أزمة الجامعات العربية

يأتي كتاب “أزمة الجامعات العربية” ضمن سلسلة “آفاق تربوية متجدّدة” ليتناول قضايا أزمة التعليم الجامعي في العالم العربي، في دعوة لإثارة مزيد من النقاش حول هذه القضايا؛ للخروج من الأزمة التي تعتري منظومة التعليم العربي بشكل عامّ، والجامعيّ بشكل خاصّ، لاسيما في ظلّ ما تلعبه الجامعات من دور مهمّ في خدمة المجتمعات العربية وتنميتها.

وتنبع أهمية هذا الكتاب ليس فقط من أهمية الموضوع الذي يتناوله، وإنما من موقع مؤلفه في مسيرة القيادة التربوية، إذ شغل الكاتب منصب عميد كلية التربية جامعة الفيوم، ويعمل حالياً أستاذا لأصول التربية بجامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية، وهو ما كفل له الحصول على الخبرة الكافية للحكم على واقع التعليم الجامعي العربي، والإلمام بأهمّ المشكلات التي تواجهه، بل وطرح الأفكار والتوصيات التي من شأنها الارتقاء بمستوى التعليم الجامعيّ عربياً، حيث لم يخل الكتاب من المقترحات في العديد من مواضعه.

وقد اعتمد الكتاب في عرضه لأزمة التعليم الجامعي في الدول العربية، على منهجين: الأوّل: المنهج التاريخيّ التراكميّ، ومن خلاله أوضح الكاتب أثر الحركة التاريخية لتطوّر المؤسّسة الجامعية منذ بدايات عصر النهضة الأوروبية، على وضع الجامعات العربية في الوقت الحالي، والثاني: منهج العرض الأفقيّ الذي تناول بالتوضيح الظواهر والعلاقات داخل المؤسسات التعليمية الجامعية، ومع المؤسّسات المجتمعية الأخرى في السياق المجتمعيّ، وبالتالي أثر هذه التفاعلات على وضع هذه الجامعات.

يقع الكتاب في ثلاثة فصول، يركّز أوّلها على التطوّرات التاريخية التي شهدتها الجامعة كمفهوم وتنظيم عبر العصور، وعلى أبعاد أزمة التعليم الجامعي، سواء ما يتصل بغموض الفلسفة التي تعمل الجامعات وفقا لها في مختلف الحقب التاريخية، أو في المظاهر المتصلة بعلاقة هذه الجامعات بمجتمعاتها، حيث أشار الكاتب إلى أنّ أهمّ الدروس التاريخية المستفادة من استقراء تاريخ التعليم الجامعي ومراحل تطوّره، يتمثّل في أنّ انعزال الجامعات عن مجتمعاتها في عصر النهضة وبداية العصر الحديث، في الوقت الذي بدأت فيه المجتمعات الأوروبية تشهد تحوّلا اجتماعيّا كبيرا، وحصر نفسها في وظيفة التدريس، قد نتج عنه تراجع دور الجامعات في إفراز تيّارات فكرية جديدة داخلها، وبالتالي ظهور أغلب المفكّرين والمبدعين من خارج الجامعة في ذلك الوقت، أمثال وليم شكسبير، وتوماس جيفرسون، وهيجل، إذ لم تُبْد الجامعات خلال هذه الفترة اكتراثا بأهمّية إبداعات هؤلاء، بل إنّها كانت تنظر إلي ما يقدّمونه من أفكار بنوع من الاستهزاء والشكّ.

وبمقارنة تاريخ الجامعات مع حاضرها عَدّد الكاتب خلال هذا الفصل مظاهر ضعف مكانتها في المجتمعات المختلفة في:- ميل هذه الجامعات إلي الحفاظ على الجانب التقليدي، أكثر من احتفاظها بمضمونها الليبرالي، وازدياد المسافة بينها وبين التطور الاجتماعي والفكر السياسي؛ وذلك لتزايد معدلات البطالة بين خرّيجيها، الناتج عن عدم تأهّلهم بالكيفية المناسبة لسوق العمل داخلها، إلي جانب هبوط وظيفة الجامعة من التفكير والتنظيم للمجتمع إلى إمداد الصفوة الحاكمة بالموظفين من الأساتذة.

وينهي الكاتب الفصل الأول بالتأكيد على ضرورة التخلص ممّا وصفه “بوهم” استقلال الجامعة عن المجتمع، ذلك الوهم الذي ترسّخ منذ العصور الوسطى، إذ ظهرت هذه الجامعات في مجتمعات يغلب عليها الطابع الريفيّ، وتتّسم بالوحدة الثقافية في العلاقات الاجتماعية، أمّا الآن فالجامعات تعايش واقعا مختلفا، بما يجعل من المستحيل عليها أن تستقلّ في أهدافها أو نظمها أو تمويلها عن المجتمع.

ثم ينطلق الكاتب في الفصل الثاني إلى مستوى التفاعلات الخارجية للمؤسسات التعليمية الجامعية، حيث تناول قضية تفاعل الجامعات العربية مع ظاهرة العولمة، سواء فيما يخص كفاءة الخريجين، أو مستوى وكمّ الإبداع العلمي والمعرفي المنتج من خلالها، مشيرا إلى أن ذلك قد يكون أحد الأسباب التي أسهمت في خروج الجامعات العربية من التصنيف الدولي.
ويوضّح الكاتب من خلال هذا الفصل أن ظاهرة العولمة التي بدأ التأريخ لها منذ ما يقرب من خمسة قرون، قد تمثّلت أخطر تداعياتها في انشطار الثقافة القومية وتجزّؤها وتحوّلها إلى تيّارات متصارعة، بالتالي فإنّ التعامل مع هذه الظاهرة يفرض ضرورة المحافظة على الذات والهوية، وهو ما بات يفرض على الجامعات العربية ضرورة لعب دور أساسيّ وفاعل في المساعدة على التفاعل العقلاني مع هذه الظاهرة، وذلك على مستويين:-الأوّل: الارتقاء بمستوى بناء الوعي لدى الرأي العامّ حول هذه الظاهرة، ومدلولاتها، وتطوّراتها، الثاني: تطوير مستويات إنتاج المعرفة، حيث تعدّ المعرفة العنصر الإنتاجي الأساسيّ الأعلى قيمة في عصر العولمة، لاسيما في ضوء ضعف الإمكانات البحثية للمؤسّسات الإنتاجية العربية، واعتمادها استيراد التكنولوجيا ونظم المعلومات الخاصة بها من الخارج.

وبالنظر إلى الأدوار التي من المفترض أن تناط بالجامعات العربية، يشير الكاتب إلى ضرورة تغلّب الأخيرة على المشكلات التي تقلّل من فاعلية الجامعة كمؤسّسة لإنتاج المعرفة ونقلها، وذلك من خلال عدّة آليات من أهمّها: إعادة النظر في اعتبار العلم الغربيّ العلم الأوحد، ونقله دون الوعي بما وراءه من مسلّمات وأفكار، سواء كان ذلك في العلوم الطبيعية، أو الإنسانية، إلى جانب العمل على تغيير نمط البحث العلمي الحالي، الذي تحوّل إلى الاعتقاد المطلق في العلم التجريبي الاستقرائي كطريق وحيد للمعرفة، دون التفكير في ما وراء الظواهر التي يسعى البحث لقياسها.

واصل الكاتب في الفصل الأخير تناوله لتفاعل الجامعات مع المجتمع، حيث عرض لأبعاد ومشكلات الشراكة بين الجامعة والمؤسسات الإنتاجية والخدمية في المجتمع. مستعينا في إطار رصده لأبعاد علاقات التشارك بين الجامعات ومؤسسات المجتمع، بدراسة ميدانية أجراها بغرض استقراء معوقات فاعلية هذه العلاقات وكيفية التغلب على تحدياتها، استهدفت هذه الدراسة استطلاع رأي المسئولين في الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني في مصر.

وقد أوضح الكاتب في هذا الإطار أنّ العلاقة بين المؤسسات الجامعية والبحثية، وبين المؤسّسات الاجتماعية الأخرى علاقة ذات اتّجاهين، تخدم الطرفين معا، إذ أنّ حاجة المؤسسات الإنتاجية والخدمية للمنتج المعرفي قد دفعتها إلى المساهمة في إنشاء مؤسسات تعليمية وبحثية، وتلك الأخيرة قد استفادت بدورها من التمويل الذي قدمته هذه المؤسسات، مشيرا إلي نماذج من هذا التبادل المنفعى مثل مؤسّستي “راند”، “كارينجي”، ومعهد “ماسوستش.”

في حين أظهرت نتائج استطلاع الرأي، أنّ أنماط التفاعل بين مؤسّسات التعليم العالي في الدول المتقدمة ومجتمعاتها المحلية قد شهدت تطوّرا، وما كان لها أن تتقدّم لولا ما توفّر من سياق ثقافيّ أتاح لمؤسسات التعليم العالي فرصة تطوير أسلوب إدارتها؛ من ناحية اكتسابها قدرا أكبر من المرونة، جنّبها الجمود الفكريّ والانعزال عن المجتمع بناء على ما قدّمته مؤسّسات المجتمع المدني من تسهيلات، في الوقت الذي لا تزال فيه علاقة التعليم العالي في المجتمعات العربية وبصفه خاصة المجتمع المصري تقف عند حدود الأمنيات، حيث تقتصر على المشاركة في تنظيم وتنفيذ بعض برامج التدريب، وتقديم بعض الاستشارات أو تقديم تفسير لبعض المشكلات، أمّا تلك القضايا المرتبطة بجوهر عملية التنمية فتكاد تكون المشاركات حولها معدومة.

وفي ضوء واقع التعليم الجامعي الذي رصده الكتاب، يختتم المؤلف كتابه بتقديم عدّة توصيات من شأنها الارتقاء بالعملية التعليمية في مصر والعالم العربي، وذلك من خلال:-
– إنشاء مراكز بحثية يناط بها دراسة مشكلات قومية ذات أبعاد متعددة، عبر تقديم تصوّرات لها صفة الشمولية حول أهمّ القضايا القومية.
– تفعيل قنوات الاتصال والتواصل بين الجامعات والمؤسسات الإنتاجية والخدمية؛ بهدف إيجاد بيئة مترابطة يمكن من خلالها تكوين قاعدة علمية وتكنولوجية في المجتمعات العربية.
– تشجيع عملية النشر العلمي؛ بهدف تبسيط المعرفة العلمية لأبناء المجتمع خارج الجامعة.

العنوان: أزمة الجامعات العربية
المؤلف: د- يوسف سيد محمود
الناشر: الدار المصرية اللبنانية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق