أركلوجيا المشرق

     ثمة  تصورات  تاريخية قابعة في أعماقنا ، تتكشف طاقتها القوية والغامضة باستمرار في كل اللحظات الحاسمة التي تستدعي تسييلها. ومنذ بداية الاحتكاك العنيف  مع الحداثة  كانت  هذه التصورات تتحرك مثل  طبقة راسبة ، في ردود أفعال تعيد تمثلات غامضة من الرموز والأفكار والتأويلات المختلفة للدين؛ تستجيب لها مجتمعاتنا، فتمنعها  – بغموضها ذاك – عن الرؤية الموضوعية سواء بالنسبة لذاتها  أو للآخر   . 
    
   ورغم أن حسبان  بعض مظاهر الحياة حقائق واضحة وبديهية أمر يستعصي على الفحص الفلسفي العميق، إلا ضمن أفق تأويلي نسبي، للكثير من ظواهر الحياة المادية والإنسانية التي تتواطأ على تأسيس بنية متماسكة لعموميات الحياة ومنطقها الكلي، إلا أن الكثير من تلك القضايا المتعلقة بالجانب الإنساني من الحياة تتحايث سلبا وإيجابا مع شروط  البيئة الإنسانية المنتجة لها .

      في منطقة الشرق الإسلامي ثمة أركلوجيا ضاربة من الأفكار والتصورات والتأويلات الماضوية ، تنهض باستمرار، وبصور مفاجئة وغير متوقعة  وصادمة أحيانا، لتشد المجتمعات في هذا الجزء من العالم إلى ملاذات تاريخية متوهمة حين الإقدام على إحداث قطيعة إيجابية مع الماضي لمواجهة إشكالات العالم الحديث .
 ذلك أن الماضي الغامض وما ينطوي عليه من رؤى وتصورات للدين ظل باستمرار هو الجدار الصلب خلف كل المظاهر الحداثية الخادعة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية. ومما لا شك فيه أن الطاقة الإنسانية التي تحقق تحولات تاريخية ما، ترتبط وجودا وعدما  بحالة من التصالح مع الذات تستقطب التناقضات التي تعيق حركتها وحريتها في ذلك المجتمع حين يحدث التغيير. وعليه يمكننا القول إن حركة المد الإسلامي الأول (الفتح الإسلامي) كانت حركة تاريخية بامتياز، وكانت تاريخيتها تلك تستند إلى تلك الطاقة التي أدت إلى تحولات كبرى في تاريخ العالم الوسيط . الأمر الذي جعلها (معجزة بشرية) بحسب عبد الله العروي. 
 

     بيد أن تلك المجتمعات أصابتها تحولات تاريخية معقدة بعد ذلك ، آلت بها  إلى التخلف الفظيع الذي تعيشه اليوم ، وبصورة أصبحت فيها عاجزة عن القدرة على تحقيق الحد الأدنى من سوية عادية ترفع ذلك التخلف …

   هل ثمة طبيعة استثنائية لمجتمعات هذه المنطقة في بنيتها التكوينية التاريخية غير قابلة للقياس الإنساني العام ؟
أم إن قوة الماضي أشد ثقلا من كل تحديات الحاضر ؟
أم إن العلة التي تعيقها عن الانسجام مع ذاتها هي علة أصلية في بنية الدين؟


    رغم هذه الأسئلة الشائكة، والإجابات المتعددة التي يمكن أن تترتب عليها، سيظل الخلل غير الطبيعي في إدراك طريقة اشتغال التخلف ورواسبه المعبرة عن نفسها بالتناقضات التي تتحكم في حياتنا، هو المظهر الموضوعي الظاهر للأزمة.  
فحين  تتجدد الدهشة بمخترعات الحياة المادية في أوربا وأمريكا ، منذ أيام رفاعة الطهطاوي وإلى يومنا هذا بأساليب لا متناهية في مئات آلاف المرات والحالات التي تحصل للأفراد والجماعات  دون أن تتوقف تلك الدهشة ولو لمرة واحدة ؛ لا ينطوي ذلك على غياب معنى منضبط لأسباب الأزمة التي تعيشها مجتمعاتنا فحسب ؛ بل على عدم القدرة على اكتشاف أسباب الأزمة في أي لحظة من لحظات الزمن المدور  في هذه المجتمعات . 
 

     لقد توقفت تلك الدهشة في عيون الكوريين والتايوانيين (كان دخل الفرد العراقي أعلى من التايواني والماليزي في العام 1977)  بعد أن تكررت المعجزات التقنية الصغيرة في حياتهم  . ولم تتوقف فينا رغم أننا أبصرناها قبلهم لأول مرة بسنوات طويلة .
هل للأمر علاقة بموقعنا في مركز العالم ومهبط الديانات التوحيدية ؟
أم لأن تلك الأمم الكورية والتايوانية إلخ  أمم طرفية بعيدة من ناحية ، ولا تدين بدين ذي منطلقات مرنة وقابلة للانزياح مثل الدين الإسلامي مثلا ؟
       للأسف ليس هناك من يستطيع  تحديد العلاقات المعقدة  التي أدت، ليس إلى التخلف فحسب، بل إلى العجز المطلق الذي يحول دون إدراك كيفية  تجاوز هذا التخلف الذي أوشك أن يكون دلالة حصرية على العرب وبعض شعوب افريقيا السمراء التي لم تعرف – على الأقل –  تاريخا وحضارة إنسانيين في العصر الوسيط ، كما كان للعرب مثلا . فمن يتأمل حال المشرق العربي اليوم ، وهو يستعيد الماضي المنبعث من تلك الطبقات الراسبة ، حين يقع  بلد كبير من بلدانه في الاحتلال الخارجي كـ(العراق) ، أوفي  حالات الاحتقان الطائفي الداخلي المؤدية إلى الاقتتال كـما جري قبل أيام في (لبنان)  لا يكاد يصدق ما يرى . فما ينشط اليوم في العراق مثلا، من هويات طائفية تاريخية، عبر الجماعات الدينية المسيسة وما يصاحب ذلك من قتل ودمار وعنف عشوائي، يمثل حالة من حالات ذلك الاستعصاء التاريخي المانع من التحول الحقيقي نحو الحداثة ومظهرا من مظاهر الأركلوجيا التاريخية لتأويلات الدين . لقد مثلت تلك العودة في بعض المواقف بانوراما تاريخية غريبة ، جعلت إحدى الصحفيات الغربيات أثناء تغطيتها  لأول احتفال بيوم عاشوراء في العراق بعد سقوط النظام العراقي (حين أبصرت طقوس  البكاء والضرب والدم لجماهير الشيعة)  تتساءل عما إذا كان الحسين بن علي قد مات قبل أيام قلائل؟  
 
     فعودة الهويات التاريخية، بعد أشواط طويلة من التعليم والاحتكاك بالعالم الحديث لا يعبر عن غرابة هذه الحالة التي يعيشها العرب فحسب، بل وكذلك عن جدوى ذلك التعليم الحديث الذي دل بذاته على إمكانية فك الارتباط بين الأيدلوجيا والمعرفة، تماما كما دلت بعض قدرات عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي  في مجال تقنية المتفجرات واستخدام الإنترنت على عدم ضرورة الاقتران الشرطي  بين العقل التقني، والوعي الموضوعي بالحداثة .

           إن قدرة المجتمعات العربية الغريبة  على الانسجام الطبيعي والتاريخي مع التناقضات الحادة التي تتحكم في حياتها، لا تقوم دليلا فقط على العمق التاريخي للقمع، وإنما تدل أيضا دلالة واضحة على أن السطح الذي يحكم علاقات تلك المجتمعات هو قشرة ظاهرة لحالات من التمثل اللاواعي للكثير من تلك التصورات التاريخية الكامنة للمعتقدات والرموز والتأويلات غير المستقرة، وغير القادرة على إنتاج المعنى الموضوعي الذي يسمح لتلك المجتمعات بالانخراط في شروط العالم الحديث، ما يعني أن عجزها عن تجاوز ذاتها التاريخية لا يمكن أن يزول إلا بعد فحص وتعرية للأعماق الراسبة في أصولها التي تنتج تلك التناقضات المستمرة .
كل الحيثيات المفترضة لاختبار قياس إنساني مشابه لحال تخلف العرب والمسلمين لا تؤدي إلى إجابات موضوعية .  فليس عجزنا عن اللحاق بالحداثة وتمثلها موضوعيا هو بسبب عامل الزمن .  فقد لحقت أمم بالحداثة عرفتها بعدنا .
والغريب أن كمون طبقات وعينا الباطن، وقدرتها على إحياء التصورات التاريخية القديمة الملتبسة على نحو معقد، أمر لا تعين عليه التوقعات. فهل ثمة قراءة موضوعية لحال العرب في بدايات القرن الماضي وحتى السبعينات منه، كان يمكن أن تحيل في توقعاتها إلى ظهور الأصولية والتدين والتطرف في نهاية القرن، وبداية هذه الألفية الثالثة ؟ 
 

     لكن السؤال الاستراتيجي ليس هو : لماذا ظهرت الصحوة الدينية مع بعض تأويلاتها العنيفة في نهاية القرن الماضي، بل هو: هل كان هذا الظهور أمرا طبيعيا ومتوقعا من واقع صيرورة تلك المجتمعات أم لا؟  وما هي طبيعة المعرفة  الموضوعية التي كان بالإمكان أن تؤدي إلى عقلنة الوعي الديني وإدراك التوصيف الدقيق لسياق الذات التاريخية للعرب في الأزمنة الحديثة؟
 
       هنا عند هذا السؤال سنجد أنفسنا أمام حيثيات أخرى تتصل باحتكاكنا العنيف بالحداثة عند لحظتين تاريخيتين مختلفتين تماما . هذه الصورة من الاحتكاك العنيف بالحداثة (الاستعمار) ظلت باستمرار سببا من أسباب القراءة الأيدلوجية الخادعة للحداثة وللدين معا. ثمة وعي نشأ عند الكثيرين من رواد الفكر العربي لا سيما الإصلاحيين  مفاده : أن فارق الحداثة مع أوربا هو في الرهان على مسافة قريبة (متوهمة في الحقيقة) يمكن قطعها من أجل الوصول للحظة الحداثة الأوربية اللامعة . فقد كانت تلك اللحظة لحظة فاتنة، وكان الظن الغالب هو: أن إحلال أشكال الوسائل المعرفية  الحديثة لنهضة أوربا كالمدارس والجامعات  وغيرها في واقع مجتمعاتنا  كاف بذاته للحاق بتلك اللحظة الحداثية الأوربية التي نراها. بمعنى آخر لقد كانت الحداثة الأداتية المادية التي رافقت الظاهرة الاستعمارية هي التي خطفت أبصار النخب الفكرية العربية عن رؤية الطريق الحقيقي الذي يمكن أن يكون نواة  للنهضة العربية .
ومن ثم  أوحت الثورات العلمية والتكنولوجية في أوربا وآثارها المادية الباهرة  للكثير من النخب العربية أن القطيعة مع العالم القديم ومكوناته الأساسية كالدين  حدثت مرة وإلى الأبد في كل جهات العالم . وكانت لتلك الصورة التي أوحت بها أوربا في قيام نهضتها العلمية بعد هجر الدين والتخلص من سلطانه، أكبر تأثير أيدلوجي انتقل للنخب العربية وأغراها بإهمال قضية الدين وتصوراته الراسبة في تلك الطبقة التاريخية من وعي المجتمعات العربية. لقد تمت مطابقة وهمية في إقصاء الدين، آيدلوجيا، دون التفكير في المرور بتجربة عميقة للإصلاح الديني كما حدث في أوريا. أو حتى دون التأمل في وارد حيثيات الاختلاف الديني بين أوربا والعالم الإسلامي . ولهذا فعودة المجتمعات العربية للتدين بأنماط مختلفة ومتطرفة وملتبسة في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة  هي، في صورة مّا ، الوجه الآخر للدين الذي انبعث من جديد ، و ظهر كرد فعل على ذلك الإقصاء التام  عن حقول الدراسة والبحث الجاد المتصل  بطبيعته وحقيقة وجوده في حياة المجتمعات العربية . والملاحظ هنا أن الدين في تاريخ المجتمعات العربية لم يكن منفصلا عن تراثها( كما في أوربا حيث كان التراث اليوناني الإغريقي هو التراث، بينما كانت المسيحية الكنسية هي الدين) بل كان الإسلام هو اللحظة التاريخية المركزية المؤسسة لذلك التراث. الأمر الذي جعل مهمة القطيعة مع التراث لدى المفكرين العرب لا تخلو عن مغامرة القطيعة مع الدين. وكان في الصورة الحديثة للحياة في ذلك الوقت (نهايات القرن التاسع عشر وحتى ستينات القرن العشرين) حيث ضمر الدين بسبب تخلف المسلمين من ناحية، وبسبب الحداثة الأوربية التي تعرف عليها العرب بعيدا عن الدين؛ كان في كل ذلك ما أدى إلى إقصاء فكرة البحث في قضايا الدين وإعادة القراءات  التأويلية لمفاهيمه. اللهم إلا عند من درسوا تعليما دينيا مثل الإمام محمد عبده والأفغاني وغيرهما . 
 

         ولهذا لم تحدث القطيعة المعرفية، لا مع الدين، ولا مع التراث. وفي غياب هذه القطيعة التي هي الشرط الشارط لتجاوز التراث بحسب عبارة الخولي الشهيرة (أول شرط لتجاوز التراث : قتله بحثا) أصبحت العودة إلى التدين الخام بأنماطه المختلفة هي النتيجة الطبيعية، كلما أصيبت المجتمعات العربية بهزات كيانية من الخارج .
وفي ظل إدراك هذا المعنى الذي بدا واضحا لعلاقة الدين بالمجتمعات العربية وتأويلاته المطيـَّـفة والمنعكسة  في مظاهر الحياة اليوم، هل يمكن للمشروعات الفكرية المتصلة بقراءات الفكر الديني ( في غياب تلك القطيعة التي لم تحدث)  أن تنجز مشروعها بعيدا عن القاعدة المعرفية  الضخمة للعلوم المنهجية  التي أنتجها الغرب وحقق بها طفرات هائلة ؟         

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق