أرشيف لور مغيزل: نوع آخر من التاريخ / انطوان مسرّة

يشكّل صدور الاجزاء الثلاثة (•) لأرشيف لور مغيزل طوال أكثر من نصف قرن (1947-1997) عملاً رياديًا في احياء التراث اللبناني الحي، والعربي عامة، دفاعًا عن حقوق الانسان. ليست الاجزاء الثلاثة كتابًا تقليديًًا يوضع على رفوف مكتبة ولا يقرأ وهو يدير ظهره خجلاً، بل شهادة من لحم ودم تروي التفاصيل الاجرائية لنضال يومي واستراتيجية مبادرة وتخطيط ومتابعة، دون الاكتفاء برصد انتهاكات حقوق واصدار بيانات تنديد.

لا يمكن دراسة التطور التاريخي لحقوق المرأة الانسان في لبنان وفي المنطقة العربية عامة دون الرجوع الى مؤلفات لور مغيزل ونضالها اليومي طوال أكثر من نصف قرن وخبرتها، والتراث الوثائقي الحي في أرشيفها.

في اوائل كانون الثاني 1996 اتصلت بي لور مغيزل واجتمعنا في مكتبها في التباريس في بيروت. صارحتني بهاجسها: ملفات وملفات وقصاصات صحف وأوراق ووثائق…، كلها حول حقوق المرأة الانسان في مختلف الميادين. فهل هي مصنفة بحسب المواضيع والتواريخ؟ طول الفترة الزمنية، ومقتضيات متابعة لور مغيزل اليومية لقضايا حقوق الانسان، دراسةً وملاحقةً ميدانية، تجعل من توثيق هذا التراث ورشة بحد ذاتها. هذا التراث الحي والمتراكم يصعب الرجوع اليه اذا لم يتم تبويبه وتصنيفه، وقد لا يستفيد منه أحد في المستقبل اذا ظل في ملفات داخل مكتبة خاصة أو قد يكون مصيره الاهمال أو الضياع. تنتابك تجاه هذه الوثائق الرهبة والحماسة!

قد يقول القارئ: لماذا هذا السرد والقصاصات الورقية دون ان تورد مباشرة الحصيلة؟ الهدف من نشر الوثائق ليست الحصيلة، وقد عرضتها لور مغيزل في جردة واستشراف، في كتابها: “اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة”(1)، بل استكشاف المنهجية والكيفية والاستراتيجية للدفاع عن الحقوق، وذلك لمصلحة الجيل الجديد ولمصلحة ثقافتنا وذاكرتنا الديموقراطية والعاملين المناضلين في سبيل الديموقراطية فتتحول الديموقراطية من مجرد طموح وشعار وخطاب الى ممارسة يومية ومعيشة.

الهدف من خلال وثائق لور مغيزل استكشاف طريقة عملها دفاعًا عن حقوق المرأة الانسان وعن الديموقراطية بشكل عام.
لم تكن لور مغيزل تفكر بذاتها ولم أكن افكر بذاتي، بل باحفادنا لننقل اليهم الذاكرة الديمقراطية. كيف ننقل التراث الديموقراطي الى اجيالنا؟ ليست الحقوق مكتسبًا ثابتًا نستفيد منه كمستهلكين. ثباتها واستمراريتها مرتبط بتجديد الالتزام بها من خلال التربية والمثاقفة.

الوثائق المنشورة ليست كتابًا عن لور مغيزل، بل لور مغيزل بذاتها في مسيرتها الفكرية والعملية اليومية من خلال وثائق متعثرة ومتراكمة وربما ناقصة. من يكتفي بالتفكير يصقل العبارة والجملة، لكن من يعمل بتواضع يبني حجرًا حجرًا هياكل بعلبك. واذا اكتفينا بنشر دراسات عن لور مغيزل فهذا انتقاص منها لان لور مغيزل حركة دائمة فكرًا وعملاً. وارادت التعبير عن العرفان لرائدات النضال لحقوق المرأة الانسان فأملت في رصد اعمال الرائدات اللواتي ما زلن على قيد الحياة.
يفيد الكتاب حلقات التدريب على حقوق الانسان وآليات الدفاع عنها والبرامج التثقيفية والتربوية والاعلامية والمؤرخين الذين يهمهم تاريخ الناس وتاريخ الحريات وليس فقط تاريخ الحكّام.

قررت منذ صباها ماذا تريد

يظهر جليًا من خلال الاطلاع على الوثائق وترتيبها وتوثيقها ان لور مغيزل قررت منذ صباها ماذا تريد ان تفعل في الحياة فأخذت، بارادة وتصميم وثبات، وطوال نصف قرن، تعمل يوميًا وترصد الثغرات والمنجزات التي تتوافق مع هدفها أو تناقضه. ملفات لور مغيزل ارادة وفعل وتصميم. ليست هذه الملفات توثيقًا مكتبيًا، كما يفعل التلامذة والطلاب والباحثون “الاكاديميون”، بل توثيق الارادة والتخطيط والفعل. حفظت ملفاتها ووثائقها بامانة كنزًا تحرص عليه وتضعه قبل بضعة اشهر من وفاتها بين يدي بكل ثقة للأجيال كإرث ثمين وفريد من نوعه تتركه لكل اللبنانيين.

قبل سنة من وفاتها، كنت التقي بها بشكل مستمر. دعتني مرة الى مكتبها، وكنت اعرف ان صحتها متعبة، لكنني لم اكن اعرف انها بحالة خطرة. وقالت لي: لدي هذه الوثائق! وبالفعل غرفة كاملة تحوي ملفات وملفات، وكلها ملفات منظمة نسبيًا. ولكن لم يكن لديها الوقت لتنسيقها بشكل كامل. كأن هذه الملفات هي كنزها المهم الذي تريد نقله الى الاجيال القادمة. ماذا تريد ان تفعل بهذه الملفات التي جمعتها ورقة ورقة، عريضة عريضة، قصاصة قصاصة، طوال خمسين عامًا منذ كان عمرها 18 أو 19 سنة؟

تملكني واياها نوع من الرهبة والحماسة تجاه هذه الوثائق المتراكمة طوال نصف قرن والتي تلخص نضالا في سبيل حقوق الانسان وحقوق المرأة. نضال نساء ورجال بقيادة لور مغيزل وغيرها من النساء والرجال.

كم كانت لور مغيزل تتمتع بخلقية رفيعة: صارحتني ايضا بأنها لا تريد ان تبرز نفسها، بل كانت تحب ان تعطي كل الرائدات في العمل من اجل حقوق المرأة حقوقهن. فكرنا سويًا ان نجري مقابلات مع النساء الرائدات اللواتي ما زلن على قيد الحياة كي نستخلص منهن كيف دافعن عن حقوق المرأة. واجرينا جزءاً من ذلك.

رغم معرفتي بلور مغيزل، والقرابة الروحية بينها وبيني شعرت لدى صدور الوثائق كم تعرفت اليها أكثر فأكثر. وهناك مسألة استراتيجية وتقولها لور في كتابها. بعض النقابات في لبنان لديها لوائح مطالب جاهزة بعدة امتار، وهذا مناقض لطريقتها، لأن هذه الطريقة تنقصها الاستراتيجية والواقعية.

تقول لور مغيزل في كتابها حول “اتفاقية القضاء على كل اشكال التمييز ضد المرأة”: “وضعنا خطة، ثم اجرينا جردة بأوضاع التشريع، ثم قسمنا المطالب الى مراحل. وفي كل مرحلة اعطينا اولويات وألفنّا لجنة لمتابعتها”، بما معناه ان لور مغيزل كانت تركز: تأخذ مطلبًا وتسير فيه حتى تحقيقه، ليس على الطريقة النضالية السطحية لبعض الهيئات النقابية التي تعد جردة بعدة امتار تعرف سلفًا انها غير واقعية ويصعب تحقيقها، وربما احيانًأ عن حسن نية ولكن مع استراتيجية سيئة. لور مغيزل استراتيجيًا تأخذ فكرة وتمضي بها بعناد واستمرارية وثبات، وعندما تحققها تنتقل الى غيرها. وفي كتابها “اتفاقية القضاء على كل اشكال التمييز ضد المرأة”، تحدد كل المراحل واين وصلنا اليوم في حقوق المرأة، وماذا ينقص بعد للتحقيق وكأنها تقوم بتنفيذ مشروع للاجيال القادمة وللمتابعة.

