أحمد “المكتفي بذاته” يدخل تالة

دخل أحمد تالة برهبة، بعض أمل وإحساس خفي بالنصر. وهو لم يدخلها هكذا دفعة واحدة بل جربها بحذر وتوجس أورثه إياه الأهل أبا عن جد. كان يزورها مرة في الشهر ثم واظب على سوقها الأسبوعية أيام الخميس، ثم اكترى غرفة بوكالة المصمودي وسكنها أربعة أيام في الأسبوع، وعندما التحق به ابنه عبد الكريم استقر أكثر وزاد استئناسا بالمكان. وما هي إلا سنة حتى نقل العائلة بأكملها إليها.

لم يكن أحمد ليثق بتالة، فالذاكرة لم تزل حية والجرح لم يندمل بعد.

تتوسط المدينة دار ضخمة بها حصانة القلاع وحسن ترتيب القصور، بنيت على مرتفع وأحاط بها جدار سميك من حجر، منها خرج المرابون وعساكر المحلة والڨيّاد، يمتصون دماء الأماكن المجاورة وأرزاق أهلها، وإليها كان يلتجئ عمال السلطان، والمستعمر من بعده، حين تثور القبائل ويهددهم “أصحاب المنعة “في المال والعرض والسلطان. هكذا وقفت تالة، ناتئة من السهول المحيطة بها كشوكة قهر، تكسرت عليها الآمال موسما بعد موسم. وحين دخلها الفرنسيون جمعوا إلى عملائها عساكرهم وجاليتهم واتخذوها منطلقا، منه يخضعون القبائل المشاكسة ويفتكون الأراضي؛ وداخل حصونها يجمعون المجبى والغنائم.

إلى أن جاء ربيع الولي الشاب ذي الشعر الأسود المسدل.

وعن تالة حدث محمد العربي أحمد حين كان شابا، قال: كان عمك رحمه الله قد أجار الولي وأقامه في بيته، فتردد عليه المريدون وتكاثر الأنصار، حتى أصبحوا بالعشرات. كنا نجتمع خلف البيت في الليالي القمراء، نذكر الله ونشكوه أمرنا، وفي سرنا نشتم ڨايد تالة ونتدبر أمرا.

بعد شتاء الخسارة والثلج وضياع الرزق، حين فتت “العام الأبيض” ماشيتنا حتى لم يبق لنا ما به نقتات، عقدنا العزم على الأخذ بالثأر واسترداد ما أفتك منا. أحطنا بتالة؛ ثم دخلناها نهلّل ونكبّر. لم نكن أكثر من مائتي نفر، ولكن الخبر سبقنا مهوّلا، مرهّبا؛ فاختبأ من اختبأ وفر من فر. حين وصلنا دار الڨايد ارتأى بعضنا إضرام النار والدمار، وجدّ آخرون في طلب الجلادين والعسس.

وعلى عادتنا، لم نتحد على رأي.

كنت وابن مسعود في جماعة لا تزيد عن العشرة، قد عزمنا على أمر لم نستشر فيه غيرنا. جانبنا الدار حين رأينا انشغال الحراس بمنافذها ومدخلها الأمامي. ولم يكن من العسير تسلق الصور الحجري والتسلل إلى الداخل. كان عمك يعرف تماما أين يختبئ مقصدنا فأمرنا بالحذر وأن نتبعه حيث ذهب. نزلنا خلفه مدرجا ينتهي عند باب من حديد وجدناه غير موصد، وربما غفل عنه العسس. على اليمين تكدست أكياس قمح همّ بها بعضنا، لكن عمك منعهم من ذلك بنظرة وحركة من يده، مشيرا إلى التقدم. تقدمنا قليلا ثم اتجهنا يسارا، وثبّت عمك بصره على آخر غرفة. دفع الباب بحذر وأشار إلى دولاب من الخشب الأسود السميك. أومأ بالتوقف، وتقدم نحو الدولاب وفتحه. نظر إلينا بنصر وأشار إلى الصادق أن يقترب، ثم طلب منا جميعا أن نقف متباعدين، ملتصقين بالجدران، متوزعين عبرها حتى المدخل. مد يده بلفافة إلى الصادق وأشار إليه أن يناولها من يليه من الرجال. ثم توالت اللفائف من يد إلى أخرى. لم تمر دقائق حتى كنا قد أفرغنا الدولاب وتسلقنا الصور خارج الدار. ابتعدنا قليلا حتى بلغنا منحدرا وارانا عن العيون. أشار عمك أن نجعل اللفائف كومة واحدة، وتقدم ابن مسعود بعود ثقاب قائلا :”م ليوم ماعادش الباي وكلابه يعرفو نحنا ڨِداش وشكونّا وآش عنا”.

كانت اللفائف حصرا دقيقا لكل ذكر قادر، جمعها عمال الڨايد عبر السنين، وأحصوا فيها الماشية والأرض والسواعد. كنا نعرف السجلات جيدا. ألفناها وارتعدت قلوبنا كلما حلت بيننا المحلة وأجبرنا على تزميل. حين تفتح الملفات لم يكن يسعفنا شح السماء أو جحد الأرض؛ ولم يكن يشفع لنا توسل العمال وشكوى حالنا. كانت السياط تنزل عل المتلكئ، ويؤخذ الزاد وتتشتت العيال.

طلب عمك التمهل وأشار بحمل الملفات إلى البيوت حتى نقرر ما نفعل بها. وعدنا جميعا إلى بيت عمك. كان الأصحاب قد سبقونا وبدأت أخبار الغارة تصل متقطعة وغير متأكدة. وفقد البعض ولم يعودوا كما اتفقنا. و قيل إن العسس أطلقوا البارود وأصابوا بعضنا.
 

ولم نقف على أثر للولي الشاب.

أشار بعضنا إلى عمك بترك حزم الأوراق والدفاتر في بيته وإخفائها، فوعد بذلك وقال ممنيا:”هذي لازمتها ليله حمرا. نتڨابلو بعد المغرب بشويه في زاوية سيدي البُهْلي.”

حين وصلنا، أنا وعمك، الزاوية كان محمد بن صالح قد سبقنا إليها، أشعل الشموع وتوسط الزاوية متكئا على قبر سيدي البهلي، وهو في أبهى زينة وأنظف حلة؛ لبس العمامة الصفراء والجبة الخمري والسروال العربي والحذاء والجورب الملائم. وضع على يمينه بنديره الذي يعرفه الجميع بلونه الأخضر الزيتوني؛ وعلى يساره جلس العربي والشريف، أخوه، وعبد العزيز المؤدب. فاح البخور والجاوي وشاعت في الزاوية روائح وعطور ألفناها في ليالي الحضرة وأيام الأضحية والمواسم.

 

هب محمد بن صالح إلينا واستبشر، ثم أجلسنا إلى يمينه. استدارت الحلقة وقام محمد بن صالح فدار خلف الضريح وشرع يناولنا الدفوف، الواحد بعد الآخر. أمسك كل بدفه وأمسكنا عن الكلام. أومأ عمك إلى الشريف فرفع دفه وحركه بأناة، طأطأ رأسه وأماله إلى اليمين قليلا، بسمل وكبّر؛ ثم نقر نقرا خفيفا، بطيئا، تجاوبت معه الدفوف في انسجام وتمايلت الرؤوس ببطء.

وتعالى صوت الشريف باستهلال لم نعهد مثله حرا وإثارة للشجن:
 

مِنّك السّراحْ عبْ القادر عجّل ارّاحْ

لَرواح ضايڨه خلوڨي مكموده

لا لي رْواحْ غير محل الجودة.
 

حين جاء دور الحلقة للترجيع والملازمة، كنا كمن على جمر. علا النقر وتناجت الأصوات بالذّكر وتمايلت الجذوع في تناسق محكم.

كان أول من نزل وسط الحلقة الشريف. تمايل وتهادى؛ ثم أسرعت حركته وتواترت. علا لهاثه وأغمض عينيه. نزل عرق على حاجبيه وسال على وجهه. وتهادر صوت الدفوف وتشنجت الأصوات وتفتحت الحناجر. عهدنا الشريف حين يبلغ حالته هذه يبسط يده اليمنى؛ وحينها يهب أحدنا فيضع أوراق الهندي المشوّكة في يده ويعلو الصياح وتتركز العيون على الشريف ويتسارع الدف، ويد الشريف تمتد إلى فمه بورق الهندي يمضغه مضغ الإبل، لا يتقزز ولا يتألم، كأنه يأكل كسرة طازجة.

 

قفز سالم خلف الضريح ومد يده يريد ضالة الشريف. ولكن محمد بن صالح كان قد سبقه. نظر إلى الجميع وعلى الوجه بسمة وفي العين نظرة ماكرة وبريق. امتدت يده تحت العلم الأخضر الذي يغطي الضريح ثم أخرجها بخفة. كان في يده بعض من الملفات التي أخرجناها من دار الڨايد . تناول أحدها، دقق فيه وصاح :مسعود بن الحاج. قفز مسعود كمسعور، مزق الغلاف ومر على بعض الأوراق وقال بصوت متهدج: “هذِي عُولَه”. قطّع ورقتين خطّت عليهما أرقام وحروف في عمودين طويلين، واقترب من الشريف ووضعهما في يده. ألمّ بنا تأهب واشتد منا النظر ورهفت الأسماع وتوجست القلوب. رأى محمد بن صالح منا ذلك فتناول دفّه في خفة وكبّر وهلّل ودار في الحلقة، يرافق الشريف في رقصه ودورانه. ثم علا صوته في بحة امتزجت فيها حشرجة بكاء بعذوبة وألق:
 

 فَدِّتْ خْلُوقِي هايضه امْوَاجِعْهَا ضَيِقْتْهَا يَا خَالْقِـي وَسِّعْهَا

خَمِّمْتْ فِـي الاقْوَالْ بَايِتْ نْكدّرْ خَاطْرِي مَعْلُولْ

كِبْدِي علــَى الملالْ والظلْمْ طَيِّبْنَا طْيَابْ سْبـولْ

هَا البَايْ حُكْمَه مَـالْ فِعْلَه يشَيِّبْ رَاضِـعْ البَزّولْ
 

قبض الشريف على الورقتين بكف من حجر، تكورت يده واشتدت عضلاته، رفع يده وقربها من وجهه. فتح عينين من جمر، بصق على قبضته وفتح فمه على أشده، فبانت أسنانه كذئب، وتعلقت العيون بيده وجحرت. واستدار محمد بن صالح يراقب الوجوه تشتد والأفواه تُفتَح والأيادي تُقبض وتُبسط. جرى إلى السجلات وصاح: محمد العربي، عبد العزيز، يوسف، صالح، بلڨاسم، حمزة.

تقافزنا.

تراكضنا.

أمسكنا بالسجلات.

فركنا.

جذبنا.

قطعنا.

عاد محمد بن صالح إلى الدفّ والذّكر؛ وبريق العينين يشتد اتقادا وأسارير الوجه تنقبض وتنبسط.

لم نعلم كم من الوقت مضى ونحن في حالنا هذه. وحين أفقنا لم يكن منا إلا من أكل كامل سجله أو أغلبه.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق