أدونيس والطاويّة


ما الذي يدفع أدونيس إلى الطاويّة ؟

نلاحظ في مستهلّ هذا المقال أنّنا نأنس إلى ما استتبّ في الدراسات الحديثة من أنّ التأويل اللّعبيّ للفنّ استئناف لإنشائيّة الأثر، وأنّ الأثر الفنّي هو نفسه ينطوي على دلالة هيرمينوطيقيّة، أي هو في صميمه ذو طبيعة “قرائيّة”؛ فهو لا ينشأ كتابةً أو تشكيلا أو تنغيما.. ثمّ يُقرأ. إنّما هو ينشأ منذ البداية قرائيّا، ينشأ وهو يَقْرأ موادّه وخاماتِه وكلّ ما يدور في فضائه. لكنّه يقرؤه أساسا بحسب ما تمليه عليه طبيعة جنسه، وبحسب ما يستعيره من عناصر من الأجناس الأخرى، فلا يمكن أن ننفي في نصّ مثل نصّ أدونيس لا يساورني شكّ في قيمته،التراسل أو التجاوب correspondance أو التناصّ intertextualité.

ومع ذلك نتساءل:هل هي المقارنة المغرية التي يمكن ان تعقد بين الطّاوية والتّصوّف هي التي تغري أدونيس ب”الطاويّة” ؟ ربّما. فالكلمات الثلاث التي تدلّ عليها الطاوية:الطريق والنّهج والقول، ذات مكانة بارزة في اصطلاحات التصوّف العربي الإسلاميّ. فقد توصّل هذا التصوّف إلى تنمية تقنية روحانيّة عرفت باسم “العرفان”( تتمثّل ثلاثية مكوّنة من الشّريعة (النصّ الظاهر للوحي) والطريقة (السّبيل الصّوفي) والحقيقة (الحقيقة الروحانيّة التي تتجلّى في ما يسمّى بالشطح الصّوفي).

(للتوسّع انظر ” تاريخ الفلسفة الإسلاميّة – هنري كوريان – الفصل . 6 التصوف)

وإذا كانت كلمة “الطاو” ذات إيحاء دينيّ إذ هي تدلّ أيضا على المعرفة والقدرة اللتين تمكّنان الأرض والسّماء من الاتّصال، فإنّ التصوّف الإسلاميّ من حيث هو ظاهرة روحيّة يجعل من المعراج النّبويّ الذي تعرّف به النبيّ الأسرارَ والغيوبَ الإلهيّة في “الميثيولوجيا” الإسلاميّة، نموذجا حاول بلوغه جميع المتصوّفة. وفي الطاوية تنزع الأشياء الى الطاو بحاسة العشق الذي في داخلها. فالطّاو كإله المتصوّفة هو المعشوق والمحبوب والطاوية كالصوفيّة ترى في الجماع تغذية للحياة وليس أمرا نجسا أو معيبا.

(راجع كتاب التاو – و H suan tsaisu- nu ” les points du plaisir sescuel d’après la tradition chinoise – marabout – 1982)

يقول الجنيد: “أحتاج الى الجماع كما أحتاج الى القوت.” والمتصوّفة كانوا يستكثرون النكاح لأجل فراغ القلب وتقويته على العبادة … والطاوية كالصوفية تولي عناية كبيرة لآداب الجماع وتساوي بين الرجل والمرأة من حيث اللذة فتلحّ على استثارة المرأة وتشترط مشاركة إيجابيّة بين الجنسين.

لم تصدر الترجمة العربية لكتاب “الطاو” أو “التاو” إلاّ عام 1981، في حين أنّ تداخل نصوص ادونيس مع الطاوية بدأ مع مجموعته ” كتاب التحوّلات والهجرة في أقاليم النهار والليل ” ( 1961- 1965 ) غامضا خفيا، ثمّ واضحا جليّا في ” مفرد بصيغة الجمع ” ( 1973 ). وفي ” تحوّلات العاشق ” المنشورة في الستينات، تحيل بعض الصور على كتاب الطاو الصينيّ. ومن المحتمل أن يكون ادونيس اطلع على هذا الكتاب في ترجماته الفرنسية .يقول الطاو:

” فرّغ نفسك من كل شيء
ودع الذهن يخلد الى السلام

تنمو الإشياء وتزدهر وتنكفىء من ثمّ الى المنشا …

وحيث تكون ملكيا تكون الهيا

وحيث تكون الهيا فانت مع الطاو يدا بيد

وكونك مع الطاو يدا بيد هو السرمد

يزول الجسد وتبقى الطاو . ” (كتاب التاو – ص 61 ، ترد كلمة ” تاو ” او ” طاو ” في صيغتي للمذكر والمؤنث)

ويقول ادونيس :

” شمس العاشق تتدلّى ويحنيها النوم

يلزم أن ياخذ الغيب عطلة الحصاد والزرع

أن يسيح وجهي في روح الدنيا …

يذهب الجسد وتبقى شريعته، فماذا تفعل أيّها الحبّ؟

أعارض الارض . “( تحولات العاشق – ص 534 و 536 و 537)

يقول الطاو:

” بعد بلوغ اللذة تتعاشق النار والماء

عندما يتعاشق الماء والنار

فإنّ كل العناصر تكون في حالة توازن

وتكون المعاشرة قد اثمرت . ”

ويقول ادونيس:

” يغلبني الحال

ادخل صحراء الجزع هاتفا باسمك

نازلا الى الاطباق السفلى

في حضرة العالم الاضيق

اشاهد النار والدمع في صحن واحد …

وتسكر أحوالي

هكذا يقول السيد الجسد ”

في قصيدة “تكوين” تقوم أدلّة كثيرة على ترجيح هذا التداخل النصّي. وقد نقّح أدونيس هذه القصيدة فحذف وأضاف. (انظر الاعمال الكاملة). وقد اعتمدنا الطبعة 4 الصادرة عام 1985، والطبعة القديمة لـ “مفرد بصيغة الجمع” (د.ت). ولا يهمّ كثيرا قول أدونيس في تصديره للأعمال الكاملة “كلّ ما لم أثبته في هذه الطبعة الجديدة من أعمالي الشعرية الكاملة أتخلّى عنه. والسؤال: يتخلّى عنه لمن؟ إنّ من حقّ القارئ أن يعتمد النصّ ما دام يحمل اسم صاحبه، وأن ينسبه إليه، بغضّ النظر عن أيّ اعتبار آخر.

القصيدة تنتمي إلى مجموعة أدونيس ” مفرد بصيغة الجمع”. والعنوان يمكن أن يحيل الى التصوّف الإسلاميّ و”الإشارات الالهية ” بالتحديد، مثلما يمكن أن يحيل إلى” الطاو ” فالقوّة التي تفيض من المبدا الأوحد فتتولّد منها إلى الأشياء هي في “الطاوية” الأقنوم الثاني الذي يولّد الاشياء بالتّركيز والاتساع المتعاقب.

إذا تخطّينا العنوان الى القصيدة الأولى (تكوين) وجدناها ترسم في مقاطعها الأولي صورة الجسد في مرحلة النشوء و تحدد وظائف أعضائه، في لغة هي مزيج من الشعر والفلسفة إذ تجمع بين الرّموز والمفاهيم.

والتكوين اصطلاح فلسفيّ ودينيّ بالأساس، يعني البحث في بداية الكون والأشياء. وهذا البحث كان دائما أحد الموضوعات التي استأثرت باهتمام الفلسفات القديمة والأديان: كيف تشكّلت المخلوقات ومن أين أخذت صورها المتنوّعة؟ الطاوية ترى أنّ المبدأ ينتج باستطالة لا تنفصل عنه.والكائنات هي استطالاته التي لا تنقص منه شيئا. وتشبّه الطاو بزقّ ذي طرفين على هيئة منفاخين ينفخان دون أن يستنزفا نفسيهما بشكل متناوب ودون توقف:

” السّماوات والأرض وما بينهما تشبهان المنفاخ، لكنّهما لا تنطويان: يتغيّر الشكل ولا تتغير الصّورة”.

وتضيف الطاوية فتقول إنّ الاستطالة هي الأمّ الخفية لكلّ الاشياء:

“أرواح الوادي لا تموت

فهي المرأة … الأمّ الأولى

مدخلها جذر السماوات والأرض

كأنها برقع لا يرى.”(كتاب التاو ص.56)

وتربط بين الفراغ والأمّ الاولى، فكائن الطاو هو الفارغ المفرد المتعدّد الذي لا ينتمي الى مكان بعينه ولا زمان بعينه،إنّما ينتمي الى كلّ الأمكنة وكلّ الأزمنة. وقصيدة “تكوين” التي تمهد لقصيدة “جسد” تحمل مقاطع كثيرة ذات ملامح من الطاوية، دون أن يعني ذلك أنّ ادونيس يتقبـّل رؤية الطاو الفلسفية* (ونحن نستشعر ميلا إلى القول بعلاقة ما بين مجموعة أدونيس ” مفرد بصيغة الجمع ” و قصيدة عبد الكبير الخطيبي : “lutteur de classe a la maniere taoiste –Sindbad –Paris – 1975

و قد يكون أدونيس اطلع على الطاوية من خلال هذه القصيدة . و اللافت أنّ مجموعة أدونيس صدرت بعد 1975 اذ ذيل الشاعر الصفحة الأخيرة من قصيدة ” سيمياء ” ب ” ( بيروت 1973 – 1975 )

والحقّ هي رؤية يحاول أدونيس أن يصلها بالموروث العربي.

يقول أدونيس:

لم تكن الأرض جسدا. كانت جرحا.

كيف يمكن السفر بين الجسد والجرح

كيف تمكن الاقامة؟

أخذ الجرح يتحول الى أبوين والسؤال يصير فضاء

اخرج إلى الفضاء أيها الطفل

خرج علي …

وكانت الارض بسيطة يابسة باردة

تتحرّك بلون أغبر أدكن ليظهر النور

ويتمكّن الحيوان من النظر … “( قصيدة ” تكوين ” – ص 497)

البداية تتشكّل من شيء سابق هو الأرض من حيث هي المصدر والأصل. هذه الأرض ليست جسدا أي ليست مادّة. هي جرح يلتئم في أبوين، في ذكر وأنثى. ومن هذين الزّوجين تتشكّل صورة الطفل “علي”. ولا ينبغي أن ننسى أنّ اسم “عليّ”” هو اسم أدونيس، مثلما هو اسم محفوف بقداسة مثيرة عند المسلمين سنّتهم وشيعتهم.

ينهض عليّ بنهوض الكون، ويخرج بخروجه. لكنه ليس خروجا من لا شيء. فهناك مرحلة نموّ اكتملت في صمت ومرحلة جديدة بدأت تعلن عن نفسها. إلاّ أنّ الصورة ليست بهذه البساطة.

فالأرض في نص أدونيس “جرح” ومن رموز الجرح كونه علامة على الكينونة التي بدأت بالانفصام. و”التاو” يقول إن السماء والارض كانتا في البدء رتقا، ثم أخذتا تنفتقان، فظهرت الفصول الاربعة وتوالدت الأشياء (يجد هادي علوي شبها بين هذه الصّورة والآية القرآنيّة “أو لم ير الذين كفروا أنّ السّموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ” – سورة الانبياء) :

“… غير المسمّى هو مبتدأ السماء والأرض

هذان الاثنان ينبثقان من أصل واحد

ويظهر ذلك قبل الظلمة

ظلمات بعضها فوق بعض …

” يغمره غور كالقبّة المنخرطة

يرتفع منه سحاب

تترادف عليه ثلوج

ويخرج من أسافله ماء ذهبيّ

وربّما خرج ما يثير الغبار

والنبات والهشيم

ثم يستطيل

يتوهم أنه أمكنة وأزمنة….”

ثم تتداخل القصيدة مع نصّ أفلاطون في ” تيماوس ” على ما بيّنّا في مقال سابق ب”الأوان”.(أدونيس في ضيافة أفلاطون والغزالي
تاريخ النشر: 2008-02-14)

غير أنّنا لا نحبّ أن نختتم هذا المقال دون الإشارة إلى أنّ رؤية أدونيس الشعريّة تنسجم كثيرا وهذا النّوع من التداخل النصّي.

فأدونيس يرى أنّ القول بضرورة الفصل بين الشعر والفكر أوالفلسفة قول قديم، لم يعد من الممكن تسويغه اليوم ، فالشعر ” فلسفة من حيث انّه محاولة اكتشاف أو معرفة الجانب الآخر من العالم أو الوجه الآخر من الأشياء أي الجانب الميتافيزيقي كما نعبّر فلسفيا. كل شعر عظيم لا يمكن، من هذه الزاوية، و بهذا المعنى إلاّ أن يكون ميتافيزيقيا”** (أدونيس– زمن الشعر – الشعر و الفلسفة ” – ص 173- 175 ).

ملاحظة:

ـ *لا بدّ من الإشارة ـ كي لا نظلم أدونيس إلى ـ أنّ هذا التداخل يمكن أن يعبّر أيضا عن تشبّع ببعض الإحداثيّات الفلسفيّة الحديثة والمعاصرة التي تتجاوز القول بأحاديّة الذّات sujet أو بساطة الهويّة identité وترى إلى الإنّيّة eccéité باعتبارها وجودا مركّبا سواء أكان تعبيرا عن تعالق بين النّفس والجسد (سبينوزا)، أو عن تواشج بين الوعي واللاّوعي (فرويد)، أوعن تداخل بين الفرديّ والجمعيّ (دوركايم)، أو عن التباس بين الأنا والآخر (لفيناس)، أو عن تنافذ بين المقول والمسكوت عنه (فوكو)، أو عن غير ذلك عن من هذه المركّبات لا الثّنائيّات لأنّ الأمر لا يتعلّق بتقابلات oppositions وإنّما بانصهارات fusions.

ـ** هذه الصلة القائمة بينهما لا تنفي أنّ لكلّ منهما لغته الخاصة فالفلسفة تعبر بالمفاهيم وبالتصورات بينما الشعر يعبر بالرموز والاشارات. هذا إذا ما استأنسنا بالتّمييز الذي يجريه Gilles Deleuze بين المفهوم concept من حيث هو آليّة تخصّص الفلسفةَ وبين المؤثّر الإدراكيّ percept من حيث هو آليّة منفصلة عن الإدراكات وتُخصّص الفنَّ(Gilles Deleuze et Félix Guattari, Qu’est-ce que la philosophie ? Editions de Minuit, 1991, p154 àp.188.)، دون أن تختلط بالضّرورة بنماذج إدراكيّة واقعيّة أصليّة حتّى وإن كانت تحيل إليها، بين المفهوم من حيث مركّب متعدّد المكوّنات ويحيل دائما إلى مشكل، وبين المؤثّر الإدراكيّ من حيث هو يتعهّد الخطاب الفنّي في استقلاليّة عن تجربة الفنّان الأصليّة دون أن يلغيها بالضّرورة؛ لكون الأمر يتعلّق بمضاعفة للواقع باستمرار. وبعبارة أخرى، ودون أن نتقيّد تماما بالمعجم الدّولوزيّ، فإنّ احتكام الفلسفة إلى لغة مفهوميّة معقودة على صور ذهنيّة مجرّدة لا يحول دون التقائها بالفنّ –بما في ذلك الشّعر- الذي يحتكم إلى لغة إدراكيّة، أي لغة ذات أنساب تشدّها إلى التّخييل كتحويل مخصوص لصور حسّية، لغة ترمي إلى الاضطلاع بمهمّة الكشف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This