودة

لا زلت اذكر تلك الليلة، كان سفر أبي الأوّل نحو الخليج، مطر خفيف داعب زجاج النوافذ المثبتة بالمسامير ونحن نرقب القادمين إلينا تباعا، لم يكن الضوء آنذاك صامتا بل رافق هدير (اللكس) الأغنيات التي أعدّها أبناء عمومتي وأقرباؤنا لوداع أبي، وغالبا ما كانت من محفوظات كتبهم المدرسية …

لم يعن لي سفر أبي ذاك الشيء الكثير، بقدر ما أذهل طفولتي العدد الهائل من الأحذية التي تراكمت أمام المضافة ( بالمناسبة لم يكن لدينا مضافة بالمعنى الحرفي للكلمة)، آنذاك رحت وأخي الأصغر نعدّ الأحذية حين اكتشفنا بأنّنا عاجزان عن ذلك، لأنّ أرقام العدّ التي كنّا نصل إليها كانت دائما تتجاوز العشرة، وهو الرقم الذي لم نكن قادرين على تجاوزه آنذاك، وفي كل مرّة كنّا نعيد العدّ من البداية لنتعرّف عدد الأشخاص الذين يعقدون خلف ذلك الباب مجلس سمرهم، لكننا كنا نخفق حتى بعد أن حاولنا تقسيم الأحذية إلى مجموعات من العشرات .

يومها لم يكن ثمّة فوارق كثيرة بين الأحذية من ناحية الصناعة، إذ غالبا ما كانت تصنع من موادّ بلاستيكية وتبطن ببعض أنواع الأقمشة المتينة، لكني وأخي اكتشفنا يومها أنّ هنالك فوارق لا تحصى بين الأحذية متجاوزين موضوع الأحجام، رحنا نصنّف الناس من خلال أحذيتهم، ونتوقّع أصحابها من خلال ما علق بها من الطين أو من خلال نظافتها أو القشّ الملتصق على حوافها، واستنتجنا أنّ ثمّة أحذية بشعة لأناس لم نحبّهم، وأخرى جميلة لأنّنا كنا نحبّ أصحابها .

آنذاك دهمت الأحذية وعينا .

عندما كبرت ودخلت المدرسة وعرفت أعدادا تزيد عن العشرة أهّلتني لعدّ تلك الأحذية، وجدت نفسي مأسورا لحادثة لن تتكرر أبدا، كان أبي قد أوغل في الغياب، رعتنا أمّي بعد ذلك، غياب أبي جعل الله حاضرا على لسان أمّي، أمّي جعلتني اكتشف الله، لقد عرفته في الأحذية الملقاة في العتبة أكثر ممّا عرفته في كتب الدين في المدرسة، كانت أمّي تصرخ عندما نترك أحذيتنا مقلوبة باتّجاه الأعلى، لقد عرفت حينها أنّ الله موجود في الأعلى وأنّه لا يطيق أسفل حذاء موجّها إليه .

فيما بعد، ودون أن أعرف السبب، وجدت نفسي وقد كتبت فصلا من روايتي معاطف البدايات بعنوان أحذية ” أحذية ودماء مفقودة “. لقد اكتشف البطل الذي كان جنديا يمتلك هواية خاصة غير مسبوقة ومضنية وهي جمع أحذية الشهداء، أنّ الموتى يتشابهون وبسبب تلك الأحذية توصّل إلى أنّه ما من فوارق بين موتى الأعداء والأصدقاء. لقد استطاعت الأحذية في الفصل المذكور أن توحّد بين بني البشر، وأن تعمّق رؤية الكائن البشريّ الذي يكمن ضعفه هناك.. في الموت. لقد أطلق البطل اسم الشهداء على موتى الأعداء أيضا، ثمّ ومنذ وقت قصير قرأت مقالة مترجمة عن مجلة ناشيونال جيوغرافيك في مجلة الآداب العالمية في عددها الصادر ( مارس ـ ابريل ) 2009

(نحن نرتدي قلوبنا على أقدامنا، إنّ الأحذية هي أفضل المؤشّرات على ما يمرّ به الناس من حالات شعورية، حسب ما تقول (جون سوان) المتخصّصة في تاريخ الأحذية، عندما نستمع إلى (سوان) وهي تروي تفاصيل ذلك التاريخ، يمكنك أن ترسم صورة ذهنية لازدهار الاقتصاد وكساده من خلال ارتفاع كعب أحد الأحذية، أن تسمع قعقعات الحرب القادمة من الزمن البعيد عندما ترى مقدّمة حذاء ما، وأن نقيس مدى ما حدث من تحوّل اجتماعي من خلال سمك النعل )

بهذه المقدّمة الجميلة تفتتح (كاثي نيومان) مقالها الطويل المعنون (كلّ حذاء يروي قصة)، ما الذي يعنيه ذلك ؟ وإن كانت هذه وجهة نظر اقتصادية إلى حدّ ما مرتبطة بالسوق وتقليعات الموضة؛ هل يمكن أن يكون لهذا الموضوع جملة من الملامح العامّة التي تربط الأجزاء الصغيرة التي نلحظها هنا وهناك مع بعضها لتبلغ ظاهرة ما في الأدب؟ وهل إنّ تواتر الأشياء على العموم، والأحذية على الخصوص، يجعل من أشياء الإنسان المهملة وغير ذات القيمة، على قدر من الأهمية؟

عندما شاهدت فيلم (ساعي البريد )( كيفن كوستنر ) الذي يعيد للرسالة بوصفها المادي والمعنوي قيمها الروحية وقدرتها الفائقة على ترميم ما هدرنا من تفاصيل شاعرية في حياتنا اليومية، هذا الشيء الذي أهملناه في غمرة امتداد التكنولوجيا في عمق أرواحنا، بقي عالقا في ذاكرتي وجعلني أنتبه دائما إلى الأشياء التي لا نوليها أيّ اهتمام في حياتنا اليومية .

هل من جمال ما إذا، في عالم الأحذية…

رغم ارتباط الحذاء لدينا دائما بالبشاعة وارتكاسه في عقولنا دائما كحالة دونية (يمكن تذكّر الخلاف الذي نشأ بين الأمين والمأمون على حمل حذاء الكسائي )، فإنّني سأجرؤ وأنتقل إلى سؤال ربّما يؤسّس على ما سبق: هل ثمّة رابط بين الكتابات والقصص والقصائد التي قيلت في الأحذية حتى تغدو سمة ما لأدب ما كأدب السجون مثلا، كأن نقول إنّ ثمّة أدبا ما يمكن أن نسمّيه ( أدب الأحذية)، أو بمعنى آخر؛ هل هناك جملة من المحددات الفكرية والفنية يمكن الارتهان لها في هذا الشأن.. شخصيا لا أعتقد ذلك على الأقلّ حتى الآن، وما سأقدّمه لا يجيب عن تساؤل كهذا بقدر ما يحاول أن يلفت النظر إلى تواتر الأحذية في الأدب والفنّ إلى حدّ ما، ويؤسس لحوار ما بهذا الشأن. أي إنني لن أقدّم أكثر من مقدّمة لولوج هذا الموضوع .

إننا لا نشعر بقيمة أشيائنا روحيا إلا إذا كانت هناك مشكلة تعتريها، تماما كيد الإنسان… لا أحد يشعر بقيمة وجودها أثناء الاستخدام الحياتي اليومي لها إلا إذا جرحت أو أصابها خلل ما.

إذا يبدو من الطبيعي الآن إن تخيّلنا عالما بلا أحذية، أن نكتشف سريعا كيف تدخل الأحذية في تركيبة حياتنا اليومية المادية؛ لأننا لا نتخيّل اليوم أحدا يمشي حافيا أو دون حاجة لحذاء. أو الروحية حتى؛ فمن أحذية الأطفال المعلّقة على السيارات والجرّارات، إلى البيوت القديمة في أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة، التي غالبا ما تحفل سقوفها المصنوعة من القشّ بأحذية قديمة كتميمة خير، مرورا بالأحذية التي يرفض أهلنا أن نتركها مقلوبة في مداخل البيوت، وانتهاء برشّ الملح في حذاء الضيف ثقيل الظلّ كي يغادر سريعا في الموروث الشعبي الكردي، نجد أنّ ثقافة الشعوب الاجتماعية تحفل بعوالم من الأحذية، ابتداء من أوّل نعل احتذاه الإنسان من ألياف لحاء أغصان “الأفسنتبن” والذي عثر عليه في كهف فورت روك بوسط “اوريغون ” 1938، ويعود تاريخه إلى 10500 سنه مضت، إلى أحدث صرعات الموضة تطلع علينا بها دور الأزياء ومصنّعو الأحذية وخاصة المصنعون الايطاليون الذين برعوا وتفوّقوا بهذه الصناعة. ومن المصادفات العجيبة أنّ ايطاليا البلد الوحيد في العالم الذي يتبدّى شكل خارطته على شكل حذاء .

“الحذاء هو المسرح … الأحذية تحوّلك إلى شخص آخر. لا يمكنك أن تكوني امرأة مسيطرة وفي قدميك حذاء رياضي خفيف، إذا كنت تلبسين حذاء عالي الكعبين فإنّك تتألّمين، وبذلك تجعلين شخصا ما يدفع الثمن “.

هكذا تصرّح (ناتاشا مارو) إحدى صانعات الأحذية الغريبة ذات الرقبة العالية .

ربما يثير تصريح (ناتشا مارو) بعض الاستهجان، ولكني اعتقد أنّ مردّ ذلك بالنسبة للنساء بالتحديد أنّهن ( النساء ) يمتلكن القدرة دائما على منح ممتلكاتهنّ الاستهلاكية على العموم، والأحذية على الأخصّ قيمة عاطفية يردن دائما نقلها إلى محيطهنّ القريب.

لقد قال( مكسيم غوركي) قبيل انتصار الاشتراكية في روسيا : إنّ زوجا من الأحذية ذات الرقبة يقدّم خدمة لتحقيق الانتصار النهائي للاشتراكية أكثر مما تقدّمه العيون السود ). لا أعتقد أنّ( غوركي ) هنا كان يؤسّس لموقف فنّي وجماليّ من العالم ـ رغم أنّ جملته هذه تلخّص إلى حدّ ما مذهب الواقعية الاشتراكية ـ بل إنّه هنا يعبّر عن موقف سياسي، مرتهن لشروط المرحلة التي كوّنت ملامح أدبه فيما بعد، ومهما بدا كلام (غوركي) غريبا بعض الشيء فإنّه لا يقارن بتصريح (جوزفين) زوجة نابليون التي كانت تعتبر حذاء زوجها رمزا لكرامة وطنها. وثمّة معلومة تقول إنّ (ايميلدا ماركوس ) زوجة دكتاتور الفلبين كانت تمتلك أكثر من ثلاثة آلاف زوج من الأحذية “أي ما يكفي لإكساء أقدام قرية صغيرة مثل ذيبين ” وفي العقد السادس من القرن العشرين وقف الرئيس السوفيتي( نيكيتا خرتشوف) بعد أن خلع حذاءه وضرب به على المنصّة في الجمعية العامة للأمم المتحدة أمامه مهدّدا الدول الامبريالية ومعبّرا عن سخطه من تسلّطها، ولعلّ أشهر ضحيّة سياسية للنعال في التاريخ هي (شجرة الدرّ) حيث قتلت بالأحذية الخشبية(القباقيب) انتقاما لعزّ الدين أيبك الذي اغتاله أنصارها بإيعاز منها.

ويروي (البرتو مانغويل)في كتابه (تاريخ القراءة) نقلاً عن (بورخيس) حكاية المظاهرات الشعبوية التي نظمتها حكومة بيرون عام 1950 في الأرجنتين ضدّ المثقفين المناوئين للحكم، وكان المتظاهرون يهتفون خلالها “أحذية نعم كتب لا “، أمّا الهتاف المقابل فكان “أحذية نعم، كتب نعم”. فكان الواقع القاسي الذي تمثله الأحذية آنذاك يقابله عالم الأحلام الخياليّ للكتب، وهو ما حاولت أن تمرّره الحكومة آنذاك بتأجيج نار التناقضات المصطنعة بين القراءة والحياة .

لكن الأحذية راحت، فيما يبدو، تظهر رويدا في القصص والروايات لتعبّر عن موقف شبيه كإسقاط لمفاهيم سياسية متباينة، استعمل جاك لندن العقب الحديدية في رواية تحمل نفس الاسم ليدلّل على البلوتوقراطية التي تدوس الطبقات الكادحة بأعقاب أحذيتها الحديدية، وربّما كان حذاء سندريلا أوّل حذاء ظهر في الأدب، وإن لم يكن كذلك فإنّه الأشهر دون ريب، ربّما لأنه لم يحمل أبدا معنى الدونية بل كان حذاء جالبا للحظّ والسعادة، بعد أن استطاع الأمير التعرّف إليها من خلال ذلك الحذاء .

يتخذ سمير الفيل ( كاتب مصري ) موقفا مناصرا للأحذية في مجموعته القصصية ( صندل أحمر)، إذ انه يقول في الإهداء( إلى الجزم والصنادل … إلى النعال والشباشب والكعب كباية ). إنّه يعتبر الأحذية جلودا لكائنات حيّة أجبرت على التنازل عن حياتها حتى تساعدنا نحن في الاستمرار ومواصلة الحياة باستخدامها.

ثمّة صدم للوعي إن(جاز التعبير، ومحاولة لخلق وعي جديد من زاوية رؤيتنا للأشياء وخاصة إذا بدت غاية في السطحية ومرتهنة لمعطيات الواقع الاجتماعي، وهي زاوية يتّخذ منها على العموم د خريستو نجم في كتابه الصادر في بيروت مطلع 2008 بعنوان رمزية القدم والحذاء في الأدب والفن :

يرى الدكتور نجم أنّ الأبعاد النفسية للقدم والحذاء في علاقتهما المتعدّدة والمتنوعة، تختلف باختلاف الأنماط النفسية التي يتّصف بها كلّ من الذكر والأنثى: السادية المازوشية ومن خلال منهجه الذي يتكئ على نظريات علم النفس، يرى الباحّث “خريستو نجم” أنّ ثمة ثنائية جدلية تنقل قدم الأنثى بين حقلي المقدس والمدنّس، فأقدام تماثيل الآلهات في الأساطير اليونانية والرومانية وعند الألمان فيما بعد كانت مغطّاة حفاظاً على طهارتهنّ. كما انتقدت محاكم التفتيش الفنان (موريّو) لأنَّه صوّر العذراء في لوحات تظهر قدميها. كما كانت بعض اللوحات الفنية في أسبانيا تعرض نساء عاريات ألبست أقدامهنّ جوارب وأحذية. في حين نشهد في أوبرا “لفاغنر” أنّ تقبيل القدم يرمز إلى المقدّس والمدنّس في الوقت نفسه. ويخلص الكاتب إلى أنّ القدم ليست واحدة في كلّ مسعى، من خلال شواهد مستفيضة من قصائد جميل بثينة، وأحمد شوقي، و نزار قباني، وإلياس أبي شبكة

.
يفصّل الكاتب في العلاقة بين القدم والحذاء، باعتبار الحذاء مكانا لسجن القدم، فرضته الحضارة الراهنة، ولكنّه من جهة أخرى مثير للرغبة، وأداة للسلطة القاهرة، ويذكّر الكاتب بمشية جنود هتلر المسمّاة خطوة الإوزّ، والتي تحدثها جزماتهم المرصّعة بالمسامير، فتنشر الرعب في أرجاء البلاد، مستشهدًا بقول الجنرال باتون: إنّ جنديًا يرتدي حذاءً هو مجرّد جنديّ، ولكنّه مع جزمة الماشو فهو محارب. وهو غطاء للحقيقة أيضًا لأنّ صانعي الأحذية قلّما هندسوا بضاعتهم على قياس الأقدام.
ولهذا يختار الناس ما يرضي مزاجهم لا ما يناسب أقدامهم، ولكنّ الحذاء لا يكشف عن حقيقة الطبع إلا بالتحليل النفسي الدقيق. وهو أيضًا رمز للمسير والسفر والترحال التي ترمز جميعها إلى الموت، وهذا يفسّر بعض التقاليد الغربية التي تقضي بعرض حذاء الميّت بجانب سريره كونه في وضعية الغياب الأبديّ.
من خلال تفكيك دلالة “باشا” ذات الأصل الفارسي، با: حذاء، شاه: ملك، يوضّح الكاتب علاقة جديدة بين القدم والحذاء، علاقة صعود دنيء بتعالٍ متجبّر، فالباشا لقب يناله العظماء بعد أن تتقدّم إحدى الجواري وترفع القدم الشاهانية وتلفّها على رأس الزائر العظيم، وبعد دقيقة أو نصف دقيقة، تعود الجارية وترفع قدم السلطان عن رأس الزائر العظيم. ويعزو الكاتب إلى ذلك نعت مجالس “الباشاوات” في بعض مراحل التاريخ العثمانيّ بمجلس “الأقدام” أو مجلس “الأرجل”.
ويشير الدكتور “خريستو نجم” إلى أنّ وضعية الإنسان العمودية خلافًا للحيوانات هي وضعية فريدة، ممّا جعل للقدم فضلاً في مضاعفة حجم الدماغ، وفي غنى الحياة الجنسية أيضًا، ذلك أنّ الوقوف على قدمين قلّل من شأن الإثارة الشمّية وعوّضها بأهمّية النظر إلى الآخر، حيث لم تعد الإثارة خاضعة لزمن محدّد.
ويختلف الدكتور “خريستو نجم” مع التيّار الإعلامي السائد في تعظيم هذا الحذاء الذكوريّ، ويكشف أن الحذاء الأنثويّ كان هو الذي يلعب دور البطولة على مسرح التاريخ. يقول: منذ 2500سنة، أي في زمن كونفوشيوس كان الصينيون يعشقون القدم المقمّطة، وقدم اللوتس التي تثير الغرائز بمشيتها الطرية كطراوة الأعشاب، حتى أنّ العفّة انحصرت يومئذ عند بنات الصين في أقدامهنّ الملجومة، فحماية أقدامهن الصغيرة من أعين الرجال تعكس طهارة المرأة الصينية، وذلك أنّ العفاف قضيّة أعراف وتقاليد.
وبعد هذا التفسير للحذاء الصينيّ الشهير ينتقل إلى حكاية الملكة الإسبانية “إيزابيلا” التي سقطت يومًا عن حصانها خلال احتفال رسميّ، وصادف أن علقت رجلها بسرج الحصان الذي راح يركض مذعورًا، والملكة تجرُّ على الأرض أمام العسكريين والجماهير. والغريب أنّ أحدًا لم يجرؤ على الإسراع لإنقاذها، فمساعدتها تقتضي لمس قدمها وهذا يعدّ تجديفًا كبيرًا بنظرهم، إلى أن تحرّك أخيرًا ضابط شابّ أذهله الموقف، فركض وأوقف الحصان وأنقذ الملكة، وكانت مكافأته السجن في أحد الأديرة، تكفيرًا عن فعلته في انتظار الغفران الملكي.

وينتهي الدكتور “خريستو نجم” إلى نتيجة ربّما يتفق كثيرون معه فيها، وهي أنّ الحذاء يتعب صاحبه، فمنذ القديم والمرأة تسعى وراء الحذاء الأجمل، غير مهتمّة بمدى ارتياحها أو انزعاجها. لذلك وصفت قدم “اليزابيث تايلور” دائمًا بالمتورّمة، فالحذاء الذي انتعله الإنسان منذ بدء التاريخ لم يكن مريحًا للقدم، وآية ذلك أنّ القدم اليمنى والقدم اليسرى كانتا سواء في الشكل عند الأمريكيين، ولم يميّز هؤلاء بين الاثنتين إلا بعد الحرب الأهلية، والقدمان غالبًا ما اختلفتا حجمًا، ولكنّ الأحذية لا تراعي هذا الاختلاف.
يذهب الكاتب في النهاية إلى أنّ القدم تتجاوز اليد في قدرتها على التعبير، من خلال تمثّله بأعمال فنّية لأنجلو، ورينوار، وغيرهما ممّن ملئوا لوحاتهم برسوم الأقدام الموحية.

اعتقد، على عكس ما يعتقد د نجم، أنّ الأحذية نوع من الترفية للقدم وحماية لها بنفس الآن، وأعتقد أنّه لذلك السبب تسمّى أحذية مانولو بلا، ناهيك بأحذية الليموزين التي تحمل بدورها الرمز المتناهي للرفاهية، بالإضافة إلى أنّني اعتقد بأنّ الأحذية قد ساعدت بشكل أو آخر الإنسان على الاستمرار بالوقوف وتحرير يديه حتى أخذ شكله العموديّ وأصبح قادرا على النظر إلى النجوم.

ثمّ إنّ الدكتور نجم يعالج موضوع الأحذية والأقدام من جانبها الرمزيّ دون الوقوف على حضورها القيمي في حياتنا، والمعروف أنّ أحكام القيمة ذات طابع شخصيّ يصدرها الفرد على الأشياء بناء على حاجته إليها أو منفعتها، أو ما تلبّي لديه من ميول ورغبات .. لكنّها شيئا فشيئا وكما يشير (د عابد الجابري في العقل الأخلاقي العربي) تتموضع في الحياة الاجتماعية، وتصبح ذات طابع اجتماعيّ، أي أنها تنتقل من المجال السيكولوجي إلى المجال الاجتماعي حتى يصبح للمجتمع الدور الأكبر في تحديد القيم وترتيب أولوياتها، والذي يمكن أن يقال هنا في موضوع رمزية القدم والحذاء هو فحص أو رصد حضور وغياب نظم القيم من خلال حضور وغياب معايير السلوك السلطوي ( الفردي عمليا ) المتمثّلة في عمل د نجم في تفكيك دلالة كلمة باشا، والتي اعتقد بأنّها ربما هي ما أعطى مفهوم الدونية للحذاء على نطاق اجتماعي واسع .

لقد لاحظت أنّ الأدب والفن حاولا الانفكاك دائما من نظم القيم السالفة الذكر، وهو ما يعطي لمفهوم الإبداع سمة وجودة الأساسية .

في رسالته المؤلمة والحزينة لأخيه ثيو يقول فنسنت فان غوغ :

” في قلب المأساة ثمّة خطوط من البهجة أريد لألواني أن تظهرها، في حقول “الغربان” وسنابل القمح بأعناقها الملوية. وحتى “حذاء الفلاح” الذي يرشح بؤساً ثمّة فرح ما أريد أن أقبض عليه بواسطة اللون والحركة… للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة وعين الفنان لا تخطئ ذلك.”
لقد استطاع الكثير من الكتاب والشعراء والنقاد كشط اليوميّ والمبتذل عن أشياء حياتنا العادية محاولين اكتشاف ما هو أعمق فيها، وإذا كانت الأحذية قد أخذت الجانب القبيح من حياتنا فهل تصلح حقّا مقولة فان غوغ لاكتشاف الجانب الجمالي فيها، في الأدب والفنّ يمكن النظر لتواتر الأحذية من جانبين، الأوّل : استخدام الحذاء كقيمة جمالية بحدّ ذاته

الثاني : بصفته أداة للتدليل على رمزيته وفق المنظور الاجتماعي

والسياسي الذي يحمله الكاتب

وبذلك فإنّ الأحذية لا تمتلك أدبيا صفة استعمالية بقدر ما تملك صفات دلالية وإيحائية، وحتى عندما ننظر لبعض الأحذية التي استخدمت في الفنّ التشكيلي كطبيعة صامتة ( لوحات يوسف عبدلكي )، فإنّها تخرج عن صمتها وتمتلك قوّة تعبيرية ترفع موضوعها أكثر من مجرّد استعراض مقدرات هذا الفنان أو ذاك إلى قيمها.

لقد استطاع ( وليام سيدني بورتر ) ( 1862ـ 1910 ) والذي نشر قصصه دائما تحت اسم أو هنري من خلال قصته (أحذية) أن ينتقد وبشدّة النزوع الإنساني نحو الاستهلاك، وأن يرصد الطرق التي تتّخذ عادة في خلق الحاجة الملحّة للطلب في حال لم تتوافر السوق الملائمة. وبقالبه الفنّي المعروف وبترجمة إلى العربية أقلّ ما توصف به أنّها ترجمة غير مسؤولة، يتحدّث في القصّة المذكورة عن شخصين هما جوني قنصل الولايات المتحدة في منطقة استوائية بمدينة تدعى كولاريو، وبيلي كيوغ صديق الأوّل والذي ينفّذ الكثير من أعمال القنصل الكسول، حيث تصلهم رسائل استفسار من الولايات عن المناخ والمحاصيل وفرص العمل وإحصائيات البلاد. ثمّ إنّ بيلي كيوغ يتكفّل بالردّ على إحداها قادمة من وايلسبيرغ تحمل استفسارا عن تجارة الأحذية في تلك الأنحاء. وحيث أنّ العدد الذي ينتعل الأحذية في تلك المنطقة لا يتجاوز العشرة فيردّ على الرسالة بمزحة بأنّ تجارة الأحذية هي ما سوف يحقّق الأرباح الطائلة، لكنّه لن يعرف ما الذي ستسبّبه هذه المزحة إلا عندما يفاجأ بشحنة الأحذية التي وصلت إلى كولاريو، فيعمد لتلافي ذلك إلى استجرار شحنات من الصبار كان ينثر أشواكها ليلا حتى يهرع السكان نهارا طالبين الأحذية، لقد تمّ خلق الحاجة لدى السكان الأصليين، فازدهرت تجارة الأحذية. ثم حلت اللعبة؛ فتكرّر ذلك في مدن ومناطق أخرى .

على ما تبدو به القصة من عادية إلا أنها تحمل ـ من وجهة نظري ـ سخرية حادّة من النزوع الإنسانيّ نحو الاستهلاك كما أسلفنا، وخلق النزعة الاستهلاكية في المجتمعات الفقيرة من قبل المجتمعات الغنية. لقد ساعدت الأحذية الكاتب في اكتشاف التقنية التي صبّ فيها أفكاره وذلك بما يتناسب مع الفنيات التي درجت عليها قصصه ذات الطابع الساخر والأليم في آن معا .

الشتاء الفائت، وفي بيت أحد الأصدقاء كانت ابنته الصغيرة قد احتذت حذاء زوجتي ذا الساق الطويل (جزمة) وراحت تتبختر به وسط انزعاج أمّها وخوفها عليها، وأمضينا بقيّة السهرة ونحن نتابع الفتاة التي رفضت خلع الجزمة وأمّها التي انهالت عليها ولك يقصف عمرك بتوقعي بنفك رقبتك ) ( ولك اقعدي ) (ولك تركي هالسايبي) لكن دون جدوى. حينها فكّرت لماذا أوّل ما تفكّر به الفتيات بتقليد الكبار ارتداء أحذيتهنّ .. وما الذي يغريهنّ في الأحذية دون غيرها حتى تسارعن إلى الضيوف قبل ولوجهم البيت في أحيان كثيرة لرؤية الأحذية وانتعالها؟ لكني لم أجد إجابة على سؤالي. وعندما قرأت قصّة لعناق مواسي وهي كاتبة فلسطينية من عرب 48 بعنوان 42 استبشرت خيرا تقول الكاتبة في مطلع قصتها :

( لم يكن يشدّني أيّ شيء في صغري، في زيارة لاتهمّني كثيراً سوى…… الأحذية!!!
كنت أجمعُ أحذية النساء القادمات إلينا وأتظاهرُ بأنني أرتّبُ البيت، خلسةً كنت انتعل ذات الكعب العالي… أرفع تنورتي لفوق ركبتي أستديرُ أمام المرآة الطويلة أقف متعامدةً مع الضوء، ارجع ظهري إلى الوراء، أحبس أنفاسي، أشدُ عضلات بطني، أدفع صدري نحوَ الأفق، وأسند يدي على خاصرتي وتنوري معلقة على مشجب أصابعي، أتطاول بعنقٍ باسق وأتمتع بمنظر سيقاني الطويلة…. ويا أرض اهتزي…
وأنا أتفتلُ بالكعب العالي، جواز سفرٍ إلى عالم سيدات راقيات…
يااااااااااه … سعادة كانت تدغدغ أرجلي، إحساسٌ آتٍ من عالم رفيع، ذاك الذي يبدأ بالكعب العالي ولا أعرف أين يمكن أن ينتهي…
لعبة الأحذية هذه كانت ممتعة بالنسبة لي وقدوم الضيوف إلينا كان فرصة ذهبية لاكتشاف أنواع أخرى من أسرارٍ تختبئ في الأحذية )

إلا أنّ القصة كان لها اتّجاه آخر، فبطلة القصة التي كانت تمتلك رجلين كبيرتين تحاول البحث عن أحذية تناسب مقاسهما لتصل في النهاية إلى نتيجة

“فهن ضيقات في أحذية واسعة وأنا أخنقُ وسعي في أحذية ضيقة…… صوبتُ نظري إليها… فإذا بها امرأة تافهة… فرمقتها من خلف كتفي وقلتُ وأنا أغادر:
“سأتركه لكِ ..فأنا لا التفتُ إلى الأشياء الضيقة… ”

على ذكر الضيق والاتساع، ثمّة لقطة جميلة ومعبّرة في رواية ( القوقعة) ( دار الآداب 2008) للروائي ( خليفة )

يقول في ص 330 من الرواية: بعد ثلاثة عشر عاما في السجن الصحراوي ثمّ الجبلي وقبل ذلك في سجون وفروع لم يعرف اسمها، بلغوه أنّ لديه زيارة، انشغل زملاؤه في السجن الجبلي في تجهيزه كي يظهر بمظهر لائق أمام زائره المجهول، بعد ثلاثة عشر عاما، أخيرا عرفوا أين هو. حلق ذقنه وهندم شاربيه ولبس بنطال وقميص ثم الحذاء ” سألوني عن نمرة حذائي واتوني بنمرة 42 بناء على طلبي، لكنه كان صغيرا ولم تدخل قدمي إلا في حذاء نمرة 44 لقد كبرت قدمي نمرتين، كانت هذه المرة الأولى التي لبست فيها حذاء منذ 13 عاما مثل الفترة التي أرى فيها مرآة طوال المدة نفسها .

ما الذي تجترحه الأحذية في كلّ هذا وكيف تستطيع أن تحمل كلّ هذه الطاقات التعبيرية لدى الكتاب :

في قصة معروفة للقاص السوري سعيد حورانية ( 1927 ـ 1994) بعنوان الصندوق النحاسي لا تبلغ القصة ذروة أثرها الإنساني الحزين والمبكي دون اللقطة الأخيرة المتمثلة في اكتشاف الراوي الحذاء الصغير في الصندوق آنف الذكر : ” لم يكن في الصندوق سوى صورة لشاب يشبهني وشيء آخر وغصصت بريقي… حذاء صغير وسخ هو نفس الحذاء الذي كنت ضربتها به في إحدى ثورات غضبي”

وتستفيد القاصة والروائية سمر يزبك في حكي منامات ( دار المدى 2007) ( حذاء للرقص ) من الصندوق ذاته لتجعله صندوقا يفيض بأنهار من الأحذية الراقصة وتعرج على أسطورة الحذاء الراقص فتسمع الراوية صوتا يخاطبها إذا حصلت على حذاء الرقص هذا فإنّه سيخرّب حياتك ولن يكون بإمكانك التوقف عن الرقص حتى الموت .. وأنت ستصيرين هباء بلا وجود .

ـ وليكن تجيب الراوية أريد الحصول عليه

ثم بطريقة حلمية فعلا تصبح الراقصة داخل الحكاية وتذوب التفاصيل وتجد نفسها خارج الأمكنة ليتحول الصندوق أخيرا إلى تابوت ” حذاء الرقص الأحمر معلق بهيكل عظمي يطرطق من شدة ريح تلعب في قعر الصندوق. لكن الأمور لن تكون على هذا النحو عند الروائي الجزائري واسيني الأعرج ففي رواية ذات لغة شاعرية بعنوان ( وقع الأحذية الخشنة ) وتشبه إلى حد ما ( العقب الحديدية ) لأنها تنتقد البرجوازيات الصغيرة في مدينة لا نعرف اسمها من خلال الضغط النفسي و حالة التلاشي التي يعيشها الراوي من خلال الوقع الرتيب الغامض للأحذية الخشنة كما يصر على تسميتها حتى آخر أنفاس العمل والتي هي في النهاية وقع أحذية هذه البرجوازيات التي امتدت إلى السلطة السياسية من خلال العسكر يقول ” رضعت من ثدي أمّ أذبله العسكر والمارة الغامضون وذوو الأحذية الخشنة ” وفي مكان آخر ” آه يما .. المدينة غولة .. تضحك تأكلك .. تبكي تأكلك فحين تستيقظ جائعة على طبول الحرب تلتهم أبناءها ” ويستطيع ايتالو كالفينو أن يجتاز هموم السياسة المرحلية ليتأمل في ما هو أعمق يحاول أن ينفذ إلى التباين والتماثل القائم بين بني البشر ففي ( السيد بالومار ) وهي كتابة سيرية وذات طبيعة روائية في فصل( الخفان غير المتجانسين ) يبتاع السيد بالومار من السوق خفين، ويفاجأ لدى عودته بأن البائع العجوز قد أعطاه خفين أحدهما أكبر من الآخر، فيبدأ بالتفكير في الآخر الذي يتخيّله يجوب الصحراء بخطى عرجاء وينتعل فردة حذاء تنزلق من رجله كلما خطا، يقول بالومار :

” ربما هو أيضا يفكر فيّ، أنا في هذه اللحظة ويأمل أن يلتقي بي لكي نتبادل خفينا فالصلة التي تربط بيننا نحن الاثنين أوضح وأبقى من قسط كبير من العلاقات التي تقوم بين البشر على أننا لن نلتقي أبدا، عندها يقرر السيد بالومار ان ينتعل الخفين غير المتجانسين تضامنا مع رفيقه المجهول، لكن بالومار يعود للتفكير ” ماذا لو كانت غلطته ليست سوى كفارة عن غلطة سابقة.. وماذا لو كان شروده مدعاة نظام لا فوضى. فربما كان التاجر يعرف جيدا ما هو فاعل حين أعطاني الخفين وربما يكون بذلك قد أصلح خطأ كان يختبئ في كومة الأحذية منذ قرون وتناقلته أجيال وأجيال تتعاقب على هذا السوق ”

قد يكون الرفيق المجهول قد سار بخطاه العرجاء في عصر آخر ” هكذا يردد بالومار ورغم كل ذلك يبقى السيد بالومار مصرا على التضامن مع رفيقة المجهول فيواصل جر خفيه بصعوبة كي يمنح ظله العزاء حسب تعبير المؤلف .

يستطيع كافينو من خلال أسلوبه الذي لا يضاهى والذي يجمع بين البساطة والعمق، أن يعيد صياغة سؤال الآخر من خلال إعادة صياغة سؤال الوجود البشري وتأتى له ذلك من خلال زوج من الأحذية غير متجانسين، لقد ساعدت الأحذية المؤلف إلى إطلاق آلية تأويلية لاواقعية تهدف من خلال لاواقعيتها ( نتذكر رواياته، فيسكونت مشطور البارون المعلق، الفارس الخفي، مدن الخيال ) إلى إدخال هامش في نصوصه قابلا للعب والتأويل قابضة على علاقة الإنسان بالآخر أولا وعلاقة الإنسان بالعالم كما حدث في الخفين غير المتجانسين وكما سيحدث كذلك في حذاء خوسيه للكاتب البرازيلي باولو كويلو فالقصة التي استقاها الكاتب من الكاتب الفرنسي فرانسوا كوريية كتبها عام 1903، تتحدث عن طفل فقد والديه مبكرا فلم يعرف معنى الحبّ، وخاصة بعد أن تبنّته عمّته البخيلة التي اشترت له حذاء وهو في الرابعة ورفضت أن تبدّله قبل أن يكمل العاشرة رغم ثرائها الفاحش ”

لكن عندما دخل الكنيسة وسمع صوت الموسيقى وشاهد الأضواء الملوّنة البراقة واجتماع الناس في الصلاة، ورأى الأسر مجتمعة تحتضن أطفالها، شعر خوزيه بأنّه أشدّ الخلق بؤسا، وبعد القداس لم يرجع مع الباقين للقرية، بل جلس على الدرج أمام الكنيسة وانخرط في البكاء. ربّما لم يعرف خوزيه معنى الحبّ أبدا، لكنّه في تلك اللحظة شعر كم هو وحيد وتعيس ومخذول من الجميع.

في تلك اللحظة لاحظ خوزيه طفلا آخر يجلس بالقرب منه حافي القدمين ويبدو عليه البؤس مثل خوزيه، ولأنه لم ير هذا الطفل من قبل فقد توقّع أن يكون بدوره قد سار مسافة طويلة من قرية أخرى ليشارك في القداس. وقال لنفسه: لا بدّ أن قدمه تؤلمه. سأعطيه فردة حذاء واحدة عساها تخفّف عنه ألم العودة. أعطى خوزيه الطفل بالفعل فردة الحذاء وعاد بالأخرى، وكان في الطريق يستبدلها بين القدمين ليخفّف عن نفسه الآلام، وعندما وصل كانت عمّته في انتظاره، ولاحظت أنّ هناك فردة ناقصة فوبخته وأنذرته أنه إذا لم يستردّها فسيكون حسابه عسيرًا.

خوسيه لم يذق طعم النوم تلك الليلة وعندما استفاق وجد كلّ الجيران يتّهمونه بالسرقة، ودليلهم على ذلك فردة حذائه الموجودة مع كلّ الهدايا في بهو بيته الداخلي

” في تلك اللحظة دخل القسّ الذي أقام القداس في الكنيسة مهرولا وهو منقطع الأنفاس، ليخبرهم أنّ طيف المسيح الطفل قد ظهر على الدرج أمام الكنيسة مغطّى بالذهب لكنه كان يرتدي في قدمه فردة واحدة .
ألجمت الدهشة الجميع ثمّ تعالى تمجيد الربّ أمام تلك المعجزة وركعت العمّة تطلب المغفرة وهي تبكي. عندها امتلأ قلب خوزيه بمعنى الحبّ.

ربما أراد كويلو ومن قبله كالفينو القول أنّ ثمة آخر ربما لا نتفق معه وربما لا نعرفه، لكنّه ببساطة يشاطرنا شرطنا الإنسانيّ، ويبدو واضحا الآن أنّ السلع على العموم والأحذية جزء من هذا الشرط الذي يتعذّر على باقي المخلوقات أن تمتلكه، وثمّة من يعتبر أنّ الأحذية تشابه كثيرا الإنسان يقول تشلز سميك : في قصيدة بعنوان ” حذائي ”

مثل زاهد ومثل أمّ تتحمل :

مكونا بصبرك الصامت

الشبه الحقيقي الوحيد لذلك ”

ولا يكتفي بذلك بل يزيد بأن يعتبره الوجه السرّيّ لحياتي الداخلية حسب تعبير الشاعر

وأعتقد أنّه يشترك في هذا مع الشاعرة السورية جاكلين سلام حين تقول: للحذاء قلب في لهجتنا الشامية .

بعض الأحذية جديرة بأكثر من هوية

أتأمّل الحذاء الرجالي الأسود في لوحة يوسف عبدالكي

إعصار في قلب الحذاء وأكثر

شغلتني سيرة الأحذية

لوحات مبدعين وأشقياء في العالم

ثم تضيف في موقع آخر من القصيدة المعنونة: فائض الأحذية

لديّ فائض أحذية

أين ربيع الطرقات

ليس ذلك فحسب بل إنّ بعضهم وأقصد هنا القاصّ السعودي يوسف محميد، كتب قصة قصيرة جميلة الراوي فيها هو الحذاء وتبدأ عندما يستفيق حذاء ويبدأ بالبحث عن زميله فلا يجده، فيبدأ بتفحّص العالم حوله، ويكتشف بأنه ملقى على مزبلة، ثم يبدأ بالتساؤل عن كيفية الخروج مما هو فيه، ويعيش مع ذكرياته عندما كان يدفع دواسة البنزين في شوارع الرياض، وعندما اعتنى به ماسح الأحذية في السويلم بخرقته البيضاء النظيفة، يتذكر كيف أنّ السيد الذي كان يقتنيه لم يكن يستطيع أن يذهب إلى أيّ مكان دونه، وبينما هو على هذه الحال :

وبينما كنت أهجس بشريكي الذي فقدته منذ البارحة وجدته فجأة يجاورني في اللحظة التي اقتربت فيها مني قدمان مفلطحتان سوداوان لتقودني إحداها خارجا من القمامة الواسعة ”

ذروة القصة وجماليتها وإحالتها حقّا إلى عالم البشر لا تتّضح إلا في الخاتمة حيث يجد الحذاء نفسه فيما يبدو برجل خادم أسود يعيده إلى الحياة :

في المساء، كنت أتكالب بشهوة هائلة وأنا أدوس السجاد الإيراني الثمين لتلتوي أعناق وبر السجاد مستسلمة لجبروتي، فشعرت بفرح عظيم وأنا أتذكر الذي يلكز الأرصفة فلا تستجيب فأحسّ أنني أكفّر عن خطيئتي لحظة أن انحنى وبر السجاد لهيئتي وأنا أضغط عليه بشدّة تؤازرني فيها قدم مفلطحة سوداء وعنيفة

تكشف قصة يوسف محيميد عن نزعة بأنسنة الأحذية وجعل عالمها يقترب من عالمنا، وهذه المواءمة بقدر طرافتها تكشف عن انحياز الكاتب للضعف البشري وتقدم نوع من الزهد يجعل المرء يطيل النظر في الأشياء ويعيد قراءتها من جديد. وهذا ربما نفس السبب الذي دفع الشاعر ثائر زين الدين لكتابة قصيدة ” حذاء التي تحمل تشابها جميلا وإنسانيا مع القصة السابقة

كم يخبرنا الحذاء عن صاحبه

هل كان شيخا

أم فتى

كم سار

من أين أتى

أو أين يمضي

مترفا

أم معوزا

يوغل الشاعر في تمليه لضعف هذا الكائن الإنسان أمام النهايات، وربما لم يجد أنسب من حذاء ملقى على قارعة طريق يهمس للمشاة ضاحكا: حذار من نهايتي يا أيها الصديق

الحذاء هنا لم يعد كذلك، بل هو حضور ضمنيّ للنساء متمثلا في حذاء. هي ذي الأحذية تشاطرنا حياتنا وتملأ ما ترهّل في بقع سيرتنا في الزمن، ذات مرة أهدت غادة السمان أحد كتبها للبوم بوصفه كائنا موسوما بسمات ليست به ورمزا للمعتقدات والتقاليد الخاطئة، وزادت على ذلك بأن جعلته شعارا لمنشوراتها غير الكاملة.

ربما يأتي اليوم الذي يكون فيه حقا ما سبق أن ذكرنا (جماليات الأحذية ).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق