أحزان عيد الميلاد..

أخيرًا ولجت الكاتدرائية، صافحت وعانقت أناسا يختلفون عني في العقيدة واحتفلت بقُداس عيد الميلاد..

لم أعد اذكر كيف اتّخذت، صبيحة الأربعاء الماضي، قرار التوّجه إلى الكاتدرائية.. استيقظت، كالعادة، في حدود الساعة الثامنة صباحا وبدأت نهاري، كالعادة أيضا، بفنجان قهوة وسيجارة “ريم”.. وبملامح جميلات الحيّ اللواتي بلغن سنّ العنوسة دون أن يحظين برجل صادق يملأ وجودهنّ.. اتّجهت بعدها رأسا صوب العمل ولا أذكر انّه كان يوما شاقّا..بين الكتابة، التحرير، الدردشة، المكالمات الهاتفية ومطالعة الصحف والمواقع الإخبارية قضيت ساعات الدوام السبعة..خرجت في حدود الرابعة والنصف بعد الزوال بنيّة التوّجه إلى إحدى “المرشات العمومية” التي سمّاها صاحبها “مرشات السعادة”، مستحضرا في ذهني مقولة “خذوا زينتكم عند كلّ مسجد!”..لا يهمّ!..

على خلاف بعض الأصدقاء، تُعدّ “الزينة” إحدى الضروريات وليست فقط كماليات في حياتي اليومية..ترنّ في ذهني مرارا عبارة “سعيد l’artiste” كما كان يخاطبني “علي شيطو” أحد صعاليك الحيّ الشعبيّ أين اسكن والذي يقضي غالبية الوقت في التمدّد تحت جدار المقبرة الخارجيّ، مستنشقا لفائف “الكيف” ومبتلعا “حبوبا مهلوسة” لا أذكر جيّدا أسماءها، مهملا زوجته الشابّة مليكة وابنه سليم..

وجب أن أبلغكم أني كنت أمرّ، ذهابا وإيّابا، يوميّا، صباحا مساء، أمام تلك الكاتدرائية المُنتصبة بشموخ وسط الجزائر العاصمة، جزائر جاك دريدا، الحاج العنقى وليليه بونيش، إلا انه لم يسبق أن خطر ببالي زيارتها إلى غاية ذلك الأربعاء المشهود..

بلغت مقصدي في حدود الساعة السابعة والنصف.. شعرت ببعض الرهبة..رعشة باردة ومفاجئة اكتسحت أطراف جسدي.. لفت انتباهي عدد سيارات الشرطة المتناثرة حول الكاتدرائية..كان عددها أربعة أو خمسة، لم أعدّها جيدا..كان أفراد الأمن يجوبون المكان في هدوء.. رقابة أمنية مشدّدة.. نسيت أنّ التعزيزات الأمنية المُشدّدة صارت سيرة حميدة في بلادنا منذ حوالي عشر سنوات.. فالجزائر وبغداد لا تختلفان كثيرا من ناحية التعزيزات والحواجز الأمنية..تفيد بعض المصادر الصحفية أنّ عدد أفراد الأمن يفوق عدد الطلبة الجامعيين عبر كامل تراب الوطن.. على بعد بضعة خطوات من الكاتدرائية توقّفت برهة.. خشيت أن يطلبوا منّي بطاقة الهوية.. فبسبب توتّري القليل تلك الأمسية نسيت حمل حقيبة اليد.. الحمد لله.. مرّت الأمور على أحسن حال.. لم يعترضوا سبيلي.. واصلت السير بثقة محاولا عدم الاكتراث بهمساتهم ووشوشتهم.. أدرك جيدا أنّ أولئك الأفراد، جلّهم شباب، الذين كانوا مُنتصبين قبالة الكاتدرائية يدينون بالديانة الإسلامية وكانت غالبيتهم تندب الحظّ “البائس” الذي رماها، ذات أمسية دافئة، إلى حراسة “النصارى” أثناء أداء قُداس عيد الميلاد.. لا يهمّ!.. اعتقد أنّ المسلمين، بمختلف مشاربهم، وأنا وحد منهم، يؤمنون بمقولة “حبّ الوطن من الإيمان” وبالتالي فهم يدركون آنّ وطننا الجزائر عبارة عن مزيج من اليهود، المسيحيين والمسلمين وأيضا الملحدين.. يدركون أنّ هذا الوطن أنجب القديس أوغسطين والثائرة “دهية” أو “الكاهنة” وكذا العلامة عبد الحميد بن باديس والمُتمرد “كاتب ياسين”..

ولجت بوابة الكاتدرائية ولفتت انتباهي بداية مساحة قاعة الصلاة الفسيحة.. فسيحة وهادئة مشابهة، في بعض جوانبها، قاعات الصلاة في مساجد المسلمين..تقدّمت بضع خطوات قبل أن يصادفني بورتريه كبير، بالأسود والأبيض، للحبر الأعظم الراحل يوحنا بطرس الثاني.. حينها فقط أدركت أنها كاتدرائية “كاثوليكية”..صدّقوني، لم أكن أفرّق قبلا بين “الكاثوليكيين” و”البروتستان” ومختلف الطوائف الأخرى.. حيث لا أنكر فضل رواية “شفرة دافنشي” للأمريكيّ دان برون في منحي بعض المفاتيح الهامة بغية إدراك بعض الخطوط العريضة في الديانة المسيحية.. المهمّ! جلست، على أحد الكراسي، في المؤخّرة وحسبت أني وصلت قبل الأوان قبل أن اسمع صوتا يُخاطبني من طرف القاعة الفسيحة بلكنة فرنسية: “الصلاة في الطابق الأرضي أيها الشاب..!”.. لا بأس! نزلت فورا إلى الطابق الأرضي وهناك أبصرت ما لا يقل عن مائتي شخص: رجال، نساء، شباب، أطفال، ببشرات مختلفة: سود وبيض سمر، مُصطفين جلوسا على كراسي خشبية قبالة طويلة كبيرة أين ينتصب تمثال عيسى المسيح “مصلوبا”..

فاتّخذت مكانا، من الخلف دائما (ولست أدري لماذا صرت مهووسا بفوبيا التخفّي مرارا في المقاعد الخلفية. فلمّا أركب حافلات النقل أفضّل أيضا الجلوس في المقاعد الخلفية)، إلى جانب سيّدة بيضاء، تقارب الخمسين سنة.. كانت تضع ماكياجا وتحمل ملامح غير جزائرية.. انطلاقا من تلك اللحظة أخذت في تسجيل بعض الملاحظات:

1. المسيحيون يختلفون عن المسلمين في التعامل مع المرأة. فحتى يوم الصلاة كانت النسوة والفتيات يلبسن هنداما متألقا وكأنهنّ يحضرن حفلا غنائيا..ماكياج..سراويل جينز وشعر مسترسل يثير رغبة كلّ رجل..

2. على خلاف المسلمين، كان النساء يصطففن إلى جانب الرجال.. لا حرج.. لا فوارق ولا ضرورة للفصل بين الجنسين أثناء أداء الصلاة..

3. على خلاف المسلمين لاحظت أنّ عدد الشباب كان أكثر من عدد كبار السنّ..

ما إن جلست حتى سلّمتني سيّدة طاعنة في السن شمعة وورقة كتب عليها، من الأعلى “قداس الليل”، مع مقدّمة تضمّنت دعوة المؤمنين إلى أهمّية استحضار روح المسيح والدعوة عاليا إلى عودة السلام والأمن والإخاء بين الشعوب.. إحدى الملاحظات الثانوية التي استخلصتها تفيد أنّ كلّ المُصلّين الذين حضروا تلك الليلة يتقنون اللغة الفرنسية لأنه، بكلّ بساطة، الورقة التي سلّمت لنا والتي تضمّنت أيضا مقاطع غنائية وأدعية كانت مكتوبة باللغة الفرنسية.. لا أخفي حقيقة أنّي كنت أخشى أن تتمّ الصلاة باللغة اللاتينية التي أجهلها.. ولكن بعدما أدركت أنّ الطقوس ستسير، في جلّها، بلغة أتقنها..اطمئنّ قلبي..

بدا القداس بإطفاء جميع الأضواء وإشعال الشموع التي حملناها في مسيرة مُنظمة صوب القاعة العلوية أين وضعنا الشموع على فوق طاولة صغيرة..قبل أن نُعاود الرجوع إلى القاعة في الطابق الأرضيّ..وهناك وقعت المفاجأة..بل لنقل الصدمة!..لمحت، خلال مسيرة الصعود والنزول، عديد الوجوه التي أعرفها.. أبصرت زملاء صحفيين..م، ي و ج.. ثلاثة شبّان صحفيون جزائريون أعرفهم وأشتغل إلى جانبهم منذ قرابة السنتين ولم أسمع يوما عن اعتناقهم المسيحية..أعتقد أنّ بعضهم كان يؤدّي واجب شهر رمضان.. ربما، لست متأكّدا تماما.. اكتفيت بمبادلتهم ابتسامة عريضة وتحريك الرأس، من الأعلى إلى الأسفل، قبل أن أعاود الجلوس إلى جانب تلك السيّدة، في مؤخّرة القاعة..

تمّت إعادة إشعال الأضواء وأخذ أحد القساوسة، الذي تشير ملامحه إلى انه يتجاوز الستين،وهو ذو شعر أشيب، يحمل لباسا أصفر غريبا، يتصدّره رسم كبير للصليب، لم أكن أعرفه سوى من خلال مشاهداتي للتلفزيون، في ترديد بعض المقاطع الغنائية والمدائح وأخذ مجمع الحضور في ترديد نفس الأقوال، حيث استعنت بالورقة التي تسلّمتها في البداية..قبل أن تقطع تلك الطقوس امرأة، تبدو شابّة، لا تتجاوز الأربعين، بشعر قصير، وهندام أنيق: سروال جينز أسود ومعطف جلديّ قصير.. يكشف كثيرا من مفاتنها.. ترتّل مقاطع من كتاب إنجيل عتيق..بلغة فرنسيّة فصيحة جدّا.. خيّم على القاعة كثير من الدفء.. من الخشوع ومن الوقار..

استمرت الطقوس حوالي أربعين دقيقة، قبل أن يدعونا القديس إلى تذوّق “دم المسيح”، الذي لم يكن سوى قطعة خبز وزيت زيتون خالص.. قبل أن يتمّ الإعلان عن نهاية القداس ويأخذ الحاضرون في تبادل العناق والتحيات والتهاني بمناسبة العام الجديد..أقبلت عليّ السيدة التي كانت بجانبي وقبّلتني على وجنتيّ.. ونفس الشيء مع سيدة أخرى كانت تجلس أمامي خاطبتي قائلة: “أرجو أن يحفظك الربّ لنا”.. فاجئتني تلك العبارة.. كما لو أنّي اعرفها مُسبقا.. كانت لحظات مؤثّرة جدّا.. لم أشعر بمرور الوقت.. تخيّلت لو أنهم اكتشفوا حقيقة كوني مسلما لا مسيحيّا.. تخيّلت لو أنهم اكتشفوا حقيقة كوني صحفيّا.. كانوا ربما سيتّهمونني بالعمالة لصالح المخابرات.. الحمد لله مرّت الأمور على أحسن حال..

بعد اختتام القداس توجه الجميع إلى إحدى القاعات المُجاورة أين كانت تنتصب طاولة طويلة مزيّنة بشتى أنواع الحلوى، المشروبات والفواكه..وكان في البدء “السانغرين” أو دم المسيح وهو عبارة عن مزيج من الخمر وبعض الفواكه..

خلال تلك المأدبة الاستثنائية، سنحت لي الفرصة للاقتراب من الزملاء الذين أبصرتهم قبل قليل.. بادرني قبلا “م” بالسؤال:

* ماذا تفعل هنا سعيد؟

* آثرت حضور القداس تعاطفا مع المسيحيين.

وواصلت مُبتسما

* أنا لست أصوليا..انتم الفرانكفونيون تعتقدون خطا أنّ جميع المعرّبين أصوليون، متشدّدون ومتعصّبون في آرائهم الدينية

* كلا! أنا لا أوافقهم في هذا الرأي. في النهاية، أهلا وسهلا بك في كلّ حين. فالكاتدرائية بيتك الثاني..

* وأنت ماذا تفعل هنا تحديدا؟

توقّعت أن يخبرني أنّه بصدد إنجاز روبورتاج أو ربّما موضوع صحفي، قبل أن يفاجئني قائلا:

* أنا مسيحيّ..ألا تعرف..منذ زمن بعيد..

* نعم!..لكن لم تخبرني قبلا بهذا الموضوع..

* أنت تعرف صديقي العزيز..في بلادنا، “تهدر يطير راسك”..

شعرت بحسرة واضحة في كلامه.

غيّرت مباشرة موضوع الحديث وأحلته إلى نقاش حول آخر تطورات الراهن وسباق “بوتف” إلى عهدة ثالثة وسياسة الترهيب التي صار ينتهجها الرئيس في البلاد.. أما “ي” و”ج” فأدركت من نظراتهما سبب وجودهما في الكاتدرائية وطلبا مني لاحقا، بطريقة غير مباشرة، عدم البوح بالقضية والحفاظ عن السر..

هذه حقيقة..أن تعتنق المسيحية في الجزائر يجب أن تتحلّى بالسرية..الأمور لا تسير بتاتا على ما يرام..تحوّلت الجزائر، في ظرف عشر سنوات، إلى ما يشبه “يثرب” القرن الجديد..أسوأ حالا من كابول وإسلام أباد..تذكّرت قصّة المخلصة “حبيبة” التي وقعت تحت نير القضاء بسبب اعتناقها المسيحية..

أفكّر، اللحظة، في أولئك الذين سيتّهمونني بالنفاق..مهلا! تعلّمت في الكتّاب، في صغري، أنّ المنافقين أولئك “الذين يقولون ما لا يفعلون”.. لحدّ الساعة، لم أقل شيئا يتنافى مع أفعالي.. صحيح أنّي مسلم، حفظت القران في سنّ الثالثة عشر، حفظت عددا هامّا من الأحاديث النبوية، عن صحيحي “مسلم” و”البخاري”.. كما حفظت عددا من الأحاديث القدسية..نلت جوائز تشجيعا عن القرآن الكريم الذي أحمله في صدري.. إلا أنّي، في أولى مراهقتي، اضطررت إلى ممارسة العادة السرية شهر رمضان وكان، آنذاك، “أهل عطر” أمين الزاوي و”أية” شاهدين.. الحقيقة تجرح أحيانا إلا إنها لا تقبل الزيف.. كما أنّي لست هنا لألعب دور حسن الوزان أو “ليون الإفريقي”..فأنا حضرت قداس عيد الميلاد ولم أعتنق المسيحية ولا أفكر في اعتناقها..

ربما لم أدرك السبب الحقيقيّ الذي دفعني إلى حضور قداس عيد الميلاد في الكاتدرائية، إلا أني اذكر جيّدا أسبوع القداس الذي قضيته في إعادة مشاهدة أفلام سينمائية أرّخت لفترة العشرية السوداء في جزائر التسعينات..أعدت مشاهدة أفلام “باب الوادي سيتي”.. “العالم الآخر”.. و”فيفا لالجيري”..كما قرأت كتابا جميلا أهدتني إياه الرائعة “فضيلة مرابط”، يحمل عنوان “المؤذن ذو العينين الزرقاوين”.. أيعقل أن تكون تلك المشاهدات وتلك القراءة سببا في إعلان علاقة جديدة مع المسيحيين؟..أيعقل أن يقف مسلم مثلي.. سليل الشيخ سيدي ثامر.. الحاج التقي.. بين يدي قسّ ويؤدّي التحية المسيحية؟.. كيف ستكون ردّة فعل أهلي، أقاربي وأصدقائي لو أدركوا أنّي جالست، صافحت وعانقت مسيحيين.. هم لن يقولوا شيئا لو أشرب خمرا.. أو أتذوّق لحم خنزير.. أو أزني مع امرأة أجنبية.. ولكن، حضور قداس “النصارى”.. فتلك إحدى المحظورات..

أدركت بعد خروجي من الكاتدرائية أنّ الحياة لا تؤمن بالبدايات.. قيمة الأشياء في خواتمها.. هنالك بداية في أية لحظة شئنا..

أدركت بعد خروجي من الكاتدرائية أنّ الجزائر لن تكون أفضل، على الأقلّ، خلال السنوات الخمس القادمة.. أدركت أنّ البؤس سيزداد حدة.. الفقر، الجهل أو لنقل “تجهيل الشعب”.. رجوت الله أن يؤسّس بيننا خصلة واحدة: خصلة الإخاء..أن نتصالح فيما بيننا: مسلمين، يهودا، مسيحيين.. وغيرهم من الطوائف.. رجوت الله أن يُعاد فتح الكنائس ومعابد اليهود في كلّ الولايات وأن يتفهم كلّ طرف ضروريات الآخر.. أن نُعايش قداس عيد الميلاد، خلال السنوات القادمة، دونما حاجة إلى تعزيزات أمنية خاصة.. أن يحتفل اليهود بعيد “البخ” كما كانوا سابقا في أمان.. هكذا فقط سنبلغ القصد الأسمى ويمكننا الحدّ من جور أباطرة “المرادية”..

سعيد خطيبي: كاتب وصحفي جزائري

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق