أخذ الحتمية على محمل الجدّ

أنا حالياً أعاني آلام المخاض في تأليف كتاب آخر، وهذا يشعرني بالسعادة وفي الوقت نفسه بالقلق. تنبع هذه المشاعر من المصدر نفسه: الوقت المناسب للموضوع. بدون شك أنا أمتح من روح العصر بشكل كبير. وكذلك أعرف تماماً أنني أقف على أكتاف عمالقة، لكنّ أناي الصغيرة المتضخّمة ترغب في الحصول على سلفة مالية وسمعة سيّئة للشيخوخة. لهذا أنا سعيد لأنّ أفكاري تتعلّق بما يتحدّث عنه الناس، ولكنّي كذلك، ولذلك، قلقٌ خشية أن يقوم شخص آخر بتحقيق سبق صحفيّ عليّ.

إذن، ببساطة لماذا لا أدفع الكتاب إلى الطباعة؟ إنه كامل لكنه في صيغة المسودة. ومع ذلك، فإنّ التوتّر الحقيقيّ بالنسبة لي ناشئ عن كوني كاتباً. أنا أحبّ أن أكتب… لا، كما كان “وودي آلن” سيقولها: أنا أهيم بأن أكتب(1). إنني أعاني من الضغط في كتابة هذه المقالة! لكنّي بشكل خاصّ أستمتع بالاسترسال في مشروع كبير يجبر عقلي على أن يكون منهمكاً. يتطلّب موضوع العمل الحالي ومجاله كلّ انتباهي ومعرفتي وذواكري. لقد شرعت أيضاً في استخدام الطاقات الكاملة لمهارتي، التي هي سبب آخر للسعادة بالنسبة لي. لكن ذلك يعني أنني أقاوم الضغط لئلا أنشر قبل أن أكون مقتنعاً. من هنا يصبح قلقي حول كوني ورقة رابحة أكثر حدّة لأنه يضعني في ورطة.

ينبغي للفيلسوف وخصوصاً المختصّ في علم الأخلاق، في الوقت الحاضر، أن يكون قادراً على إعطاء نفسه فيضاً من النصائح السليمة حول المتقابلات الأخلاقية مثل التواضع والغرور الزائف فيما يخصّ العلاقات الإنسانية. لقد فعلت ذلك وكنت في حينه هادئاً. لست في حاجة لأن أزعجكم بأيّ من الحِكَم العاقلة مادمتم تعرفونها كما أعرفها. لكنّ هذه التجربة بالنسبة لي شكّلت كذلك فرصة للعثور على العزاء الفلسفيّ في واحدة من المسائل الفلسفية الكبرى. لقد اكتشفت بالتبصّر العميق أنّ أكثر ما يساعدني في هذا الوقت هو فلسفة سبينوزا Spinoza حول حرية الإرادة. إنها وهم، وأنتم تعلمون.
بالطبع هناك جدل لا نهاية له حول ذلك، وهذه واحدة من الأشياء التي تسمّى بالمعضلات المزمنة. ومن الغريب تماماً أن لا يكون هناك جدال حادّ حول الحتمية. هذا يعني أنّ معظم فلاسفة اليوم ـ الحديثين، على الأقلّ من المدرسة التحليلية التي أنتمي إليها، يقبلون بأنّ كلّ شيء في الكون يخضع لقوانين الطبيعة. هذا يعني ضمناً أوّلاً أنه لا توجد معجزات (ربما باستثناء وجود الكون نفسه؟). وثانياً سوف يبدو أنه كان محدّداً منذ مليارات السنين تقريباً أنك سوف تقرأ هذه الجملة الآن تماماً.

صحيح أنّ الفيزياء المعاصرة تأخذ في الحسبان أحداث الكمّ، وهي غير قابلة للتنبّؤ، بل وعشوائية ميتافيزيقية / ما ورائية، بالنسبة لكلّ ما يمكننا إدراكه. لكنّ هناك سببين نموذجيين يُطرَحان من أجل عدم القلق حول ذلك. أحدهما هو أنّ أحداث الكمّ نادراً ما يكون لها تأثير كبير على مستوى الواقع اليوميّ، بما في ذلك اتّخاذ القرارات من قبل البشر. والسبب الآخر هو أنّ الكائنات الإنسانية التي قرّرت أو تصرّفت على قاعدة حدث كمّيّ عشوائيّ ما في دماغها سوف تكون بالكاد تمارس إرادة حرة. وسوف يكون ذلك أشبه ما يكون برقص القديس فيتو(2).

تبعاً لذلك، يجب ألا يتعلّق النزاع المعاصر حول الإرادة الحرّة بما إذا كانت كلّ تصرّفاتنا محدّدة سلفاً في الماضي البعيد لكي تحدث بالتزامن مع أحداث أخرى ـ كانوا، يكونون، وسوف يكونون إلى الأبد ـ لكن الجدال يجب أن يكون حول ما إذا كانت هناك حاسة ذات مغزى نستطيع بواسطتها، رغم كلّ شيء، أن نتحكّم في سلوكياتنا. هؤلاء الذين يقولون نحن نستطيع، يناقشون بأنّ كلّ ما يمكن أن نعنيه بحرية الإرادة هو القدرة على فعل ما نوينا أن نفعله، وبما أننا نفعل ذلك غالباً، فتكون لدينا إرادة حرّة. ولا يهمّ أنّ نوايانا نفسها ناتجة عن أحداث معظمها خارج عن سيطرتنا ويمكن العودة بها بالتسلسل إلى الانفجار الكبير.

شخصياً أنا أميل إلى الشكّ بأن هذه نوع من “ضربة معلم”، لكني أعترف بفائدتها. على سبيل المثال، هي تخلق لديّ الوعي لأفرّق بين سقوطي من نافذة بشكل عرضيّ وبين قفزي طوعاً بإرادتي. لقد كان جان بول سارتر كذلك ليبدي قدراً كبيراً من الإصرار على أنه حتى إذا صوّب شخص ما بندقيته إلى رأسي وطلب منّي أن أقفز، فالقرار سوف يبقى قراري وأنا الذي سأتّخذه. بالإضافة إلى ذلك، إذا سقطت أو قفزت ومن ثمّ كسرت عنقي، فلن يكون محتوماً عليّ أن تكسر عنقي. حتى لو وقع هذا الحادث الصعب بسبب قوانين الطبيعة، فليس هناك قانون حول فلاسفة يكسرون أعناقهم، كما لا يوجد قانون حول جول ماركس على وجه الخصوص. ما يحدثُ، يحدث بشكل قانونيّ تحت وصفٍ ما أقلّ نوعية، مثل تسارع الجسم الساقط بسرعة 32 قدماً في الثانية. لقد حدث ما يخصّني ليكون جسمي في تلك المناسبة.

هذا عزاء صغير، ولكنّه كلّ ما في الأمر. رغم ذلك يمكن أن يكون لهذا تأثير كبير على مشاعرنا، الأمر الذي أشار إليه سبينوزا. وهكذا لنفرض أنه حُدّد “مسبقاً” أنّ كتابي القادم سوف يكوّن سمعتي، فهذا ربما بسبب أنني قرّرت أن أستعجل به… أو أنني لا أفعل ويصدره أشخاص آخرون أوّلاً، ولكنّ كتابهم لا يقدّر حقّ قدره لأيّ سبب كان… أو يشتهر كتابهم ولكنه فقط يعبّد الطريق لكتابي ليصبح مثاراً للإعجاب والتقدير وكأنه العلاج النهائي. ببساطة لا يهمّ كيف غيّر الكل مساره أو ما الذي غيّر مساره ـ ما سيكون سيكون، وفي إحساس غريب نوعاً ما لكنه صحيح وحرفيّ، وموجود سابقاً، اعتقد ليدبيرغ(3) أنّه خسر السباق عبر المحيط الأطلسي، ولكن الآخرين انهاروا لاحقاً في الطريق، لذلك… أستطيع أن “أسترخي”.

نعم، قد تكون هناك المفارقة الساخرة بأنّ هذا الاستنتاج يفقدني أكاليل الغار عبر إقناعي بأنّي لا أحتاج إلى السرعة في العمل. لكنه بدلاً من ذلك يمكن أن يحضرها إليّ، دعونا نقل لأنني إذا سرّعت العملية، فكتابي لن يكون مقنعاً تماماً بما يكفي لإغراء النقّاد…. أو سيكون الكتاب جيّداً بما فيه الكفاية، لكنه ظهر بالضبط عندما كان البلد أو العالم منشغلاً بمسألة أخرى تحوّل الانتباه تماماً لفترة طويلة بما يكفي لموت نظريات كتابي على المدى الطويل. النتيجة هي ما يلي: أنت لا تستطيع أن تفهم مسار الأحداث بل تستطيع فقط أن تلعب دورك فيها.
أنا (لا أستطيع المساعدة لكن) أشعر بأنني محظوظ لأنني كنت محدداً سلفاً لتحقيق ذلك ولرؤية النصف الملآن من الكأس بحيث أجرّب الاتزان ورباطة الجأش.

{{هوامش المترجم:}}

1ـ الجملة في الأصل الانكليزي: I lurve to write. وكلمة “lurve” يقصد بها المبالغة في الحبّ أي أكثر من الحبّ، وغالباً بمسحة كوميدية.

2ـ رقص القديس فيتو Saint Vitu’s Dance هو مرض عصبيّ يتميّز بحركات سريعة غير هادفة، ناتجة عن تقلّصات عضلية غير إرادية.

3ـ تشارلز ليدبيرغ Charles Lindbergh هو أوّل من عبر الأطلسي بمفرده، بطائرة من تصميمه في 20 أيار 1927.

{{
* جول ماركس هو أستاذ فخري في الفلسفة في جامعة نيوهيڤن في هاڤن الغربية في ولاية كونيكتيكوت. يمكن الاطلاع على المزيد من مقالاته في موقع www.moralmoments.com.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق