أرتور رامبو الإبليس الإلهي: الولد الغرّ لا يزال يهزّ العالم من أذنيه / علي جازو

هل من مكان إضافي في وجدان القارئ، ذاكرته وعقله، يتسع بعد الآن، لكتب ومقالات وأبحاث تتناول حياة أرتور رامبو وشعره؟ السؤال قد يكون وجيهاً وموضوعياً لدى البعض. السبب، أن كيل الكتابات قد طفح غرباًَ وشرقاً، بالنسبة الى هذا البعض، بحيث بات كل كلام جديد عن هذا الشاعر ضرباً من الترف الأدبي، ربما لم يعد يُقابَل بالكثير من الرحابة، عندنا وفي الغرب. فإذا كان هذا الكيل قد طفح حقاً، فلماذا يستمر بعضنا أو أكثرنا في الكتابة عن هذا الشاعر، وفي إعادة قراءته؟ ولماذا تُعقد المؤتمرات الجدية حوله في فرنسا والعالم؟ ولماذا تؤلَّف فيه الكتب؟ ولماذا تعاد مراراً وتكراراً ترجمة آثاره الشعرية ورسائله، وتوضع لها المقدمات البحثية، ونعكف نحن القراء والادباء على قراءتها وتأويلها، كما لو أننا لم نقرأ الشاعر من قبل، بل كأنه لا يزال حاضراً بيننا، هو وشعره، معاً وفي آن واحد؟ أسئلة كثيرة، قد تكون مقنعة، لكنها في الواقع بلا جدوى. الدليل ان فرنسا، مسقط الشاعر، لا تزال تُغرقنا بالكتب والمعارض والمؤتمرات التي تتناوله شاعراً وإنساناً و… رساماً. نحن أيضاً، نجدنا متورطين في هذا الشغف، فنباشر سنتنا الادبية الجديدة بمقال عن هذا “الفتى الإلهي”.

حياةً عاصفة، أشبه بخيال، بمأساة باذخة لا ترحم، حيث الينابيع بعيدة والطفولة متسرعة ناهبة، والعقول معوزة خائرة، عاشها أرتور رامبو المولود عام 1854 في شارلفيل بمنطقة الآردين الفرنسية. خلال أربع سنوات تقريباً، قدّم رامبو كل شيء: “الإشراقات” و”فصل في الجحيم” إضافة إلى” أربع وأربعين قصيدة” أخرى. التقى رامبو مع فيرلين الذي يكبره بعشر سنين، في باريس عام 1871، وكان ذلك اللقاء بداية لجولة حافلة طاحنة على صعيد الصداقة والأدب معاً، تخللتها أسفار وحوادث عديدة وعلاقات غير معهودة استمرت، عبر باريس ولندن وبروكسل، حتى اختتامها بإطلاق فيرلين النار على صديقه “الشاذ” الأكثر نقاء وبراءة على رغم التباس حياته مع قصائده حدّ استحالة الفصل بينهما، في تموز 1873 العام الذي أكمل فيه كتابة “فصل في الجحيم” بالغاً التاسعة عشرة. حينذاك سحق رامبو ماضيه كله، ومستقبله لاحقاً، راغباً، على حدّ تعبيره الجسدي المحلق، جعل صديقه فيرلين “ابناً للشمس”!

***

على العالم أن يتكيف مع طموح الشاعر لا العكس. عليه الاستجابة الكاملة لرغبته الصارمة العنيدة. على ما يدعى بفكر الحقائق والمبادئ تلبية “حقائق الشعر” المتميزة بتقلبها الجوهري وجموحها النبيل. هكذا، من قراءة آثار رامبو، يتحول الشعر الذي كان يعتبر أميناً على الحياة ومنظماً لها، جهة معاكسة ومضادة. في الضد والعكس تنجز العلامة أثرها العصيّ. ولا يتأتى الرفض من دون عمل بديل. وأي عمل أجمل وأعمق من فرادة عمل رامبو. في الرفض، من يحوز قلباً حكيماً كقلبه، جلالٌ آخر؛ منه اللا تسامح- حين يكون التسامح تعبيراً عن نفاق ورياء – والغضبُ سمةُ الإله العادل؛ حيث يتعزز الأملُ هنا فعلَ ضرورة لا يؤجَّل قط، فحين يكون الخلاّق في القاع يجب قلب العالم رأساً على عقب، والشعر أكثر الضرورات عداءً إزاء العالم وضد العالم. ربما كنا على خطأ في فهمنا لطبيعة الشعر، إذا كنا نحسب أن حاجاتنا – ما أتفه دوافعنا تجاهها – تتوافق مع جعل الحياة ذات معنى. ربما أن الأصل الجوهري والنقي، الماثل دائماً هارباً مخدوعاً مثل طفولة تحت تسلط متحجر، هو أن نأخذ الحياة على أنها اللامعنى المطلق، العبث الكامل!

***
خيبة رامبو إزاء تربيته القاسية على يدي أمه، والحياة عموماً، ضغطت بعنف على مفهومه للشعر في عالم يبعث على الازدراء والتقيؤ. هذا المفهوم المنزاح والمتوتر والخطر، دفع الفيلسوف الكاثوليكي جاك ماريتان إلى القول: “لقد تمسك رامبو، عن وعي منه وإرادة، بمطالب المعرفة الشعرية، وهي مطالب استبدادية نهائية أطلقت إلى آخر حدود وحشيتها، وراح يبحث عن كنوز الروح جميعها بالطرق الممنوعة التي يسلكها قاطع طريق اتصف بصفتَي البطولة والشرّ”. ويضيف في مكان آخر: “إنه لجنونٌ أن يتمنى المرء أن يعيش الشعر وحده في روحه”. لن نعبأ كثيراً بالحنق المنطوي على وصف كهذا. لننظر في كلمتين فحسب داخل هذا السياق الورع: الشرّ والجنون. يستعير الفيلسوف وجهة نظره من معجم ديني مألوف. إنها الألفة التي تخلط الجهل بالرأفة، والتقوى بالخنوع. يرى أنه إذا لم تشتمل الروح على غير الشعر، “ولم يكن ثمة من يطالب بها غيره، ولم تحدث فيها أي مقاومة فستنمو فيها شهوة هائلة للمعرفة، شهوة تفرغ النفس من كل ما هو ميتافيزيقي وأخلاقي”. يمكننا أن نجادل جاك ماريتان بكلمتين فقط لـ”لاأخلاقي” آخر هو نيتشه: “الشاعر الطامح إلى لذة الحرية، يختار العزلة طلباً للمعرفة القاسية”، “وما كنت لأحتمل أن أكون إنساناً، لو لم يكن الإنسان شاعراً محللاً للأسرار ومفتدياً لإخوانه من ظلم ما تسمونه صدفةً ودهراً”. سنضيف إلى مفردتي الشر والجنون كلمة ماريتان اللاحقة، “شهوة”، التي يردها نيتشه بحسية شديدة الفطنة إلى “لذة الحرية”. لا أحد، ربما، انتبه إلى استعمال جاك ماريتان لكلمات الشر والجنون والشهوة كعلامات على خطر أكيد؛ حيث المهدَّد منها هي الميتافيزيقيا والأخلاق، لا أحاسيس الفرد وحياته المباحة! الأكثر خطورة في جزم كهذا، هو قدرته غير المتنبَّه لها على مصادرة العمل من داخله في تعالٍ ديني متخشب ودراية استحواذية مخربة! نعوت ماريتان القادحة باتهامات تعميمية مبطنة تكافئ الوصم بالخيانة (خيانة الرب، الدولة) في مكان آخر؛ وكلاهما يتغذى من آلة لاهوتية تسلطية واحدة متعفنة.

***

لنقرأ شذرات من رسائل رامبو، وبها مزيج من الاحتقار والسخرية اللاذعة عدا كونها أشبه بشفرات سرية لاهبة، ثمّ نقارنها من جديد بأحكام ماريتان حولها. كتب رامبو في الثالث عشر من أيار 1871 إلى جورج إيزامبار، أستاذه السابق في شارلفيل: “انظرْ إلى نفسك، أيها الأستاذ مرة أخرى، إنك مدين بمعيشتك للمجتمع: لقد قلت لك ذلك. وأنا أيضاً أتبع المبدأ: لقد تركتُ نفسي أُعامَلُ كوغد سكّير يُدفَع لي بكؤوس البيرة والشراب. وإني مدين بهذا للمجتمع”. أما الرسالة الثانية التي كتبها بعد ذلك بيومين إلى بول دميني، وهو شاعر شاب وصديق لإيزامبار، فقد كانت أقل وقاحة من الأولى ولكنها لم تكن أقل منها سخرية، مع أن رامبو يشمل نفسه بها: “لقد صمّمتُ على أن أوفر لك ساعة من الأدب الجديد. أستهلها بترنيمة تلاقي اهتماماً اليوم (هجائيته السياسية “أغنية حرب باريسية”). وهذه الآن قطعة من النثر عن مستقبل الشعر”. إنه لجدلٌ غريب. فأحد الطرفين فيلسوف كاثوليكي عميق المعرفة، والآخر يتمثل برسالتين طفوليتين كتبهما منذ أكثر من مئة عام صبي في السابعة عشرة من عمره. إنه لنقاش حقيقي. وهو حقيقي لا لأن ذلك الصبيّ اليافع قد كتب في تلك السنة والسنة التي تلتها عدداً من أبرز القصائد التي قرأها العالم فحسب، بل لأن قطبي النقاش حقيقيان ومتعارضان أيضاً، ولأن كلا منهما لا يسمح بوجود الآخر. إن العالم وما هو ضد العالم منفصلان في طبيعتهما ولا يمكن وجودهما معاً. إننا لا نغض من قيمة سارتر وأندره مالرو وبول فاليري أو ألبر كامو، فهؤلاء على رغم ألمعيتهم وفرادتهم الثرية، يبدون شاحبين إذا ما رُزْنا أفكارهم بتلك الصرخة المذهلة المتقدة التي أطلقها رامبو مطالبةً “بتشويش كل الأحاسيس تشويشاً هائلاً عقلانياً طويلاً”. إنها الصرخة التي لا يزال أثرها يعمي المعرفة المهذبة العقيمة، وهي زائفة من دون شك، ومن دون أن يخبو بريقها حتى الآن. وربما ليس في العالم اليوم كاتب واحد يمكن أن تقارن أعماله بكثافة آثار رامبو وتوثبها وعمقها ونضجها وفتنتها وسحرها. كذلك ليس في أي بلد اليوم شاعر حيّ لديه الجرأة الكافية لكتابة قصائد تعبر عن اشمئزاز روحي ضارٍ كما هي الحال في قصيدة “الفقير في الكنيسة”، باحتقارها الوحشي للخالق والإنسان، وتلك اللوحة البربرية للعجوز المريضة، المثيرة للشفقة في قصيدة “فينوس اناديومين” ببيتها الأخير الفظيع! إن عمق الخزي الذي شعر به رامبو تجاه الحياة ليس هو وحده ما سما بشعره إلى مصاف غير مسلوكة؛ في تحدٍّ مسرف متعطشٍ، وإثارة لافتة على كل صعيد. ذلك أن رؤاه عن الشعر، كما أوضحها في “رسائل العرّاف”، تحمل إثارة أكبر.

رامبو متنافر حتى مع نفسه، لكن ذلك رماه عالياً، في توحد واكتمال تصاعدي نادر. الشعر ليس رصيناً فحسب، بل إن حكمته الأكثر غوراً أنه لا يرحم حتى كاتبه. يشير رامبو، عبر رسائله العديدة، إلى أن الشعر أهم بكثير مما هو عليه في وضعه الحالي. فمنذ أيام اليونان، عندما كان الشعر “حياة منسجمة” لم ينظم في العالم إلا “نثر مقفّى، ألعوبة”. فلو أمحت قوافي راسين واختلطت مصاريع أبياته لكان ذلك “الأحمق الإلهي” مجهولاً اليوم. وبعد راسين “تستمر اللعبة رديئة” حتى أيام الرومنطيقين. لماذا؟ “لأهمية النفس الزائفة”. ويكتب من جديد لإيزامبار فيقول: “إنه لخطأ أن يقول المرء “أظن”، بل إن المرء يجب أن يقول “أنا أُظَنّ”. “أنا هو آخر”Je est un autre. أو من الخطأ أن يقال أنا أفكر، يجب أن يقال: يُفكَّرُ فيَّ، والمرء تُجرى له الأمور، ولا يجريها هو”. ويكتب إلى دوميني: “إنني أعيش تفتّح أفكاري، وأراها، وأسمعها…، إن العقل الشمولي يرمي بأفكاره إلى الخارج. واعتاد الرجال أن يلتقطوا هذه الأفكار ويتركوها تتفاعل فيهم… أما الآن فيظنون أنهم هم أنفسهم المؤلفون، الخلاقون، الشعراء…، إنني ألوّث نفسي. لماذا؟ أريد أن أصبح شاعراً وإنني أعمل لأجعل من نفسي عرّافاً. إنك لن تفهم هذا أبداً، ومن الصعب أن أعرف كيف أفسره لك. إنه مشكلة الوصول إلى المجهول من طريق تشويش جميع الحواس”. ويعلّق الشاعر والناقد أرشيبالد مكليش على هذه الرسائل والردود عليها بالقول: “إن اتهام جاك ماريتان لأفكار رامبو بالجنون والمبالغات الهاذرة لا يخلو من العدل”. إن المرء يتعرف الى الأسلوب المتبع هنا. أو بالأحرى إنه يدركه ويرفض أن يدركه، فالبيان فيه معيب، وفي العاطفة شيء صبياني كصوت مخشوشن لمراهق حانق. وحتى رامبو استطاع أن يرى لا منطقيته…، إنه يدافع عن نفسه أمام دوميني وراء قناع اللهجة الساخرة. أما إيزامبار، الذي كان يعرفه معرفة أحسن، فإنه يجهر به بجرأة.

وعلى الرغم من أن هذا الصوت صوت مراهق، فإن فيه شيئاً خارجاً على حدود المراهقة. إن فيه شيئاً مقصوداً بحرارة وعاطفة، شيئاً خطراً: وإن المرء ليفهم قلق ماريتان له. فالشعر، بالنسبة إلى هذا الشاعر، ليس فناً أدبياً، بل رؤيا المجهول. وإن فقدت الرؤيا بوصولها إلى المجهول كل معناها، فإنها تكون قد رُئيت على الأقل! إنه سيصل إلى المجهول، وإن حدث له وهو نصف مجنون، ان فقد إدراكه في النهاية لرؤاه، فإنه يكون قد رآها! تلك السفينة السكرى، عندما تخترق المياه الداكنة هيكلها الصنوبري، وتغسل عنها لطخات الخمر والقيء، تاركة عوارضها الخربة في الخضم الهائل، فإننا نحس عندئذ ما عنته إينيد ستاركي في كتابها عن رامبو بتلك العبارة الرائعة واصفةً فيها هدف الشاعر بأنه “تلقٍّ سحريّ”. وعندما يكتب رامبو إلى دوميني عن الوصول إلى المجهول من طريق السكر فإن عقل القارئ ينصرف إلى بعض تلك الفلسفات الميتة. ولكن عندما يغسل هيكل السفينة العاجز نفسه في قصيدة البحر المرصع بالنجوم، فإن المرء يدرك ذلك المجهول وماهيته. ويدرك أيضاً أن الرغبة في أن يستحم الشاعر في البحر، وأن يغرق فيه، ليست نزوة أدبية كما تبدو للوهلة الأولى.

***

لم ينجح رامبو في تشويش أحاسيسه فقط، إنما أحدث انقلاباً غير مسبوق في النظر إلى الشعر. لقد فعل ذلك كله عن عمد. هذا العمل الجبار لا يمكن أن ينجز فقط بشرب البيرة وقذف الشتائم وانتهاك الحرمات. ثمة العمل غير المراقب، السري، المتدفق. إنها القصائد الساحرة والعوالم المشتبكة مثل شجار في ريح ذهبية عالية:

1

“إنك لست جاداً كل الجد في السابعة عشرة.

فذات أمسية رائعة، ترمي إلى جهنم، بكؤوس البيرة

والشراب والمقاهي الزاهية بزجاج نوافذها

اللامع. وتسير في الخارج تحت أشجار الزيزفون الخضراء

في طريق النزهة المرحة.

لأشجار الزيزفون عبير طيب في أمسيات حزيران هذه!

وأحياناً يهب النسيم ناعماً حتى أنك تغمض أجفانك؛

والهواء الثقيل بالضجة – المدينة ليست بعيدة –

يحمل رائحة الدوالي والبيرة…

2

أنظر إنك ترى منديلاً صغيراً من سماء زرقاء داكنة

يؤطرها غصن صغير وتخترقها نجمة شريرة،

صغيرة وبيضاء وتراها تغرق برعشة حلوة.

ليالي حزيران! السابعة عشرة! إنك تسكر.

شرابك الشمبانيا، ويصعد

إلى رأسك…

وتتجول؛ شاعراً بقبلة على شفتيك

تخفق هنالك كحيوان صغير.

3

وقلبك المجنون مثل روبنسون كروزو

عبر جميع الروايات إذ تبصر تحت مصباح الشارع الشاحب

فتاة صغيرة تسير بحركات سريعة

تحت ظل ياقة معطف أبيها المرعبة

ولأنها تظنك بسيطاً جداً فإنها تلتفت

بحركة سريعة بينما تتدرج قدماها الصغيرتان

طوال الوقت… وتموت النغمة الصغيرة التي كنت تصفرها

على شفتيك”.

غير أن الكتّاب الذين رأوا رامبو في باريس شتاء 1871 ثم في العام الذي تلاه لم يغضبوا منه فحسب بل شعروا بالقلق أيضاً. فقد كتب ليون فالاد يقول عنه: “… شاعر مخيف جداً. يدان كبيرتان، قدمان كبيرتان، ووجه طفولي جداً كوجه صبي في الثالثة عشرة، وعينان زرقاوان زرقة عميقة! هذا هو الفتى ذو الخيال المركب من قوة عظيمة ومن انحطاط لا يمكن تخيله، الفتى الذي فتن جميع أصدقائنا وأرعبهم… إبليس بين العلماء!”. ثمة تناقض متفجر بين مدى الانحطاط والفساد الذي أدركه رامبو وبين بشرته الشبيهة ببشرة فتاة ناعمة. لقد أدركوا أن الفساد والخلاعة كانا بمحض اختياره. لم يكن رامبو ضحية إغواءات شبقة، قدر ما كان مبتكر إيمان مضاد لا يقبل نداً سواه، يلهمه العفاف السري قدراً صارخاً من الرذائل والقصف والفجور. وهو ليس متباهياً بها، بل كاره لها. كأنه ارتآها كلها ليتخلص منها دفعة واحدة. لا حماقة جديرة بعد سلوك كهذا السلوك. إن تخيّل رامبو، أشد إبهاراً من وقائع حياته الساخطة الناقمة. عمله الأرقى والأنقى والأبقى هو شعره:

“أنا، أنا أتبع الفتيات النشطات تحت أشجار الكستناء:

إنهن يعرفن هذا، ويلتفتن ضاحكات،

وعيونهن مليئة بأشياء هوجاء.

ولا أنطق بكلمة، بل أنظر إلى اللحم في رقابهن البيضاء،

خلال تشابك الشعر: وأتبع امتداد الظهر الإلهي

خلف الثوب الشفاف من تحت منعطف الكتف.

وما أسرع ما أتصيد أحذيتهن الصغيرة،

وجواربهن… وأتخيل أجسادهن تحترق

بحمى بديعة. ويظنني مضحكاً ويتحدثن معاً

بأصوات منخفضة… بينما تحوم رغباتي الحيوانية على شفاههن”.

لرامبو قصائد أخرى في الموضوع نفسه، لا يمكن صاحبها أن يكون عاشقاً لفيرلين. وهذه ترجمة الأديبة والناقدة سلمى خضراء الجيوسي لمقطعين من قصيدة “في المقهى الأخضر”:

“ولثمانية أيام أفنيت حذائي على حديد الشارع.

سرت إلى شارلوا. وفي المقهى الأخضر

طلبت شطائر بالزبدة ولحم الخنزير-

قطع الخبز الصغيرة وعليها الزبدة واللحم المقدد

نصف بارد، نصف دافئ.

كنت سعيداً وأخرجت رجلي من تحت المائدة الخضراء

ونظرت إلى الصور الصغيرة الساذجة

المطرزة بالقماش المنجد – وكان رائعاً

عندما جاءت الفتاة ذات الصدر الضخم والعينين المرحتين…”.

قضية رامبو الحقيقية ليست قضية سيرة حياة. إنها سؤال الشعر الأزلي. هل الشعر قوة ذات طبيعة تستطيع، إذا ما كان الإنسان يستحقها، إذا ما كان قادراً عليها، كما كان رامبو قادراً عليها بلا أدنى شك، إذا ما منحها الشاعر نفسه مثلما يمنح الوسيط نفسه في غيبوبته، وضحى لها بوعيه، وهويته، أتراها تستحق أن ترفعه إلى المجهول، إلى نار بروميثيوس؟ هل الشعر حقاً بحر يدفع أخيراً بمن يسلّم نفسه إليه – تاركاً إياه عرضة للأمواج والغرق – إلى الشاطئ طارحاً إياه إلى عالم ما وراء العالم، إلى عالم ضد العالم؟!

***

نسيج اللغة في جملة رامبو ذو سمة اعتباطية ناعظة مغتبطة مشوشة متنزهة عجولة متداخلة؛ في رعاية أمومة قاسية سرية منتشية بخرق حضانتها الكلية نحو عوالم عذراء متهورة مشرقة قدر ما هي مهولة غضة. اللغة معززة، متقنة، ومصفّاة بنورانية صلدة ومتألقة كالماس، وغرابتها البريئة، مسننة، ليست فقط في إحالاتها الهاربة وانزياحاتها الهادمة المتعددة الغنى والإشارات؛ إنما أيضاً في تحدبها على نفسها وتكوّرها، مثل جنين يرفض الحياة سلفاً وامتعاضاً، في اكتفاء مضفور بقسوة تبلغ قلب الإمحاء الحادّ، وحدّ الكمال المرتوي الشفاف. وكأن أكثر من عقل يفكر وينظر عبر أكثر من عين ترسم وتحبس صورها عبر أكثر من قلب مرتعش في عذوبة خلابة تتصف بقدرة إغواء صارخة مبهجة، ومرارة غير قابلة للشفاء أبداً! قوة رامبو من قوة العالم الذي احتواه وصاغه وتقيأه، ومن سخائه وعذابه. هو يقول في مقطع من إشراقة “في المدينة”: “طرقٌ تحف بها حواجز مشبكة، وجدرانٌ لا تكاد تتسع لأيكاتها، والأزهارُ الشرسة التي ستدعى قلوباً وأخوات. دمشق معذبة من الضنى،- أملاكٌ لأريستوقراطية جنية رينانية متطرفة، يابانية، هندية- أميركية، صالحة أيضاً لتلقي موسيقى القدماء- وثمة فنادق لن تفتح أبوابها إلى الأبد- ثمة أميرات، وإذا لم تكن مرهقاً جداً، فدراسة الكواكب- السماء”. كثيراً ما يشير النقاد وهم يتناولون قصائد رامبو الأولى بالشرح والتأويل إلى المآخذ التي استقى منها بعض جزئياته أو صوره وأفكاره. ففي قصيدته “الراقد في الوادي” التي قالها أثناء حرب 1870 يرى كلود روشيه، أحد شارحي النص، أن رامبو تأثر بجورج صاند ولو كونت دو ليل، وادوار كينيه وفيكتور هوغو، لكن المرء لا يملك سوى الإعجاب بالبناء المحكم والنضج الفني لفتى في السادسة عشرة:

“إنه جَيْبٌ من خضرة تصدح فيه ساقية

معلِّقةً على نحو جنوني مزقاً من الفضة بالأعشاب

وتلمع عليه شمسُ الجبل الشامخ؛

إنه وادٍ صغير يعجّ بالأشعة.

يرقد جنديٌ فاغر الفم، حاسر الرأس؛

لقد رقد قذاله في البقلة الغضة الخضراء،

وهو ممدد على العشب تحت الغيوم،

شاحب الوجه في سريره الذي ينثال عليه النور.

إنه يرقد باسماً، كما يطفو الطفل المريض؛ إنه يغفو:

أيتها الطبيعة هدهديه بحرارة: فقد أصابه البرد.

العطور لم ترعش منخريه،

وهو يرقد مغموراً بالشمس، ويده على صدره الساكن. ففي جنبه الأيمن ثقبان أحمران”.

أوضح أولئك الشراح ما في هذه المقطوعة من عمل فني؛ في التضاد بين الإطار الضاحك النضر والجندي القتيل الذي ثقب صدره برصاصتين، وفي التدرج في وصف القتيل وهيئته بحيث لم ينكشف لنا موته حقاً إلا في البيت الأخير، وفي المرارة المبطنة اللاذعة وهو يطلب من الطبيعة أن تهدهده. لم يلبث رامبو أن أعرض عن الرومنطيقيين لأنه لا يريد أن يكون الشعر ذاتياً. لقد أظهر أن الشعر مغامرة فريدة ولا ينبغي له أن يكرر مقولات وصوراً سابقة.

أما بودلير فقد أعجب به رامبو ودعاه رائياً سابقاً بل إله الشعر. لكنه أخذ عليه محافظته على الأشكال القديمة؛ ذلك أن اكتشاف المجهول محتاج إلى أشكال جديدة. ثمة ما يجمع رامبو إلى بودلير، فقد دعا الأخير إلى الغوص في الأعماق بحثاً عن نثر شعري موسيقي بلا وزن ولا قافية، مرن، متقطع، يتلاءم مع حركات النفس الغنائية وذبذباتها، وتموجات أحلام اليقظة ووثبات الوجدان، وحاول رامبو ذلك كله في “الإشراقات”. لكنه توسع في ذلك فمزج كل شيء بكل شيء؛ مزج بين الإحساسات والمشاعر والاشياء والمفاهيم وألغى التقسيمات التي يقيمها الفكر لفهم العالم. وهو بذلك فتح دروباً لا نهاية لها أمام الشعر الحديث. ذلك أن عمله، كما يقول الشاعر الفرنسي الكبير إيف بونفوا، إنكارٌ للغة في استعمالاتها العقلية.

***

مرة أخرى يكتب رامبو إلى بول دوميني: “على الشاعر حمل عبء الإنسانية، بل والحيوانات. وعليه أن يدفع الناس إلى الإحساس بابتكاراته، وملامستها، والإصغاء إليها. وإذا كان لما يأتي به من هناك شكلٌ أعطى الشكلَ، وإذا كان بلا شكلٍ أعطى اللاشكلَ. ولا بد من العثور على لغة. هذه اللغة ستكون روحاً للروح، ملخصة لكل شيء، العطور والأصوات والألوان، وفكراً يعلق بالفكر ويؤثر. وسوف يحدد الشاعر مقدار المجهول المستيقظ في زمنه، في الروح الشاملة…”. إن طموح رامبو الشعري، وهو منغرز ومترابط بقوة بحلمه الإنساني على الأرض، مشمول بدعوة شجاعة إلى تدخل الشعر في صياغة الحياة بشكل كلي وكامل. إنه معني بالأحاسيس بالدرجة نفسها والحرارة نفسها تجاه الأفكار. لكنه يشير في خاتمة الرسالة هنا إلى “المجهول المستيقظ في زمنه”، وهذه العبارة الأخيرة تكشف عن حنين متدفق إلى الحاضر الحياتي والآمال والمآسي التي عاشها رامبو واختبرها ليس على الصعيد الشخصي فقط إنما ببعد إنساني غير محدود.

من هذه النصوص نستطيع، إذا صحّت التسمية، تحديد ملامح الفن الشعري الجديد بحسب رؤية – “رؤيا” رامبو:

أولاً: إن الشعر مدعو إلى تغيير وجه العالم. وهو ليس إيقاعاً يصاحب الفعل بل ينبغي له أن يسبق الفعل ويؤذن به، كما أنه لا يمكن أن يكون هدهدة رومنطيقية ذاتية، ولا جمالية برناسية باهتة أمام تلك الأحداث الجسام التي هزت فرنسا والعالم.

ثانياً: إن الشاعر سارق النار، إن لم يكن ابنها المطرود اليتيم، وكما أن سارق النار الأصلي بروميثيوس قد دفع كبده ثمناً لإنقاذ الإنسانية، فكذلك الشاعر يولم نفسه في سبيل خلاص البشرية. سيتحدى الشاعر قوانين العالم ومقدساته، وسيؤتى قوة غريبة عاصفة عاقدة العزم على اكتناه المجهول. ولعل المجهول هو حقيقة الحياة ومعناها الجوهري اللذان إن كشف عنهما الشاعر أعاد إلى الحياة انسجامها، وروى ما في الإنسان من ظمأ إلى الحب الشامل، وأزال جميع ضروب القمع: قمع الجسد وقمع الروح.

ثالثاً: إن هذه الرؤى التي يتخلخل فيها نظام الكون والحياة يرى الشاعر عبرها قصوراً في أعماق البحيرات، ومواكب في السماء، ويحدّث أشخاصاً في حيوات أخرى لهم، إن هذه الرؤى في حاجة إلى لغة جديدة تترجمها، لغة ينهدم معها نظام اللغة العقلاني، فلا تنقل الشكل وحده بل تنقل اللاشكل الآتي من المجهول من هناك. لا بد للرائي من لغة تناسب رؤياه، لغة تصلح للتعبير عن الحواس جميعها دفعة واحدة، وتردّ إلى الكون وحدته المشتتة. ويرى شميدت في مؤلفه “الأدب الرمزي”، أن رامبو يشبه بعض الثيوصوفيين؛ فهو يعتبر “الخالق” نوعاً من “الكلمة” السرية؛ يطلق كلمات فعالة، فيخلق الأشياء، ويبدد وحدته، وهو ينتج ما في الطبيعة المرئية من تنوع، فإذا تدخل الرائي، نظر إلى المخلوقات وسمّاها؛ فردَّها، على هذا النحو إلى “جوهرها الكلمي” الذي يركزه شيئاً فشيئاً، ويجعله شيئاً أشبه بالجوهر الأصلي، بالكلمة التي انبثقت تلك المخلوقات منها. سمى رامبو طريقته الشعرية “كيمياء الكلمة”: بفضلها تنتقل جميع مدركات الرائي وإحساساته إلى كلماتٍ دقتُّها سحرية، تمتزج في ما بينها، وتنزع إلى أن تشكل مختصراً صوتياً للعالم. إن صوت الشاعر ليس فيزياءه المتنقلة المحضة، إنه سبرٌ عبر صوت الكلمة نحو عمق يظل في منأى عن الإدراك، قدر ما يحرض العقل على دوام الاعتناء بالمعنى المحتجب خلف الصور وخلف الكلمات ذات الأجساد النوارانية الثقيلة الهائمة! لعلها خفة آثرة طليقة من كل قيد أبدعها رامبو بمزيج من شجاعةٍ وولهٍ نادرين. لكن تلك الشجاعة المسرفة المتهورة الجذابة أفضت إلى تخوم الجنون والموت. وقد صرح رامبو في مقطع من “فصل في الجحيم” بأن صحته انهارت. انه كان يغفو أياماً عدة لينهض ويتابع أحلامه الكئيبة وأنه أشرف على الموت وهو يحمل نفسه على ما سمّاه دروب الأخطار تلك. ويضيف: “إن شغيلة آخرين سيأتون، وسوف يبدأون عملهم من الآفاق التي انهار عندها الآخر”.

***

يظهر لدى رامبو، في توقدٍ راقص ونهمٍ غزير، هذا الاحتشاد المضموم بمتانة فعالة ولهفة ناقمة عاشقة. يشكل عمله – وهو عمل مرتكز على صوت ظليل غير بعيد عن العبث والنضج معاً – بؤرة لغوية تشكيلية درامية مغرية وساطعة. إن صوره مزدحمة بتلوينات حسية متدفقة، وهي قادرة على الاحتفاظ بحرارتها العاطفية المكثفة أطول فترة ممكنة. ربما أن التفات هنري ميلر إلى رامبو وجعله عنواناً خطراً ويقينياً للمستقبل الروحي والجوهري لمسيرة الإنسان، جدير بالتذكير هنا كخاتمة موقتة عن إيمان لا يكف عن الخسارة كلما ازداد نضارة وازدهاراً وقلقاً: “إن السؤال الواحد الأوحد الذي يواجهنا هو: إلى أي مدى نستطيع تأجيل الحتمي؟ ترى ماذا علينا أن نقول، حين نفكر بأن ولداً غرّاً هز العالم من أذنيه؟ أليس ثمة أمر معجز في ظهور رامبو على هذه الأرض؟ شأنه شأن يقظة غوتاما، وتقبّل المسيح الصليب، ورسالة خلاص جان دارك المذهلة؟ فسّرْ عمله كما شئت، اشرحْ حياته كما أردت… وسيظل نوراً لا يشحب. فالمستقبل كله له، حتى لو لم يكن أمامنا مستقبل”.

صدر حديثاً بحث جديد للفرنسية دومينيك كومب أستاذة النقد الحديث في جامعة السوربون، وهي مختصة بالشعر الحديث، وكانت قد نشرت سابقاً دراسات عن شعر مالارميه وإيف بونفوا وآخرين، ويتركز اهتمامها على الشكل الشعري أو اللغة الشعرية والمتغيرات التي طرأت عليها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بمعنى آخر فإنها مهتمة بدراسة ما ندعوه ثورة الحداثة، ولهذا السبب تقدم هنا كتاباً كاملاً عن أهم علم من أعلام هذه الثورة التي غيّرت مصير الشعر شكلاً ومضموناً: أرتور رامبو، وهي تتبع كل آثاره وأعماله منذ أشعاره الأولى حتى “فصل في الجحيم” و”الإشراقات”، وتحاول أن تشرحها وتعلق عليها وتموضعها ضمن الحركة العامة للتجديد الشعري ككل. إن رامبو لو ترك الشعر أو لو مات بعد كتابته قصائده الأولى الكلاسيكية لربما نسيه الناس ولما احتل أي مكانة مهمة في تاريخ الشعر. هذا كلام غريب الشكل ومرفوض قطعاً. لماذا؟ لأن أشعاره الأولى من أجمل الأشعار وأروعها حتى ولو كانت متقيدة بالأوزان والقوافي، فمن اطلع عليها مرة واحدة لن ينساها. صحيح انه قطع معها في مرحلته الشعرية الثانية ذات الطابع النثري الخالص، لكنه لم ينكرها ولم يتخل عنها، أو قل إنه أنكر كل شعره في ما بعد ولم يعد يهتم به.

مهما يكن من أمر فإن المؤلفة تفتتح كتابها بهذه العبارات الواردة في رسالة “الرائي” الثانية التي وجهها رامبو يوم 15 أيار من عام 1871 إلى صديقه بول دوميني: “ينبغي أن نعثر على لغة شعرية جديدة… ينبغي أن نطالب الشعراء بأن يأتوا بشيء آخر جديد، شكلاً ومضموناً، ذلك أن اختراع المجاهيل أو (اكتشاف المجاهيل بالأحرى) يتطلب منا استخدام أشكال لغوية جديدة”. من يصدق أن رامبو كتب هذا النص وعمره سبعة عشر عاماً فقط وربما أقل؟ ومع ذلك لا تزال هذه العبارات وغيرها الواردة في الرسالة تشكل “البرنامج” الأساسي للحداثة الشعرية سواء داخل فرنسا أم خارجها. جدير بالذكر أن الشاعر والباحث والمترجم كاظم جهاد قد أنهى ترجمة جديدة كاملة لأشعار رامبو ضمن كتاب صادر عن “منشورات دار الجمل”، وأن “دار التنوير” أعادت طباعة كتاب “فصل في الجحيم” لمترجمه رمسيس يونان ■

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق