أرابيسك محمّد عفيفي مطر:

رحل محمّد عفيفي مطر وترك لنا قصيدة  لا تزال تحتفظ  بالكثير من وجوه إغماضها، قصيدة  تقاوم، كما هو الشأن عند أدونيس أو حتى عند أبي تمّام قديما، كلّ أنماط القراءة التجزيئيّة. والإغماض ـ مثلما نبّه عليه حازم القرطاجنّي ـ يمكن أن يرجع إلى المعنى نفسه عندما يبنى على مقدّمة في الكلام يصرف الفهم "عن التفاتها بعد حيّزها من حيّز ما بني عليها أو تشاغله (الشّاعر) بمستأنف الكلام عن فارطه أو غير ذلك ممّا شأنه أن يثني غروب الأفهام كليلة قاصرة عن تحقّق مفهومات الكلام". أو عندما "تفرط العبارة في الطّول فيتراخى بعض أجزائها عمّا يستند إليه وما هو منه بسبب فلا يشعر باستناده إليه واقتضائها له لا سيّما إذا وقع في الكلام اعتراضات وفصول وكان مشتملا على أشياء يمكن أن ترجع إلى كلّ واحد منها ذلك الشيء". غير أنّنا لسنا بصدد عرض نظريّة حازم، وإنّما هي فسحة يتيحها لنا شعر عفيفي.

 والكلام عند القرطاجنّي درجات ومراتب يضع بعضها فوق بعض. وهو الذي يرى أنّ المعاني أربعة أنواع "منها ما يقصد أن تكون في غاية من البيان… ومنها ما يقصد أن تكون في غاية من الإغماض، ومنها ما يقصد أن يقع فيه بعض الغموض، ومنها ما يقصد أن يبان من جهة وأن يغمض من جهة". وحاصل قوله أنّ الكلام نوعان : أحدهما مداره على وجوه الإغماض المعنويّة أو العباريّة. وذلك في الأقاويل التي يقصد بها الكنايات والإلغاز. والآخر يقصد فيه الإبانة والتّصريح. ولا نظنّ أنّ هناك من يجادل في أنّ شعر عفيفي ينضوي إلى النوع الأوّل.

 
 وهو من هذا الجانب يستدعي  قراءة نصّية سياقيّة تباشر الصّورة في كلّيتها أو تعطفها على سابق أو لاحق، لا الاقتصار على صور نتخطـّـفها من قصائده الطويلة. فهذا أمسّ  بسياق البيت لا القصيدة. أكثر هذه الاستعارات استعارات أو صور كلّية يتوقّف فهمها على كلام سالف أو لاحق، بحيث تتظافر أجزاء المعنى في صياغة المعنى الكلّيّ. لكن لا يذهبنّ في الظّنّ أنّ الصّورة في هذا الشّعر كلّية أبدا، أو أنّ لها في كلّ قصيدة أصلا تترتّب عليه وتتفرّع منه، بحيث يستغرق أفراد الصور وعموم أجزائها؛ فثمّة صور غير قليلة تتلبّس بالسطر أو الجملة الشعريّة، وتكاد لا تبرحه إلى فضاء القصيدة، وهي أشبه بصور قرائن يستقبل بعضها بعضا. بل أنّ "الأصل" نفسه لا وجود له في صورته المطلقة، وإنّما وجوده في تقيّده بالاستعارة. بل ربّما تخفـّى في أحد مجازاته المفردة، فإذا أردنا بيان علاقة هذا المجاز بالأصل أو بباقي المجازات، امتنع ولم تبن صلة النّسب بين هذا وذاك. على أنّ غياب القرينة لا ينبغي أن يحمل في كلّ هذه الصّور الاستعاريّة المشكلة على أنّه قرينة غياب.

ذلك أنّ الصّورة الكلّية، وهي من مكوّنات إنشائيّة الخطاب تقوم على ترتيب وحدات صغرى وتركيبها وفق خطوط مرسومة لها، تنزع إلى "الأصل" أو "النّواة" بصورة منتظمة. غير أنّ بعضها يظهر بارزا وبعضها الآخر غائرا، ممّا يجعل تناظرها أمرا لا يتبادر إلى ذهن الناظر فيها؛ وبخاصّة كلّما حصر بالصّورة الصّغرى أو الوحدة الصّغرى في دائرة البيت المفرد.

 
قد يسوغ إذن أن نعتبر الصّورة الكلّية "صورة كتابيّة" بالمعنى الأصل لـ"كتب" أي ضمّ شيء إلى شيء وتوثيقه، وليس الكتابة من حيث هي خطّ شيء على شيء. بل قد نعتبرها ضربا عن "فنّ التّوريق العربي" أو الأرابيسك.
على أنّ هذا استنتاج نأتيه على حذر حتى  لا يقع في الظن أنّنا نختزل قصيدة عفيفي  في مجرّد طابع زخرفيّ "هندسيّ" أو  نزعم أنّها كتابة مستفرغة  من أيّ همّ إبلاغيّ، مجرّدة من "النّفعيّة"، أو هي تنزع إلى المتعة الخالصة أو إلى ما أسماه القرطاجنّي محاكاة "المحاكاة".
 
إنّ كثيرا من  الصّور  المشكلة في شعر عفيفي  شأنها شأن "التّوريق" نصّ "قابل للقراءة" و"غير مقروء" في ذات الآن، فهي محكومة  بعقليّة رياضيّة دقيقة من حيث التّناسق والتّناظر والتّداخل والتّشابك والتّماثل والتّقابل ـ وهذه من أهمّ مميّزات "التّوريق"ـ الأمر الذي يجعل قراءة هذه الصّور ممكنة.  
 
وهي "غير مقروءة" شأنها شأن "التّوريق"؛ لأنّ أساسها كتابة "لا نموذجيّة" أو"لا قياسية" قد لا تعدو دلالتها المتعة الخالصة : متعة تجميع الحروف والعناصر النّباتيّة والأشكال الهندسيّة في"التّوريق" حيث لا رابط في الظّاهر من شكل أو من معنى يسوّغ إلحاق حرف بعنصر نباتيّ أو بشكل هندسيّ إلا أن يكون ذلك نابعا من أساس الكتابة المادّيّ، وهو أساس الرّسم والنّقش والتّصوير، ومتعة التّلعّب بالمستعار منه والمستعارله في الصّورةالكلّيّة حيث تتّصل الوحدات الصّغرى (الصور الجزئيّة) بوحدات مماثلة لها تجاورها أو تعلوها أو تدانيها أو بصور متقابلة أو متعاكسة؛ وتنتظم كلّها في هيئة واحدة محكومة بنظام هندسيّ "صارم"،وعقليّة رياضيّة "دقيقة".
 
فلعلّ الموضوع الرّئيس في الصّورة  و"التّوريق" كليهما هو مجلى "روح الكتابة" ذاتها أو"جوهرها"؛ أي الكتابة التي لم تخلص في ثقافة العرب المسلمين من المثال "الأنطولوجيّ" بسبب من ارتباطها بالقرآن من حيث هو "الكتاب الأمّ"، الذي لا يفتأ يذكّر الإنسان بأنّ الكون نفسه كتاب يمكن أن يتآلف في بنية واحدة كلّيّة إذا استطاع أن يفكّ رموزه وينفذ إلى دلالته على قدرة الخالق وحكمته في المنظور الدّينيّ. بل هو يستطيع أن يحتذي هذه البنية ويضاهيها إذا استقامت له جودة الآلة وإصابة الغرض المقصود وصحّة التأليف والانتهاء إلى تمام الصّنعة أو ما أسموه العلّة الهيولانيّة والعلّة الصّورية والعلّة الفاعلة والعلّة التّماميّة". وهذه الخلال الأربع ليست في الصّناعات وحدها بل هي موجودة في جميع الحيوان والنبات".

 ومن ثمّ كانت اللّغة عندهم أو "ألفاظ الشّاعر"  صورة من الهيولي الأولى التي يعنون بها "الطّينة التي يبتدعها الباري تبارك وتعالى ويخترعها ليصوّر ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جمل أو غيرها من الحيوان، أو برّة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النّبات". وقد لا يخفى أنّ نزعة كهذه تنهل من نبع دينيّ أو ميتافيزيقيّ وتقوم على العرفان مقابل البرهان العقليّ، تجعل من بلوغ الكمال الجماليّ أنطولوجيّا ومعرفيّا ممكنا، كلّما توخّى "الصّانع المخلوق" إعادة إنتاج أصل معطى له سلفا، أي هذه اللّغة أو الألفاظ التي " يستجيدها ويتخيّرها" الشّاعر وكأنّها مجرّد وعاء للفكر أو الشّعر وليست الفكر أو الشّعر ذاته. فهو إذن صانع لا يكتفي بأن يتلقّى عنه، بل يتلقّى هو أوّلا مادّة بنائه فيتخيّر جيّدها ويلفظ رديئها؛ حتّى إذا تمّ له ذلك كان كمن "وجد آجرّا وجصّا فبنى" بعبارة الفرزدق.
 
وفي هذا وغيره، دليل على الأثر العميق الذي تركته ثقافة "النّصّ"(القرآن) والنصّ الصوفي في رؤية  عفيفي الفنّية، وكأنّ العمل الفنّيّ  يتعلّق بالكلمة (اللاّوغوس) أكــثر ممّا تتعلّق بالعالم الطّبيعيّ،أو أنّ العالم نفــســه صحائف متناثرة و"كـلــمـة" و"كتاب" يتملّى فيه "الصّانع المخلوق" قدرة "الصّانع الخالق" وحكمته، بل إنّ الصّنعة تشهد، ما ائتلفت في بنية واحدة كلّيةّ، للإله الخالق المتعالي الذي لا يوصــف ولا يمكن إدراكه، وكأنّها برهان على وجوده Preuve ontologique .

ومن هذا الجانب قد يصعب القول بمتعة فنّية خالصة في الفنّ الإسلاميّ عامّة إذا نحن لم نر فيه إلاّ هذا العالم المثاليّ المفارق عالم المطلق الإلهيّ؛ مع أنّ المتعة نفسها حقيقة عمليّة نفعيّة. أمّا إذا أخذنا بالاعتبار أسـاس هذه الكـتـابـة "اللاّنّموذجيّة" أو      "اللاّقياسيّة " في "التّوريق" وفي الصّورة الكلّيّة المشكلة  كليهما، فنذهب في قراءتنا أبعد من اختزال العلاقة بينهما  في الطّابع الزّخرفيّ.
 بل يمكن أن نعّده فنّا "أيقونيّا". ولكن ليس بالمعنى المسيحيّ حيث الحفر في الخشب أو في المعدن يمثّل مشهدا دينيّا. فوظيفته ليست تعبّديّة وإنّما هي جماليّة تخييليّة تتأدّى في سياق مراوحة دؤوب بين أشكال شفهيّة وأخرى كتابيّة.

  على أنّنا لا نحبّ أن نتورّط في إشكالات الأصل والمبتدأ والمنشأ وما يتفرّع عنها من قضايا تأثّر الفنون العربيّة الإسلاميّة بعضها ببعض، وتأثير بعضها في بعض استئناسا بـ  "القانون التّواضعيّ التّوالديّ" في وحدة هذه الثّقافةـ بعبارة الفاضل بن عاشور، فلسنا مؤهّلين للخوض فيها ولا هي من مقاصد بحثنا. إنّما ساقنا إلى هذا التوريق" ما لمسناه من صلة لطيفة بينه وبين الصّورة  الكلّيّة القائمة على أساس من الاستعارة المكنيّة  حيث  الوظيفة الجماليّة التّخييليّة هي الأظهر على ما يبدو. ولعلّها  وظيفة "الحسن" التي تجمع إلى محيط دائرتها، كلّ عناصر الرّسالة،  وكثيرا ما تحدث في الصّنعة جملة من المعاني اللّطيفة المستغربة؛ خاصّة أنّ عملها يتّسع للصّورة بنية ونغما وإيقاعا، الأمر الذي يضعنا في سياق مراوحة دؤوب بين أشكال "شفهية" وأخرى "كتابيّة"، ويوقفنا على اتّحاد تامّ بين "الشّكل" و"موضوعه" كما هو الشّأن في الموسيقى؛ حتى ليتعذّر أن نخلّص هذا من ذلك، ولو على مقتضى إجراء منهجيّ لا غير.

 ففي "التّوريق"مثلا غالبا ما تصرفنا الصّورة عن العناصر الطبيعيّة المألوفة إلى زخرفة محوّرة عن الطّبيعة، أساسها مزج الطّبيعيّ بالخياليّ. وكأنّ مسعى الفنّان يكمن في تحرير هذه العناصر من سلطان المادّة "الفانية" بتحويرها وفق نظام هندسيّ خاصّ مظهرا وتكوينا. وفي الشّعر الذي نحن به يمكن أن نلحظ هذا المسعى في أكثر من صورة من هذه الصور التي  تتميّز بظاهرتين لافتتين: قابليّتها للانشطار والتّفرّع، من جهة، وتجمّع عناصرها وأجزائها بشكل دائريّ حول نواة واحدة، من أخرى. ولعلّ هذا المظهر في إنشائيّة الصّورة  أن يكون على وشيجة بعنصرين زخرفيّين أثيرين في فنّ التّوريق هما : المروحة النخليّة والزّهرة. Rosette et Palmette
  
أمّا التفرّع فمردّه في تقديرنا، إلى أسلوب مطّرد في الشّعر العربيّ عامّة قديمه ومحدثه هو حذف الموصوف أو تحرير الصّفة من موصوفها  إذ ينصرف الشاعر عن الموصوف إلى صفات تتمحّض للاسميّة، ولكن دون أن يستبهم الموصوف تماما إلاّ في الصور "المشكلة".
 وعدا ذلك فإنّ النّواة التي تتجمّع حولها الصّفات، تقوم دليلا على حذف الموصوف. وهو دليل مقاليّ قائم على التّقدّم في الذّكر؛ الأمر الذي يجعل حذف الموصوف يؤدّي الدّور الرّابطيّ الذي هو لظاهرة الحذف، في الجمل الأقرب إلى النّواة، حتىّ إذا ابتعدت الصّفات عنها موقعا ومناسبة ،تحرّر الحذف من دوره الرّابطيّ؛ فقد تمحّضت الصّفة للإسميّة وخلصت لها، كما هو الشّأن في الأسماء الحسنى التي حلّت محل الأسماء الدّالّة على الذّات الإلهيّة.

 على أنّ الذي يعنينا ممّا تقدّم، أنّ هذه الصّلة اللّطيفة بين التّوريق والمحدث الشّعريّ القديم (أبوتمّام) والحديث (عفيفي وأدونيس) ـ ونذكّر بأنّنا نقرّرها بشيء من الحذر ـ تظهر أكثر ما تظهر في نمط الصّورة الكلّية، مثلما تظهر في أساليب صياغتها. ومن هذه الأساليب حذف الموصوف أو ما  يمكن أن نسمّيه تحرير الصّفة من موصوفها. وفي هذا ما يغري بالقول إن صنيع الشّاعر شبيه بصنيع الفنّان"الورّاق" ـ إن صحّ لنا هذا الاشتقاق ـ فمثلما يحرّر "الورّاق" عناصر الطّبيعة من مادّتها، ويحوّرها بالاعتماد على صفتين من أظهر صفاتها هما الحركة واللّون، يعمد الشّاعر إلى هذا الضّرب من الحذف. وحسبنا هاهنا أن نشير إلى ما أسماه القدامى "لغة الضّرائر" وما نؤثر نحن أن نسمّيه "نحو الشّعر". فالشّاعر"لا يذكر الأشياء التي تتراءى للعيان وإنّما يذكر خيالاتها وأمثلة لها متوهّمة".

وهذا الكون المتوهّم هو ذاته الذي نقف عليه في فنّ التّوريق حيث العناصر الطّبيعيّة المحوّرة صورة موازية للعناصر اللّغويّة المحوّرة. وإذا أضفنا إلى هذا ما يردّده المعاصرون من أنّ "الواقع ليس أكثر من "بنية جوفاء"، أمكن أن نمسك بالخيط الذي يتجاذبه فنّ القول عند بعض الذين ذكرنا، وفنّ التّوريق كلاهما؛ ونعني به "كراهيّة الفراغ" وطريقة كلّ منهما في ملئه. وهي لا تخرج في كليهما عن هذا الكون الشّعريّ المتوهّم؛ وكـأنّه فضاء الكمال الجماليّ مقابل الفضاء الواقعيّ حيث الأشياء "النّاقصة"   إلى زوال وفناء.

 ففي التّوريق يحقّق مبدأ التّرابط اللاّنهائيّ بين الأشكال المتناظرة، للفنّان رغبة في بسط الزّخارف على المساحات الكبيرة الممتدّة، وهو يراعي في الأوراق أن تملأ الفراغ بين الأغصان المتموّجة، وأن تتناسب في أحجامها وأوضاعها تماثلا وتقابلا. وفي المحدث القديم والمعاصر تنهض بملء الفراغ إمّا صنوف البديع والبيان من جناس وطباق وتشبيه واستعارة كما هو الشأن عند أبي تمّام، أو الرموز والأساطير وتسلسل الصور كما هو الشأن عند عفيفي أو أدونيس؛ وما يتّصل بذلك كلّه من ضروب التّوهم والتّخيل والإيهام والتّخيّل، والتّرخّص في القرائن من حذف وإضمار والتفات وتقديم وتأخير. وربّما أفضى ذلك إلى نصّ قلق مزدحم العناصر والصّور، لا يكاد القارئ يحمله على معنى حتى يندّ عنه. فقد تحجب هذه المكوّنات الأسلوبيّة الفنّية أو البلاغيّة النّحوية على النّصّ بدل أن تبين عنه، وبخاصّة كلّما اطّردت فيه وتكثّفت على نحو ما نجد في أكثر هذا الشعر. فعندئذ يكون النّصّ، شأنه شأن الزّخارف الجداريّة، أشبه بمتاهة تضلّ فيها العين ومظنّة لانصراف الخواطر في فهمه إلى أنحاء من الاحتمالات شتّى. وإذا نحن إزاء خطاب يقاوم قرّاءه، على نحو ما يقاوم سلطان الواقع أو التّاريخ. وربّما ليس  أدلّ على ذلك من كونه قابلا أبدا لتعدديّة التّأويل poly-interprétable    .
ولشتّى ضروب القراءة يما فيها تلك التي قد تعتبره "هذرا" و"تخليطا" و"سواسا" كما كان يقول الآمدي عن شعر أبي تمّام، وكما قد يقول بعضنا اليوم عن شعر عفيفي أو أدونيس.


هوامش:

ـ التوريق العربيّ هو ما يسمّيه الأروبيّون "أرابيسك"  وهو اسم أطلقوه على الزّخرفة الإسلاميّة. ومن العرب المعاصرين من يسمّيه " الرّقش العربيّ" و" التّوشيح العربيّ "و"التّوريق ".ومن اللاّفت أنّ الأسبان والبرتغاليّين يطلقون على هذه الزّخرفة
 Atauriqueكلمة
وهي مشتقّة من الكلمة العربيّة "التّوريق ".ونحن نؤثر هذه التّسمية ؛لأنّها تعبّر عن طبيعة العناصر التي تكوّن هذه الزّخرفة.انظر خالد خليل حمّودي الأعظمي، الزّخارف الجداريّة في آثار بغداد ،دار الرّشيد للنّشر 1980ص.138.

 ـ يذهب البعض إلى أنّ مفهوم "النّصّ" في ثقافة العرب هو بعكس المفهوم الأوروبي لنفس الكلمة التي تعني في جذرها اللّغويّ النّسيج الذي يمكن تفكيكه. انظر مهدي بندق، الكتابة  وثقافة الإذعان، ضمن الأدب العربيّ والعالميّة، المجلس الأعلى للثّقافة مصر 1999. وهناك علاقة بين النّسج / النّصّ، والعرب كثيرا ما شبّهوا الصّنعة الكلاميّة بصناعة النّسيج منذ الجاهليّة. انظر ابن سلام ص.38 والصّناعتين ص.43.ولعلّ نظريّة عبد القاهر في النّظم، خير دليل لذلك.ويمكن القول إنّها تمثّل موقف العرب الجماليّ العامّ، إذ هو لا يفصل بين أنواع الفنون المختلفة كالنّقش والتّصوير والصّياغة وما إليها. ومفهومه للنّظم إنّما تمثّل له في كلّ هذه الفنون ومن بينها فنّ القول. انظر عز الدين اسماعيل الأسس الجماليّة في النّقد العربيّ،صـ239
  حازم القرطاجنّي المنهاج ص.94
 ـ الآمدي،الموازنة ص.382
 الجاحظ، البيان والتّبيين 3/182
 ـ لا يخفى أنّ "النّصّ" إنّما اختصّ به في التّراث العربيّ الإسلاميّ القرآن والسّنّة، على أساس مقابلة خفيّة أو مضمرة بين الشّعر والوحي. فمثلما اصطنع العرب للنّفيس من الشّعر والمتخيّر اصطلاح "المعلّقة"، اصطنعوا للمعجز الدّينيّ اصطلاح   "نصّ"؛ وكلاهما يضمر حكما نقديّا أو حكم قيمة. غير أنّنا قصرنا الإشارة على "القرآن" لأنّ استشهادهم به في المدوّنة النّقديّة هو المطّرد.
 الشّيخ الفاضل بن عاشور، مقدّمة المنهاج
 نشير إلى أنّ بدايات نشوء التّوريق ترجع ـ فيما يرجّحه الباحثون ـ إلى القرن الثّالث للهجرة. انظر زكي محمّد حسن، فنون الإسلام، مطبعة لجنة التّأليف والتّرجمة والنّشر،ط1/القاهرة1948.ص.250 .على أنّ هناك من الباحثين من يرى أنّ أوّل النّماذج الزّخرفيّة الإسلاميّة ذات طابع التّوريق العربيّ الأصيل إنّما يرجع إلى أوائل القرن الخامس الهجريّ. انظر أحمد فكري ،مساجد القاهرة ومدارسها،دار المعارف بمصر 1961ـ ج 1/182 وما بعدها، وخالد حمّودي، الزّخارف الجداريّة ص.139 وما بعدها.

La querelle du réalisme,Diagonales,Paris 1987,pp.52-56.


هامش شعري:

أرابيسك لمحمد عفيفي مطر

صادٌ مقلوبة كأنّها عين
كاف كأنّها باء مرسلة
ياء كالراء
قاف كأنّها نون أُرسلتْ من العنق
لِمَ نطلُّ هذه الفاء برأس
كأنّها دال مقلوبة؟
أيّة فسيفساء من زخارف نباتيّة ونجميّة؟
أيّة أغصان تتسامق فيها؟
أيّة فروع تتموّج وتلتفّ ؟
أيّة خطوط ومنحنيات تجري؟
أيّة حنايا وأقواس؟
لا بداية لها ولا نهاية
تخرج من هذه القصيدة؟

الألف حرف مدبّب
ينقص ثم يرهف
هل أحفر نقطة في الأعلى؟
هل أحفر شظية في الأسفل؟
لكن من أين لي بسبع نقط
من نقاط قلم الثلث؟
الراء والزاي يستلقيان منفردين
لم لا يتلامسان؟
لم يطلان إلى اليمين
برأسين صغيرين؟
السين حرفان
أي فم أدرد في فاتحتها؟
أي رأس صغير مقوس إلى الأسفل؟
الكاف ألف
لم يميل إلى اليسار؟
الهاء حلقتان تتراكبان
بيضوية ومدببة
الآن أقفل بـ "الهاء"
هذه الأرابيسك
أرفعها.. ثم أتحدّر بها
لكن من أين تأتي هذه  الراء
لم ترتفع نهايتها؟
الآن.. أقول: القصيدة  عين
لا بدّ أنّها ترى (اسمه) المحفور
في لوح نافذته العمياءْ

منصف الوهايبي ـ ميتافيزيقا وردة الرمل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This