نوع آخر في التاريخ والكتابة

كتاب لور مغيزل هو نوع آخر من التاريخ هو تاريخ الناس، وتاريخ الحريات. يقتضي التوسع في كتابة تاريخ لبنان، وليس فقط كتابة التاريخ السياسي الديبلوماسي ولكن التاريخ الاجتماعي، تاريخ الناس، التاريخ الثقافي، تاريخ اللبنانيين، وهذا ما يجمع اللبنانيين، وهو تاريخ ايضًا.

تصف السيدة الاولى منى الهراوي لور مغيزل خلال تقديم الدليل “نحن مواطنون” بأنها “الضمير” فتقول: “في حركة النضال من اجل قضية المرأة وانصافها بدأت بجدارة مع رائدات الحركة النسائية وصبت جهودها على تنزيه التشريع اللبناني من النصوص المجحفة بحق المرأة حتى ان تاريخ لور مغيزل هو من تاريخ هذا النضال نفسه. وعند لور مغيزل القانون هو اكثر من نص، إنه تطبيق. لور مغيزل باحثة علمية وعاملة ميدانية.”

لدى مراجعتي النصوص في الجزء الثاني ذهلت اكثر بأسلوب كتابتها. حيث ان النصوص لم تكن في اكثرها في صيغة نهائية فكنت اسعى الى ربط بعض الجمل، دون عودة بالضرورة الى السطر بعد كل فكرة ونبذة من فكرة، كما افعله في اخراج نصوص مؤلفات تسمى جامعية او اكاديمية… ثم توقفت كمن فوجئ بالجرم المشهود، جرم تحوير ما تريده فعلاً لور مغيزل من خلال الكتابة!

لور مغيزل لا تكتب، كما يفعله كثيرون، للبلاغة الكلامية او لثقافة الوجاهة او المكانة العلماوية. تريد منك ان لا تنساق في “حبائل الكلام” – وهو اشد ما ينبذه الانجيل – وان تتوقف عند كل جملة، وربما كل عبارة، لانها محطة عمل مركز وهادف. كلمة لور مغيزل هي الكلمة المجسدة، التي تحث على الفعل، والكلمة الفاعلة والمحطة في الاستراتيجية المتكاملة.
لور مغيزل لا تكتب انشاء، مع كل سمو انشائها، بل تكتب ارادة وفعلاً وسلوكًا. قليلون يجسدون هذا القول الرائع لهنري برغسون: “اعمل كرجل فكر وفكر كرجل عمل”:

“Agir en homme de pensée et penser en homme d’action” (Henri Bergson)
فلا عجب ان تكون لور مغيزل مرجعًا في العمل الميداني دفاعًا عن حقوق الانسان. في رسالة بعثتها اليها “مراقبات في مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد”، في 17/6/1996، يتبين لك كيف قرأت لور مغيزل الرسالة ووضعت اشارات تحت كلمات محطات: مراقبات، الرئيسة الاولى السيدة الهراوي سنة 1974، تثبيتًا، شرط اخضاعنا مجددًا الى مباراة (الباب الخامس، المرأة والعمل، وثيقة 50). كتاب لور مغيزل هو كتاب من نوع آخر، كتاب حياة وعمل وسلوك.

الثقة والقيادة

سلمتني لور مغيزل في اوائل 1996 وثائقها التي تؤرخ نضالها اليومي في سبيل حقوق الانسان طوال نصف قرن كعربون ثقة بقدرتي على استيعاب روحية هذه الأوراق واكتشاف طريقة الافادة منها وانجاز ما ادركته وصية منذ ذلك الوقت.
لم تعد تسألني بعدئذ حتى وهي على فراش المرض عن هذه الوثائق ولا عن مكان وجودها ولا عن مصيرها ولا طبعًا عن طريقة اخراجها وتبويبها والاستفادة منها وتعميمها.

تتخطى ثقة لور مغيزل المعقول. وتتخطى هذه الثقة قدراتي الفعلية، وان كانت دائمًا، لدى الاتصال بي أو مراسلتي على قصاصات ورق صغيرة، تسميني دائمًا “الطاقة”. من اسرار الصفة القيادية للور مغيزل ثقتها التي هي تعبير عن الايمان بقوة الخير، شرط الرهان على الخير، والتركيز على ابرز فضائل الآخر بدلاً من الاهتمام بالثغرات والنواقص، والسير في هذا الرهان الى آخر المطاف.

الثقة عدوى تمتد وتنتشر وتحرك القدرات والطاقات والامكانات. ثقة لور مغيزل عنصر فخر لمن يكتسبها.
وثقتها عبء يلاحقك في كل مساراتك.

كانت دائمًا معي، ترتيبًا واوراقًا وقلما. شعرت بذلك مرارًا لدى ميلي الى اهمال وثيقة، أو لدى مراجعة بعض النصوص. تعلمت واتعلم دائمًا من لور مغيزل. لا أتعلم معرفة هي متوافرة في الجامعات والكتب ووسائل التواصل الحديثة، بل تعلمت واتعلم قيمًا سلوكية في الالتزام والارادة والثبات والمتابعة والاستمرارية.

ما أذهلني لدى وضع فهرست الجزء الثالث، وبعد ان استكشفت مجمل الوثائق، انه لا يوجد قضية تتبناها لور مغيزل الا وتتابعها وتستمر في ملاحقتها وتوصلها الى نهايتها. لم تباشر عملاً الا وتابعته واستمرت به وانجزته. ينبع ذلك من الايمان بأن لكل انسان دعوة ودور في الحياة، من وضوح الرؤيا والاقتناع بالمبادئ والضرورة، ومن الثقة بالقدرة الذاتية وقدرة الآخرين، وان ترددوا او تقاعسوا، ومن الجديّة فكرًا وعملاً، ومن ارادة فولاذية لا تستقيل ولا تقهر وتقوى على كل العراقيل والصعوبات لأنها ارادة الروح الحرة والمتحررة.

الثقة هي التعبير العملي للحب لأنها ترى في الانسان افضل ما لديه وتحمل الامل في الافضل بالرغم من الصعوبات والزلات والانحرافات. انها تستشرف الوردة التي لم تزهر بعد من خلال بذار غارق في اوحال وتقلبات مناخ واعاصير.
الثقة صفة ملازمة للآلهة والانبياء والرسل والقياديين والذين يتعاطون في التربية، بدءاً من الوالدين. انها الرافعة والحافز والدافع والملهم التي تحمل الآخر على ان يكون جديرًا بهذه الثقة والارتقاء الى مستواها وتطلعاتها الاستشرافية وحلمها الذي يبدو بعيد المنال.

اذا كنت من الطيبين – كما كانت تسميهم لور مغيزل – ارتقيت الى هذه الثقة. واذا كنت ضعيفًا او مستسلمًا للضعف او سيئ النية، خذلت هذه الثقة من خلال استغلال الصورة الايجابية التي توفرها والصيت والمكانة الاجتماعية.
واذا كنت ضعيف الالتزام والارادة والجهد والتصميم والمتابعة ظلت الثقة حلمًا تتغنى به او تعتبره خيالاً من عمر الشباب. الثقة رهان على الافضل. الواثق بالآخر يواجه دائمًا الاحباط واليأس، وقد ينحو الى العدول عن ميله الطبيعي الى الثقة لأنه تعرّض للغش والاستغلال. لكنه اذا كان من الانبياء والرسل والقياديين والتربويين، فهو لا يعدل عن ثقته بالثقة التي هي فاعل تغيير، لأنه اذا حدث انك لم تمنح ثقتك لمن يحمل طاقات كبيرة محتملة او شككت بقدراته تكون قد قتلت في المهد طاقة قد تتفجر ابداعًا. ثقة لور مغيزل لمن تثق بهم هي قمة المحبة. انهم من كانت تسميهم “الطيبين”.

(1) لور مغيزل، حقوق المرأة الانسان في لبنان (في ضوء اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة)، بيروت، اللجنة الوطنية لشؤون المرأة ومؤسسة جوزف مغيزل 1997، 188ص.

(•) لور مغيزل، نصف قرن دفاعاً عن حقوق المرأة في لبنان 1947-1997، اعداد انطوان مسرّه وطوني عطاالله، مؤسسة جوزف ولور مغيزل والمؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم والجمعية اللبنانية للعلوم السياسية – بيروت – المكتبة الشرقية – ثلاثة أجزاء – 2009.

An Nahar – 20/9/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق